النشرةبارزبختم كربلاء

انتفاضة بختم كربلاء.. “عاشوراء” لغز الشيعة الذي أرعب آل سعود

زينب فرحات – مرآة الجزيرة

يترقّب النظام السعودي مراسم إحياء عاشوراء مع بداية شهر محرم من كل عام. هلع النظام غير المبرر يلاحق أهالي القطيف والأحساء الذين ينتظرون الموسم بشوق لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام). إذ تجد القوات السعودية ترصد وتطارد كل نشاط سلمي لممارسة الشعائر الحسينية، من قبيل إحياء مآتم العزاء، توزيع الطعام، رفع الرايات السوداء. وهي عادات دأب الأهالي على ممارستها للتعبير عن حبهم ووفائهم لأهل البيت (عليهم السلام).

بحسب مصادر أهلية، تنقضُّ القوات السعودية على أماكن إحياء الشعائر الحسينية، خلال الأيام الأولى لشهر محرم في كل عام، إذ تقوم بنزع الرايات السوداء واللافتات التي خطّ عليها شعارات عن عاشوراء، ثم تتجه لهدم مضائف الطعام، واعتقال الخطباء والرواديد ولا تفرج عنهم إلا بعد تقديم تعهد بعدم المشاركة في إحياء المآتم الحسينية، بالإضافة إلى تهديد الشبان لثنيهم عن المشاركة في مسيرات العاشر من محرم.

استعار القوات السعودية غير المفهوم، يحيلنا إلى الماضي وتحديداً لإنتفاضة محرم 1400ه/ 1979م في القطيف والأحساء. انتفاضة بختم كربلاء.. شكّلت عقدة لآل سعود تجاه الشيعة وتحديداً تجاه ذكرى إحياء عاشوراء. عقدته هذه أٌضيفت إلى عقدة الوهابية الحليف التقليدي للنظام السعودي في الظلم والاضطهاد للشيعة، فانتهى به الأمر أمام عقدة مركبة حيال أحد أهم مكوّنات الدولة التي بناها فوق جماجم الأبرياء من شعوب مناطق الجزيرة العربية والحجاز. وعملياً ثمة استحالة بالإنفكاك منها. ما حدث في انتفاضة محرم هو أن الأهالي مارسوا عاشوراء، وبتعبير أوضح أخرجوا مفاهيمها ومنظومتها القيمية إلى حيّز التطبيق العملي، وهو حراك كان كفيل بفضح فجور النظام السعودي المتلبّس برداء الإسلام، والتأسيس لإسقاطه عبر الكفاح والعمل المعارض المتواصل حتى اليوم. وبالرغم من أن الإنتفاضة أُخمدت بعد أيام من اندلاعها لكن عقدة النظام السعودي لا تزال قائمة بل تشتد وتستشرس مع كل محرم. فما سبب ذلك؟

بدايةً، يعلم النظام السعودي أن لذكرى عاشوراء هالة ساحرة تجذب جميع المسلمين، وبالأخص الشيعة. سبب هذه الهالة لا يعود إلى كون معركة كربلاء التي قتل فيها الإمام الحسين(ع) و72 من أهله وأصحابه، هي واقعة ملحمية تثير العواطف فحسب، إنما في كونها واقعة سياسية بالدرجة الأولى. حتى مشاعر الحزن التي تنتاب الحاضرين في مآتم الإحياء السنوية، تدفع بأصحابها نحو القضايا السياسية ويكون ذلك من خلال حنكة الخطباء الذين يدرّبون الناس كيف يعيشون عاشوراء ويحيونها، حتى لا تتحول إلى مشاعر عاطفية عابرة، طالما أن لكل عصر يزيد ويجب أن يواجهه حسيناً. الإمام الخميني تحدث في هذا الصدد عن ما يسمى بالبكاء السياسي. أي كان يحذر بشدّة من أن تتحول عاشوراء لمجرّد مشاعر تفتقد لأي دلالة سياسية وإجتماعية قادرة على إنتاج واقع أفضل. ففي كتابه “نهضة عاشوراء”، قال: “ولا تظنوا أن الأمر مجرد بكاء وحسب أبداً فالقضية سياسية إجتماعية ولو كان الأمر مجرد بكاء فقط فلم التباكي؟… لا يظنوا أننا مجرد شعب بكاء فإننا شعب تمكن بواسطة هذا البكاء والعزاء من الإطاحة بنظام عمّر الفين وخمسمائة عام (83، 21)، ولذلك يخشى النظام السعودي من عاشوراء.

بالإضافة إلى ذلك، ثمة في عاشوراء عامل آخر على ذات القدر من الأهمية، وهو أن المجالس والمواكب التي تعد أبرز الشعائر الحسينية، تربط الجماهير ببعضها البعض، تحركهم، تلم شمل جميع شرائح المجتمع تحت راية الإنتصار للحق والثورة على الظلم. تخلق أجواءاً دافئة من التعاضد والتضامن بين الناس، حين يصبح الطعام والشراب بالمجان وللجميع دون أي شرط، حين تنهال فيه الصدقات بأنواعها المادية والعينية على الفقراء والمحتاجين، حين تنصهر جميع الإختلافات ليجتمع الناس حول قضية واحدة هي قضية الحسين. الأمر الذي من شأنه وضع اللبنة الأولى لحركة جماهيرية منظمة تتحرك نحو هدف واحد. فكيف لذلك كله أن لا يُزعج نظام يحكم وفق مبدأ فرّق تسد؟ وهو الذي عمد إلى زرع التحريض الطائفي بين المسلمين على امتداد العالم الإسلامي كي يحدث شرخاً في صفوف الأمة. شرخٌ يعيقها عن التفكير والعمل للأبد، يقودها نحو الجهل بحبال العصبيات الجاهلية مستخدماً لوازم تكفير الشيعة، وتسفيه شعائرهم ومحو آثارها.

إن ذكرى عاشوراء تعّري النظام الإسلامي الحالي في “السعودية” وتفضح زيفه وتلحّفه بغطاء الإسلام الذي يبعد عنه كل البعد، وتروّج لمفاهيم الإسلام المحمدي الأصيل. إنها توقظ روح المواجهة في أعماق الناس الذين أسكرهم القمع والظلم، فيندفعون إلى مواجهة إمبراطورية الشر. وذلك ينحسب أيضاً على كافة مآتم أهل البيت (ع)، فالإمام محمد الباقر أوصى ولده الإمام جعفر الصادق أن يقيم مجالس عزاء عن روحه الطاهرة في موسم الحج بعد استشهادة لعشرة سنوات متتالية. الإمام تعمد اختيار الحج لأنه المكان الذي يجمع أكبر عدد من المسلمين سنوياً وبالتالي، سيُخلق مأتم الإمام حالة من توحيد الناس على اختلاف مشاربهم وأطيافهم، ويوجّه طاقاتهم نحو حكم النظام الفاسد والظالم. ولذلك نفهم اليوم لماذا النظام السعودي يحارب بشدة ذكر أي مسألة سياسية خلال الحج، بما في ذلك القضية الفلسطينية والتجاهر برفض الإحتلال الأمريكي والصهيوني.

في المحصلة، لا شيء يعطي النظام السعودي الحق بقمع إحياء الشيعة لمراسم عاشوراء، ولا شيء يبرر التعامل بوحشية مع الأهالي لفضّ التجمعات السلمية، حتى لو كانت تحمل في مضامينها شعارات ومعاني تخيفه، أساساً خوفه منها هو أول دليل على انتفاء شرعيته وعدم أحقيته بالحكم. طبعاً لا ننتظر من النظام السعودي أن يتعامل بديمقراطية مع الأهالي في القطيف والأحساء، هذا النظام مارق لا أمل منه، إنما تعويلنا على كل من فهم عاشوراء، الذكرى التي تخيف النظام في “السعودية”، كما أخافت قبله نظام الشاه في إيران ونظام صدام حسين في العراق، وللحديث تتمّة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى