تحريك واشنطن لقضية “أبراج الخُبر”..علامات استفهام خلف توقيت استهداف طهران والمعتقلين الشيعة!

’’وبموجب التحقيقات التي حصلت حينها، تكشف الدلائل عن أن السفير السعودي في واشنطن حينها بندر بن سلطان، عمل على شراء مدير الـ FBI المدعو لويس فريه، من أجل تمرير الرواية الرسمية التي تصوّب الاتهامات ناحية طهران والشيعة في “القطيف والأحساء”، خاصة وأن التفجير قريبة جغرافيا من هذه المنطقة، وعندها، بدأت المباحث العامة بتسريب ما توده من فبركات حيال القضية إلى (FBI) و (CIA)  عن اعتقال مواطنين شيعة وإلقاء الفبركات ضدهم، ولكن كل ما مررته المباحث لم يكن مسنداً بأدلة ولم يكن هنالك تحقيقات ميدانية، بحسب التقرير السري الذي أجري في يوليو 1996،،

مرآة الجزيرة – سناء إبراهيم

بعد 24 عاما على تفجير أبراج إسكان مدينة الخبر الذي راح ضحيته 19 جندياً تابعين لسلاح الجو الأمريكي، وجرح 372 آخرين، تحرك الإدارة الأميركية ملف القضية، من بوابة الاتهامات والأحكام القضائية الجنائية والعقوبات لتلقي بها جزافاً مرة ناحية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأخرى للنيل من المعتقلين المخفيين قسرياً تحت ذريعة التفجيرات، الأمر الذي يطرح علامات استفهام وتساؤلات عن توقيت تحريك الملف إقليمياً ودوليا، وداخل “السعودية”، وما يخفى وراءه من أهداف مضمرة لاتخدم سوى الحليفين الأميركي والنظام السعودي، وتنال من الكثير من الأصوات المعارضة في الرياض، وأيضاً تصوّب السهام ناحية طهران، التي تعاني الكثير من التضييق والتشديد الدولي.

في هذا السياق، قررت رئيس هيئة القضاة في محكمة منطقة واشنطن الفدرالية بيريل هاويل، الأسبوع الماضي، إلزام الحكومة الإيرانية بدفع نحو 900 مليون دولار كتعويضات نقدية لعائلات  14 طياراً و41 من أفراد أسرهم، بادعاء أنهم عانوا وما زالوا من التفجيرات. وزعمت هويل بأن القرار جاء بالاستناد إلى أدلة سابقة تبرز ما أسمته ضلوع إيران في دعم ومساعدة “حزب الله الحجاز” في تنفيذ الهجوم.

 تعقيباً على القرار الذي صدر في 2 يوليو 2020، وأعلن عنه قبل أيام، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، مورغان أورتاغوس، في تغريدة عبر حسابها في “تويتر”، إن “عملية تفجيرات أبراج الخبر  (1996) في السعودية، ومقتل 19 أمريكياً في تلك العملية التي نفذّها مسلحون اتهمت إيران بدعمهم. قبل 24 عاماً، قتل إرهابيون تدعمهم إيران، 19 أمريكياً في أبراج الخبر وجرحوا مئات آخرين. وجدت محكمة أمريكية مرة أخرى أن إيران مسؤولة عن دفع تعويضات للضحايا وأسرهم. لقد حان وقت العدالة للعديد من ضحايا الإرهاب المدعوم من إيران”، وفق تعبيرها.

كلام المتحدثة باسم الخارجية، لم يكن عادياً ولم يأتِ جزافاً، على الرغم من أن تحقيقات سابقة وجهت الإتهامات بتفجيرات الخبر إلى تنظيم “القاعدة”، وهو الذي أعلن مسؤوليته عنها وتبناها منذ لحظتها الأولى، غير أن الرياض تصرّ منذ اللحظة الأولى على استبعاد التنظيمات الإرهابية وتحيك الاتهامات ضد “حزب الله الحجاز” والجمهورية الإسلامية، ولعل تحريك الملف في هذه الآونة يحمل الكثير من الدلالات السياسية في الهجوم ضد طهران بغية التضييق المتواصل ضدها من قبل الحلف الأميركي ومن يغرّد في سربه من دول المنطقة وفي مقدمتهم “السعودية”.

 القرار الأميركي القضائي الذي حضر الآن، لم يكن الأول من نوعه، فقد سبق للقاضية عينها أن أصدرت قراراً عام 2018،  لتدفع 105 ملايين دولار لـ15 من أفراد القوات المسلحة الأميركية، و24 من أقاربهم الذين أصيبوا في التفجير، وفي قرار منفصل في 2013 إيران بدفع 591 مليون دولار لعائلة أحد الطيارين الأميركيين الذين لقي حتفه في تفجيرات الخبر.

هذه القرارات التي اتخذت ضد الجمهورية على فترات متباعدة، تحمل تساؤلات حول اعتماد هذه الوسيلة للنيل من طهران، خاصة مع فرض العقوبات الأميركية الاقتصادية ضدها، ومحاولة تقييدها من كل صوب، إذ لا تستبعد مصادر مطلعة على القضية، في حديث خاص مع “مرآة الجزيرة”، أن يكون فرض الغرامات المالية يستهدف سلب أموال الجمهورية من أجل خنقها مالياً واقتصادياً، والعمل على “السطو” على ما تبقى لطهران من أموال مجمّدة في أميركا.

وهذا الأمر غير مستبعد تنفيذه من قبل واشنطن، التي طالما دأبت على ابتكار مخططات للنيل من كل فرصة تعمل عليها الجمهورية الايرانية من أجل مكافحة العقوبات الاقتصادية، وشد الحبال حول العنق الاقتصادي والمالي لطهران، في محاولة لإخضاعها سياسياَ، وهذا لم تتمكن الادارة الأميركية وحلفائها أن يفرضه منذ عقود طوال، خاصة وأن ايران لطالما نفت الاتهامات بالتورط أو الوقوف أو حتى دعم منفذي الهجوم، الذي تبناه تنظيم “القاعدة” رسمياً على لسان قائده أسامة بن لادن.

غير أن وزير الداخلية السعودي آنذاك نايف بن عبد العزيز، نفى في تصريح لصحيفة السياسة “الكويتية” عام 1998، تورط بن لادن في التفجير، في حين، توصل تحقيق لوكالة “آي بي إس” الأميركية إلى نفي الاتهامات الموجهة لطهران والشيعة في الحجاز وشبه الجزيرة العربية، ونشر على خمسة أجزاء مضامين  التحقيقات غير المقنعة التي قدمتها الحكومة السعودية والتي انتهت إلى إقحام المواطنين الشيعة، وألقت الاتهامات عليهم من دون أي أدلة دامغة، حتى أنها لم تقنع حتى المعنيين بالتفجير، وقد توصل التحقيق إلى نتيجة مفادها أن “منفذي التفجير هم من الوهابيين المتطرفين، وأن السلطات السعودية أرادت تحريف التحقيق لتلصق الإتهام بالشيعة، الذين يقبع أكثر من 10 معتقلين منهم في السجون  بتهمة القيام بتلك التفجيرات، وهم معتقلون من دون أن يقدموا إلى محاكمة، ومن دون أن تتخذ بحقهم أية إجراءات قضائية أيضا، وبينهم من هم مخفييين قسرياً ولا يعرف مصيرهم أيضاً.

تحقيقات أميركية تثبت تورط القاعدة

ورداً على التضليل الذي أرادته “السعودية” منذ اللحظة الأولى للتفجير، جاء تحقيق مطوّل  لـ غاريث بورتر، وكان تحت عنوان: القاعدة استثنيت من قائمة المشتبهين (Al Qaeda Excluded from the Suspects List). يشير إلى مجريات الأحداث التي حصلت عقب وقوع الإنفجار، منذ لحظة إعطاء أوامر لأكثر من 125 موظفاً في هيئة التحقيقات الفيدرالية (FBI) بحضور الموقع للوقوف على القرائن وبدء التحقيق حول المسؤول عن التفجير، “وأنه بعد وصول إثنين من موظفي السفارة الأميركية الى موقع التفجير في صباح اليوم التالي لحظا بأن جرافة بدأت بتجريف مشهد الجريمة بالكامل، ولم تتوقف الجرافة السعودية إلا بعد أن هدّد المبعوث الخاص لهيئة التحقيقات الفيدرالية الخاص بالتحقيقات في الإرهاب الدولي سكت إرسكن،  بأن وزير الخارجية وارن كريستوفر، الذي صادف وجوده في السعودية حين وقوع الإنفجار، سيتدخل شخصياً في الأمر”. وأشار إلى أن “المخابرات الأميركية اخترقت اتصالات من مستويات عليا في الحكومة السعودية، بما فيها وزير الداخلية، مع أمير المنطقة الشرقية ومسؤولين آخرين فيها يطلب منهم التعاون مع المسؤولين الأميركيين خلال فترة التحقيق على أن يعيقوا عملهم في كل مرة” وهذه الاختراقات كانت بداية ما تكشف عنه المقابلات مع أكثر من عشرة مصادر ذات صلة بالتحقيقات ومعلومات أخرى متوفرة بأن جهداً منظماً من قبل السعوديين لتعطيل سير التحقيقات الأميركية حول الإنفجار، وخداع الولايات المتحدة حول من كان المسؤول عن التفجير، وحينها جهد النظام السعودي لتصويب تحقيقات الFBI باتجاه إيران والمواطنين الشيعة، “مع وجود نيّة واضحة بإبعاد المسؤولين الأميركيين عن أثر الدليل الذي سيقود إلى أسامة بن لادن ومنظومة معقّدة من الروابط بين النظام والقائد الإرهابي السعودي”، بحسب التحقيق.

وبموجب التحقيقات التي حصلت حينها، تكشف الدلائل عن أن السفير السعودي في واشنطن حينها بندر بن سلطان، عمل على شراء مدير الـ FBI المدعو لويس فريه، من أجل تمرير الرواية الرسمية التي تصوّب الاتهامات ناحية طهران والشيعة في “القطيف والأحساء”، خاصة وأن التفجير قريبة جغرافيا من هذه المنطقة، وعندها، بدأت المباحث العامة بتسريب ما توده من فبركات حيال القضية إلى (FBI) و (CIA)  عن اعتقال مواطنين شيعة وإلقاء الفبركات ضدهم، ولكن كل ما مررته المباحث لم يكن مسنداً بأدلة ولم يكن هنالك تحقيقات ميدانية، بحسب التقرير السري الذي أجري في يوليو 1996 . وبحسب تحقيق غاريث بورتر، فإن المناكفات داخل الإدارة الأميركية لعبت دوراً في تمرير ما أراده النظام السعودي عبر بندر بن سلطان الذي على ما يبدو أنه اشترى فريه لإقناعه بأن إيران ضالعة بالتفجيرات، وأبعد الاتهامات عن أسامة بن لادن و”القاعدة” رغم تبنيه للمسؤولية.

استهداف الشيعة..سياسة سلطوية متواصلة

محبكة كانت الاتصالات والفبركات التي اعتمدتها الرياض من أجل النيل من إيران والشيعة في الحجازوشبه الجزيرة العربية، ورغم أن التحقيقات الأميركية كانت على ثقة بالتلاعب الحاصل، والاعتماد على التعذيب للمعتقلين من أجل التوصل إلى توقيع فبركات من شأنها خدمة ما يسمى تحقيقات المباحث العامة، غير أن الواقع المؤكد يبرز أن الحبكة الأميركية السعودية والرشوة التي تلقاها فريه، ليست مضمرة بل إنها واضحة ومهما حاول الأميركيين والسعوديين أن يتخلفوا عن الحقائق، تبقى الحقيقة الدامغة أن الرياض فبركت ما يمكنها فبركته من أجل استهداف طهران والشيعة التي لم يثبت تورطها في الأدلة والتحقيقات المحلية أو الأميركية، بل كانت العملية ولا تزال تهجف إلى الانتقام من جهة لحساب التفاعل الأميركي السعودي فقط.

وعلى صعيد داخلي، يبدو أن تحريك الملف يثير المخاوف على حياة السجناء التسعة المنسيين، الذين اعتقلوا وزجوا بالسجون النتنة والسيئة السمعة من غير دليل، بل بفعل اختلاقات رسمتها وأحاكت خيوطها المباحث العامة للنيل من أبناء المنطقة، بينهم المعتقل عبدالكريم النمر من الأحساء  وابن حي القلعة في القطيف المعتقل عبدالله أحمد الجراش، وابن مدينة سيهات المعتقل الشيخ هاني عبد الرحيم الصايغ، والمعتقل حسين علي آل مغيص من قرية البحاري، إضافة لابن حي مياس السيد مصطفى  والسيد فاضل سعيد العلوي  ومصطفى جعفر المعلم وعلي أحمد المرهون  وصالح مهدي الرمضان أبناء قرية الجارودية، في حين استشهد بسبب التعذيب والتنكيل في السجون بالقضية عينها، الشابين ميثم البحر ومحمد الحائك، نتيجة ما وقع على جسديهما من سياط الموت والتعذيب الشديد. ويضاف إلى قائمة المعتقلين والمنكّل بهم تحت مزاعم تفجير أبراج الخبر، المخفي قسرياً والمجهول المصير الحاج أحمد المغسّل المعروف بـأبو عمران، الذي اعتقل بعد ملاحقة أمنية لعقدين من الزمن، والذي اختطف يوم7 أغسطس 2015 من مطار العاصمة اللبنانية بيروت، حيث تحكم عليه الرياض بالإعدام بتهمة التفجير، كما أنه مطلوب لدى مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي، وهذه الاتهامات تزيد المخاوف على حياته ومصيره، خاصة وأن الرياض وواشنطن لم تعلنا المسؤولية عن عملية الاختطاف وبقي حتى الآن مجهول المصير.

ومع تحريك ملف القضية من جهة واشنطن، فإنه لا شك أن المخاوف تثار على حياة المعتقلين بالقضية من أبناء القطيف والأحساء، خاصة وأن السلطات لا تتواني عن العمليات الانتقامية بكل لحظة ضد أبناء المنطقة، وهذا ما ينذر بخطر التهديد المحدق بحياة المعتقلين ومصيرهم المجهول في وقت لا تنصاع السلطات لأي دعوات حقوقية للإفراج عن المعتقلين، ويغيب عنها أقل وأبسط أسباب العدالة الموجبة لحماية الأفراد ونيلهم لمحاكمات عادلة تحافظ على حياتهم وتحميمهم من الاعداكات الفجائية وغير القانونية، وعلى وجه الخصوص في ظل سلطة وقيادة تنصاع للادارة الأميركية وتعمل على شراء الحمائية الدولية عبر أموال النفط وصفقات السلاح.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى