النشرةبارزبختم كربلاء

الناشط السياسي البحريني الشيخ محمد علي التل لـ”مرآة الجزيرة”: 41 عاماً من تأثيرات انتفاضة المحرم تعزز جذوة الزخم النهضوي في نفوس المستضعفين

تبقى العلامات البارزة في انتفاض الشعوب على الظلم والطغيان أساس من أساسيات البقاء ومقارعة الاستبداد على مر العصور. ولعل طواغيت الأرض التي تخاف التحركات الشعبية وتمعن في قمعها بشتى صنوف الانتهاكات والجرائم ثم تحاول جهدها أن تخفي ما اقترفته من جنايات وما ارتكبته من انتهاكات، غير أن وقائع محددة في التاريخ تغدو بفصولها كرّاساً تتناقله الأجيال وعلى وجه الخصوص في أيامنا هذه، مع انتقال مفاهيم الثورة الحسينية الكربلائية إلى انتصارات انتفاضة المحرم المجيدة، والتي بعثت بشرارتها الحية لدفع الشعوب نحو تحركات أكبر ومتواصلة، تبرز أن واقعة كربلاء ممتدة بأشكال مختلفة في بقاع الأرض. ومما لاشك فيه، أن تجسيد مفاهيم الواقعة الحسينية خلال انتفاضة “القطيف والأحساء” عام 1400هـ، كانت دليلاً واضحاً لتحركات الشعوب ورفضها الاستمرار تحت وطأة ظلم الطغاة، وهو ما يحاكيه في حوار خاص مع “مرآة الجزيرة” الناشط السياسي البحريني الشيخ محمد علي التل،،

مرآة الجزيرة – سناء إبراهيم

لاشك أن انتصار “الدم على السيف” مقولة أساس في معالم ردع المستبد الظالم انطلاقاً من كربلاء العزة والصمود، عزة بلورتها الانتفاضة المجيدة التي حاكها شعب الجزيرة العربية وتحديداً في “القطيف والأحساء”، مع إبراز الدور المفصلي للمرحلة التي أسست لما بعدها من مراحل. يجزم الشيخ محمد علي التل بأنه “لا يخفى على أي متابع لحركة الشعوب في مواجهة الطواغيت، أن أبرز معلم في الانتفاضة المجيدة هو إسقاط هيبة الطاغية، وتحطيم السياجات التي وضعها على نفسه؛ من هيبة مصطنعة  لا قيام لها ولا قوام،  وهذا ما فعلته انتفاضة 1400 هجرية، مشدداً على أنها “لم تبق لآل سعود من هيبة، فكل ما اصطنعته لنفسها، تحطمت في ستة أيام، وأسست هذه الانتفاضة المجيدة لتأريخ جديد في هذا الصراع، فأصبح بعد ليال حالكة، يعيش الهلع والخوف من الناس، وهنا المعادلة الجديدة”.

في حوار مع “مرآة الجزيرة” بمناسبة ذكرى الانتفاضة المجيدة، يعرّج الناشط السياسي البحريني على مسألة القمع الذي تُرجم على يد النظام خلال أحدث الأيام الستة، إذ يقول “التاريخ علمنا، أن قطع الرؤوس، وسفك الدماء البريئة هو السلاح الذي يعتمده الطواغيت، في قمع حركات التحرر المطالبة بالحقوق والإصلاح”، وتابع “غير أن هذا الدم الهادر، له وجهان، وجه يشاهده الطاغية على أنه سبيل للخلاص من أوجاع المطالبين الشجعان بحقوق الناس، ووجه يكتبه الأحرار، ويسطره التاريخ، أن الدم الحق صانع للتاريخ الصحيح، وموجه للإنسان في طريقه نحو كماله المفقود، ومنير له سبل الخلاص من شرار البشر”. ويعتبر أن دم المظلوم هو صرخة متجذرة نامية، تظهر ثمارها شيئا فشيئا، ومخطئ من يستعجل قطافها، “وهذا ما سنلمسه قريبا إن شاء الله تعالى في مستقبل الأمم المحرومة، ولاسيما في بلاد الحرمين، حيث السقوط المدوي، لعائلة ظالمة، فاقدة للشرعية، وما ذلك إلا نتيجة غرس الدم المظلوم عبر محطات تاريخية مؤلمة، منها محطة انتفاضة محرم الحرام”.

خط سير النهضات يتواصل حتى تحقيق الأهداف الحقة

ولأن الانتفاضة المجيدة كانت ملهمة للشعوب فيما بعدها من مراحل وسط استمرار الطغيان والتسلط، فإن المقاربة باستفادة التحركات والانتفاضات التي شهدتها المنطقة فيما بعد من معالم تلك الأحداث لا شك أنه واضح، وهذا الوضوح يبرز في تطور التاريخ البشري، ويلفت الشيخ التل إلى أن “سنّة التطور في التأريخ البشري، لا تقف عند حدود، فما صنعته كربلاء تطور في ثورة التوابين ونهضة المختار، كما لها أثرها في كل الثورات والنهضات التالية في العصور اللاحقة، كالعصر الأموي، والعصر العباسي، حتى يومنا هذا، وفي الأماكن المتفرقة، من الشام حتى المغرب العربي، حيث كانت هي الملهم الأول لها جميعا، وبأساليب مختلفة تناسب عنصري الزمان والمكان”. ويشدد على أن “الذاكرة النهضوية، كحجر الدومينو يحرك بعضه بعضا، فانتفاضة محرم المجيدة، كانت نسخة جديدة محدثة للنهضات السابقة لها، فكذلك ما تلاها، كنهضة 2011م، هو عبارة عن محاولة ترميم النقصان الموجود في انتفاضة 1979م”. ويتابع بأن “النهضات ستسير حتى تحقيق جميع أهداف النهضة الأولى في النهضة الأخيرة، فهذا الخط كما كان له شرف إشعال موقد البداية، له شرف تحقيق النتائج في النهاية، ومابين البداية والنهاية ثمة شرف إبقاء الجذوة والزخم النهضوي في صدور المظلومين”.

إلى ذلك، يتطرق الناشط السياسي البحريني إلى الترابط بين انتفاضات الجزيرة العربية ضد الطواغيت، والتي كان بينها انتفاضة الكرامة في أرض القطيف والأحساء وانتفاضة الرابع عشر من فبراير في البحرين، إذ ينبه إلى أنه لا تباين في النهضات، من جهة تغيير الواقع السيء بواقع أفضل، إنما هناك، وأعبر عنه  بالتكامل النوعي تارة؛  وهي النهضات غير المتطابقة في المنطلقات أو الوسائل أو الأهداف، وتارة أخرى بالتكامل الشخصي  أي النهضات المتطابقة، التي تكون وكأنها ثورة واحدة، قائلاً “ما أعتقده في المقاربة بين نهضتي القطيف والبحرين 2011م، حيث المنطلقات والأهداف، فهما نهضة واحدة  شخصية، لا نوعية، وإن اختلفت الجغرافيا”. ويتابع أن “الأثر البنائي واضح في كشف البنية الطاغوتية للنظامين السعودي والخليفي، التي لا تزال مستمرة، وبأشكال متعددة، كالإعلامي والحقوقي، والسياسي، وغيره”.

في سياق مترابط، فإن تأثيرات الانتفاضة المجيدة على الوعي السياسي في الجزيرة العربية كان جلياً، يقول الشيخ التل إن “محرم عَبرة وعِبرة، ولا شك أن محرم بقى طاغيا عليه الجانب الأول منه أعوام مديدة، ولم يرتق الفهم العام إلى الفهم الكامل؛ الذي يجمع الجانبين، العبرة والعبرة، إلا مع النهضتين المباركتين، لمرجعين عظيمين، هما الإمام روح الله الخميني (قده)، في إيران، والإمام السيد الشهيد محمد باقر الصدر  في العراق. وهذان العالمان الجليلان استطاعا أن يغيرا مفهوم عاشوراء الذي كان ذا بُعد واحد؛ البعد البكائي الفجائعي، إلى مفهوم متكامل يتحرك في واقعنا، فبالإضافة إلى البعد الأول أضافا البعد التغييري في الداخل والخارج”. ويؤكد أنه “على هذا الأساس قامت هذه الانتفاضة الشعبية المجيدة، رابطة النظرية بالتطبيق، مؤسسة لوعي حركي جديد في واقعنا المأزوم سياسيا، لأن الإماما الحسين (ع) لا يريد بكائين فقط، إنما يريد المؤمنين الأقوياء الجامعين للبعدين معا، الوعي والعاطفة، وهذا ما أسست له انتفاضة محرم المباركة، وكرسته في الحركة النهضوية ضد الطغاة في الحجاز”.

انتفاضة المحرم إلهام العاشقين المدافعين عن حقوقهم

أما اليوم، وبعد 41 من الانتفاضة المجيدة، فإن واقع الهدوء في حركات الشعوب وعدم الانتفاض على الاستبداد الطاغي يطرح علامات استفهام، وهنا، يشدد سماح الشيخ التل على أن المقارنة بين الأمس واليوم تعتبر مقارنة ظالمة، لأنه لكل زمان حيثياته ومقدماته وملابساته وحساباته، لذا من الصعب المقاربة بين حدثين في زمانين مختلفين، مشيراً إلى أن “انتفاضة المحرم المجيدة، حدثت في زمان أشبه ما يكون بأحداث صدر الإسلام، حيث انبعاث الإسلام بعد جاهلية جهلاء، وهذا ما حدث تماما مع انتفاضة محرم، فبعد عقود من ظلام الجاهلية الجديدة، حيث اختفت الشريعة الإسلامية عن حياة الناس، ولم تبق إلا العقيدة في قلوب الناس يتناقلونها من جيل إلى آخر عبر أيام عاشوراء، وفجأة ينبعث نور من الحوزة في قم ليعم أرجاء الأرض ويقلب المفاهيم التي ظل الناس عقودا يتداولونها على أنها الحق، لتمتلأ المساجد بعد فراغها، ويصبح صوت المنبر الحسيني مختلفا، وينشد الناس إلى العمامة الصالحة المتحركة، ومن كل هذا أصبحت العاطفة الحسينية هي المسيطرة، والوعي المندفع نحو إصلاح الواقع البعيد عن تعاليم الإسلام هو المتحرك آنذاك”.

ويضيف الناشط السياسي أن السبب واضح، لأن البدايات تختلف عما يأتي بعدها، فضلا عن النهايات، معتبراً أن “ظروف البدايات والتوهج المصاحب لها، قد يأخذ مسارات أخرى بعد ذلك؛ نتيجة تراكم التجربة، فتختلف الحسابات، ويصبح الحذر من زيادة الخسائر هو سيد الموقف، فتلجأ الناس، وفق هذه الحسابات، إلى تجربة أساليب أخرى، بشكل يكون تأثيرها أوسع، ودائرتها أضيق، باستراتيجية النفس الطويل، وكل ذلك حفاظا على الزخم النهضوي في الناس، انتظارا للحظة النهضوية”.  ويتابع “تجريب المجرب خطأ فادح، ووسيلة العاجزين، ورغم أن تجربة انتفاضة محرم لها إيقاعها الخاص، ووقعها المميز، لكنها ورقة مكشوفة لدى النظام، فالقضاء عليها سهل يسير، وعليه لا بد من طرق جديدة تناسب الزمان والمكان وتملك عنصر المباغتة”.

في هذه الآونة ومع هذه الذكرى، تحل على المنطقة أزمات سياسية وصحية واجتماعية متعددة، وتفرض سياقات مختلفة في التعامل القائم بشتى مواضيع الأحداث، وبينها انتشار وباء كورونا، الذي فرض حظرا سلطوياً على إحياء المراسم العاشورئية، حيث يرى الشيخ التل أنه مما لا شك فيه أن نهضة الإمام الحسين (ع) ما زالت ترعب الطواغيت، وتشكل هاجسا مقلقا لهم، خوفا من رجوع المناصب إلى ذوي الاستحقاق، معتبراً أنه ليس مستغربا، أن تحارب الأنظمة الظالمة المستبدة هذه المفاهيم العاشورائية وتمنع إقامة المراسم الإحيائية لعاشوراء بحجة كورونا أو غيرها، فهم ينتظرون اللحظة التي يستطيعون القضاء على هذه المراسم بشكل نهائي، لما تشكل لهم هذه المراسم من أحلام مزعجة، تقض مضاجعهم. مضاجع لا تتأثر بما تؤول إليه الوقائع والأوضاع التي تتجه نحوها الأنظمة المهرولة نحو تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال “الإسرائيلي”، إذ يشدد على أنه مقابل الصورة التي تفرضها هذه الأنظمة فعلى العلماء دوراً أساسياً في “إبراز الوعي الملتزم بالمبادئ الأصيلة، وإبراز انحرافات الحكام، وكشف زيف التبريرات التي يسوقها وعاظ السلاطين والساسة المتزلفين، أصحاب المصالح”، مشددا على أنه “جرى اتخاذ مواقف عملية في الحيلولة دون التطبيع مع الكيان الغاصب، وهي متنوعة وعديدة”.

وفي خلاصة الحوار، يتوجه سماحته برسالة من أجل الاستفادة من معالم الثورة العاشورائية في انتفاضة 1400هـ، ويقول “إن الزخم النهضوي المرتبط بعاشوراء، ليس له إلا الديمومة والبقاء، فكلما عشنا بوجداننا ووعينا كربلاء، أصبحنا كربلائيين، والكربلائي يستحيل له السكون والرضوخ والهزيمة. فلنكن كربلائيين ضد يزيد ومنهجه، كما كانت انتفاضة محرم المجيدة، وإلا سنبقى أذلاء مهانين، بل نعشق الذل والهوان. فإما خط كربلاء ومنهجها، وإما الذل والهوان تحت سلطة الطواغيت”، مشددعلى أن هذا هو مفاد قول الإمام الحسين (ع) : “ألا أن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى