النشرةبارزتحليلات

تصاعد الحضور الصيني في المنطقة.. هل يكبح صراعات الرياض؟  

الحاجة دفعت الرياض لتشرّع أبوابها أمام بكين بالرغم من الضغوطات الأمريكية المستمرة لضبط هذا الإندفاع. واقع الحال أن الرياض واقعة بين القوتين، فهي من جهة تحتاج استثمارات الصين ومن جهة أخرى تحتاج واشنطن لتحمي عروش ملوكها وأمرائها الذين يعلمون جيداً أن خروج الولايات المتحدة من “السعودية” يعني زوالهم وإنتهاء عهدهم،،  

مرآة الجزيرة ـ عامر الحسن

تسلّلت الصين بخفّة إلى الشرق الأوسط خلال العشرية الأخيرة، ومن المرجّح أن تحمل العشرية القادمة حضوراً أكبر وأعمق لها في منطقتنا لتكون بذلك المنافس الأول للولايات المتحدة التي تنخرط معها في “حرب باردة”. يبدو هذا الولوج إنسيابياً بدرجة عالية ويكاد لا يعيقه شيء بإستثناء العراقيل التي تضعها الولايات المتحدة أمام دول المنطقة للحد من قطر التمدد الصيني. 

 للحضور الصيني المتمدّد في الشرق الأوسط أسبابه السياسية والإقتصادية. فالعقل الصيني يعمل وفق آليات منظمة خالية من التعقيدات السياسية. ولذلك نجدها تستثمر في “السعودية” وإيران، في الإمارات وتركيا، فلسطين وكيان الإحتلال، وغيرها، تجمع جميع الأطراف دون أن تتموضع في كنف أحد ضد الآخر. تبرع الصين في التفريق بين العلاقات السياسية والإقتصادية للدول ولذلك تتسلل إليها بمعزل عن نظام الحكم فيها، سواء ديمقراطي أو ديكتاتوري، ولا تنصب نفسها راعياً للحريات والديمقراطية، أو تحشر نفسها في العلاقات الخارجية للدولة التي تستثمر فيها، وهو الأمر الذي يروق لدول قمعية تتعرض للإبتزاز الدائم بملف حقوق الإنسان في الداخل.  

مع الوقت، تتحوّل بكين إلى غريم واشنطن الأول، ولذلك تستشرس الأخيرة بطردها من المنطقة بكل الوسائل الممكنة، تارةً عبر الترهيب وأخرى الترغيب لضمان بقائها على مسافة بعيدة من الشرق، لكنها عبثاً تحاول في ظل تصاعد حاجة دول المنطقة لبلد كالصين. والسبب في ذلك أن الولايات المتحدة تستثمر في الأزمات السياسية للدول حفاظاً على مصالحها حصراً مع تنصلّها الدائم من التزامتها المقررة مسبقاً، فضلاً عن أنها لا تمتلك مشروع حقيقي وواضح في الشرق سوى تدمير الأوطان وإبقاء المنطقة على صفيح ساخن ما يجعل حلفائها يفتحون الباب الخلفي لإدخال ضيف آخر أكثر التزاماً وواقعية في ظل الأزمات الإقتصادية والمالية الخانقة التي تمر فيها وحاجتها الماسة لإيجاد بديل. 

لم تكن “السعودية” بعيدة عن التمدد الصيني فقد شهد التعاون الإقتصادي والتجاري بين البلدين نمواً سريعاً خلال السنوات الماضية إذ بلغ حجم التجارة بين البلدين 42.2 مليار دولار عام 2016، لتصبح الرياض وبكين أكبر شريكين تجاريين في غرب آسيا وأفريقيا. فضلاً عن ذلك بلغت قيمة المشروعات الصينية في “السعودية” حوالي 5.3 مليار دولار يأتي في مقدمتها الإستثمار في مشاريع التكرير وخدمات حقول النفط والبنية التحتية للسكك الحديدية ومحطات الكهرباء والإتصالات ومصانع الأسمنت وغيرها. والمعلوم أن الحاجة هي ما دفع الرياض لتشرّع أبوابها أمام بكين بالرغم من الضغوطات الأمريكية المستمرة لضبط هذا الإندفاع. واقع الحال أن الرياض واقعة بين القوتين، فهي من جهة تحتاج استثمارات الصين ومن جهة أخرى تحتاج واشنطن لتحمي عروش ملوكها وأمرائها الذين يعلمون جيداً أن خروج الولايات المتحدة من “السعودية” يعني زوالهم وإنتهاء عهدهم.  

إن وجود الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو وجود معقد ومتجذّر، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بطبيعة أنظمة دول المنطقة ومؤسساتها الأمنية والسياسية والإعلامية لذا ليس من المنطق أن تتخلى واشنطن عن مصالحها في الشرق بسهولة وتفسح المجال أمام التنين الصيني. لن يحصل ذلك إطلاقاً بالرغم من الأزمات الإقتصادية التي تعصف بأركان الولايات المتحدة والتكاليف الضخمة التي تدفعها على الإنفاق العسكري خارج حدودها، ذلك أنها تقاتل بشراسة لإبعاد دول المنطقة عن الصين من جهة ولحاجة بعض هذه الدول إليها وتحديداً “السعودية”. ففي العراق حين قرر رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي توقيع عقد بقيمة نصف تريليون دولار مع الصين هبت ضده مظاهرات عارمة أطاحت به، وفي الكيان الإسرائيلي أثارت العلاقات الإقتصادية بين حكومة الإحتلال وبكين قلق واشنطن ما دفع بوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يطير إلى الأراضي المحتلة لتجميد الإستثمارات الصينية التي عقدت مؤخراً بقيمة مليار ونصف دولار مع الإحتلال. وفي لبنان أيضاً ثمة عرض صيني بإنشاء محطات توليد كهرباء، قطارات و”أوتوسترادات” وشبكات نقل عملاقة وأنفاق جسورة تربط البقاع ببيروت في دقائق بدل ساعات وغيرها لم يتم السير بها نظراً للتهديدات الأمريكية التي تتلقاها الحكومة اللبنانية.  

في المقابل، لا تزال الأنظمة العربية التي لا تتحلَّ بالحد الأدنى من الشرعية وتواجه صعوبة في الإبتعاد عن واشنطن التي تؤمن لها الحماية مقابل الدفع، وهو ما يقوله الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل صريح وشفاف للحكام السعوديين. وبالتالي من الصعب أن يكون النموذج الصيني بديلاً عن النموذج الأمريكي إنما منافساً له على الأقل في الوقت الحالي.  

صحيح أن الصين تبقى على مسافة بعيدة عن سياسات الدولة التي تقيم فيها مشاريع تجارية وإقتصادية، وصحيح أنها لا تهتم إطلاقاً بشكل وبنية النظام الحاكم، لكن إيجابية وجودها في المنطقة أنها تضفي هامش كبير من الواقعية على دول مجنونة حروب وصراعات “كالسعودية” فالتغلغل الصيني في الشرق يقتضي امتصاص شرارة الأزمات لا النفث عليها على غرار النموذج الأمريكي وهذا كفيل بجعل بكف شهية الدول المارقة عن إراقة الدماء والتطلع إلى تحقيق مستقبل أفضل لشعوبها إذا ما استشعرت بأن الحماية الأمريكية آخذة بالتضاؤل. 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى