السكن والعقارات.. معضلة تتأرجح بين مزاعم السلطة ومعاناة المواطن

,, تشكل أزمة الإسكان وقلة البيوتات والوحدات السكنية في البلاد معضلة تنال من حياة الطبقات الاجتماعية المختلفة، مع وصول ارتفاع اعداد الذين لا يمتلكون مأوى نسبة تفوق 44 بالمائة من اجمالي المواطنين، رغم أنهم في بلد يزخر بالثروات النفطية التي يجب أن تشكل مصدرا لتحسين الأوضاع الحياتية وتوفر رفاهية معيشية للمواطنين من دون أي حرج،،

مرآة الجزيرة

كان لانتشار وباء كورونا القدرة على تعرية السلطات السعودية وفضح الأزمات التي تعيشها البلاد ولا تعمل الجهات المعنية على حلها أو استدراك مساوئها وتداعياتها. ورغم استفحال الازمات والمعضلات الاقتصادية، تعتمد الرياض على وضع قواعد اقتصادية شكلية ورؤى مزعومة يتولى صياغتها المعنيون بالسلطة، إلا أنها لا ترى النور وتبقى حبرا على ورق، ليتأكد أنها غير ناجعة ولا جدوى منها. وضمن هذه الأزمات تتبلور أزمة السكن والعقارات، وسط الاكتظاظ السكاني، وانعدام الوحدات السكنية وعدم تنفيذ المشاريع والاكتفاء بإصدار التصاريح والتعليمات والتوصيات التي لا فعالية لها على أرض الواقع، إلا بما يعود بالنفع على السلطة.

تشكل أزمة الإسكان وقلة البيوتات والوحدات السكنية في البلاد معضلة تنال من حياة الطبقات الاجتماعية المختلفة، مع وصول ارتفاع اعداد الذين لا يمتلكون مأوى نسبة تفوق 44 بالمائة من اجمالي المواطنين، رغم أنهم في بلد يزخر بالثروات النفطية التي يجب أن تشكل مصدرا لتحسين الأوضاع الحياتية وتوفر رفاهية معيشية للمواطنين من دون أي حرج. ونتيجة الأزمة، يتجه معظم من لا يمتلك منزلاً نحو الاستئجار أو الخيار البديل بالسكن الجماعي مع العائلة، وهذا الخيار المحتوم على الكثير من المواطنين يبدو أنه انعكس سلباً في انتشار وتفشي وباء كورونا، في ظل الاكتظاظ من جهة، وعدم سعة البيوتات أو إمكانيتها لعزل أحد من الأفراد في غرفة مستقلة كون أعداد من يقطنون المنزل كبير بالنسبة إلى ما يتوفر به من غرف، وأشارت معلومات إلى أعداد الإصابات بالوباء العالمي  وانتشاره بسرعة كبرى من دون أن التمكن من السيطرة عليه، كان للاكتظاظ السكاني سببا جوهريا به.

تعود الأزمة الإسكانية إلى عقود مضت، مع استيلاء السلطة على الموارد الأساسية في البلاد، وحظر النفع عن المواطنين من نفط وأراض ومشاريع، بل إنها تعمّدت لأعوام سلب الأراضي حتى من أصحابها، وفرضت رسوم خيالية على الوحدات الإسكانية ما منع الكثير من المشاريع من الاستمرار والإستكمال، وبالتالي مفاقمة معاناة الناس، وتضررت أسراً بأكملها، على الرغم من الادعاءات الحكومية التي تتغنى بالمشاريع على الورق وتقول إن هنالك مخططات تعمل على إنجازها ، لكن هذه الإنجازات لا تعدو كونها تصريحات إعلامية، يخفى خلفها الكثير من الصفقات والأساليب الملتوية التي يستفيد منها المستثمرين ووراءهم السلطات فقط.

وفق المعلومات، تدعي الجهات المعنية أن الهدف من السوق العقاري العود بالنفع على المجتمع وتطويع الصفقات الحكومية من أجل خدمة الأسر قبل القطاع الاستثماري والتجاري، غير أن الواقع مغاير للادعاءات، فالأسر تعاني من أوضاع اقتصادية صعبة، ومن انعدام القدرة الشرائية وسط الركود الاقتصادي في البلاد خاصة في هذه الآونة وتحت سلطة ولي العهد محمد بن سلمان، الذي أعلن عن رؤية 2030 الاقتصادية التي ضمنها مختلف عناوين الاقتصاد وضمنها إيجاد حلول جذرية لأزمة السكن، مر على إطلاق الرؤية أكثر من ثلاثة أعوام، وبدلاً من التخفيف من وطأة وتأثيرات المشكلة، فقد تفاقمت وارتفعت أعداد الذين يعانون من عدم امتلاك منزل، ما يشي بعدم فعالية الرؤى أو بقائها ضمن المخططات الإسمية لا مكان لها على أرض التنفيذ.

مليون وحدة سكنية في مهب المزاعم

منذ عام 2017، أطلق مجلس “الشؤون الاقتصادية والتنمية” برنامج الإسكان الذي حددت أهدافه “بتقديم حلول سكنية للأسر السعودية تساعدهم على تملك المنازل المناسبة، أو الانتفاع بها وفق احتياجاتهم وقدراتهم المادية”، وذلك عبر حرصه على “تفادي التمويل المباشر لإنشاء الوحدات والمجمعات السكنية، والاستفادة من القطاع الخاص، ودعمه بالحلول التمويلية لتمكين الأسر السعودية من الحصول على مساكن ملائمة، وزيادة نسبة تملكها إلى 60%، مع زيادة المحتوى المحلي في قطاع الإسكان إلى 73.6%”، هذا المجلس وهذه الأهداف المحددة لم يحدث لها تطبيق على أرض الواقع، وقد خرجت الكثير من الانتقادات لبقاء المشروعات قيد العناوين رغم مرور سنوات على إطلاقها، فهي لم تدخل حيّز التنفيذ، وسط ما تعانيه الأسر من كثير من الأزمات والاكتظاظ والأوضاع الاقتصادية المتأزمة.

 وفي حين تلحظ الأهداف التي يتم خطها على الورق ما تبتغيه الأسر والمناطق وتحدد الأهداف بأن تكون الأولويات متوافقة وحاجات المناطق، بحسب ما جاء ببرنامج الإسكان إذ تم تحديد ضرورة أن “يشمل نطاق عمل البرنامج ثلاثة محاور، يأتي في مقدمتها زيادة العرض على المساكن عن طريق تنظيم الكثافة السكانية وتطوير مراكز المدن، وتوفير الأراضي، وبناء وحدات سكنية في وقت قياسي”، ولكن لم تنبه الجهات المعنية إلى معنى الوقت القياسي الذي يمنعها من بلورة ادعاءاتها في الواقع. فإن محددات الأهداف للبرنامج اشتملت ايضا،على حق المستفيدين بالحصول على دعم مادي وتطوير العقارات أيضا ووضع أسس للعلاقة بين الملاك والمستفيدين من الوحدات السكانية، ولكن جميع المحددات والأطر الخاصة بها لم تكن ذا قيمة فعليه، خاصة مع عدم إنجاز أي من مشاريع الوحدات السكنية.

ابن سلمان عند إطلاقه رؤية 2030، أعلن أنه سيتم تنفيذ مليون وحدة سكنية، بغية التخلص من نقص الشقق والوحدات السكنية وأيضا ارتفاع أسعار الإيجارات، لكن لا حلول بسطت على أرض الواقع، وبقي المواطن يزرح تحت وطأة انصراف المخطط السلطوي نحو الفعاليات الترفيهية والكماليات وسياسات التغريب في البلاد، ووفق إحصاءات تقريبية  هناك ما يقارب  1.2 مليون مواطن يعيشون تحت عنوان العاجزين عن امتلاك مسكن نتيجة انخفاض إمكاناتهم المادية، التي ادعى البرنامج الاسكاني بأنه سيعمل على حلها، لكن من دون جدوى.

 تشير تقديرات شركة الإستشارات “سي.بي ريتشارد إيليس” إلى أن نحو 60 بالمائة من المواطنين يعيشون في شقق مستأجرة،  ولعل ما يزيد من خحجم التعثر والأزمات في الوقت الراهن،زيادة الضرائب على القيمة المضافة وهي تشمل العقارات، التي تسجل الصفقات الرسمية هبوطاً بلغ أدنى مستوياته منذ بداية يوليو الحالي، وصلت نسبته إلى 84 بالمائة، تشير التوقعات إلى أن أزمات هذا القطاع من المرجح أن تزيد بشكل متصاعد مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي تضرب العصب الاقتصادي في مختلف القطاعات.

يشار إلى أن “وزارة الاسكان”، التي لم تؤمن حلول  للعوائل والأسر بشأن واقع الوحدات السكانية للتخفيف من وطأة الأزمات، عمدت إلى زيادة الأوضاع سوءا مع إعلانها مؤخراً، أنها أوقفت مدفوعات اثنين من برامجها لدعم الرهن العقاري، التي تشمل “برنامج القروض بدون فائدة للعسكريين الذي يغطي 20% من العقار، أو ما يصل إلى 140 ألف ريال سعودي (37 ألف دولار). كما تم إيقاف خطة أخرى تقدم للمواطنين مساعدة تصل إلى 95 ألف ريال أو 10% من الممتلكات”.

 وقد أثارت القرارات موجات غضب عارمة بين المواطنين الباحثين عن إمكانية تأمين مأوى، والذي يبدو في خانة المستحيلات مع تعثر البرامج المعلنة وعدم تحقيق أي تقدم في مختلف الخيارات الاقتصادية التي تعلنها الجهات المعنية، ليبقى المواطن رهينة الأزمات وصفعاتها، عوضاً عن السلطة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى