قضية الشيخ الجيراني شمّاعة الرياض لاستهداف أبناء القطيف اغتيالاً واعتقالاً وملاحقة

لا تنفك السلطات السعودية بالبحث عن أساليب ملتوية وادعاءات وفبركات من أجل “شيطنة” الشباب والنشطاء من أبناء القطيف والأحساء، أكانوا أحراراً أم معتقلين وأيضاً شهداء. ولعل قضية مقتل قاضي دائرة الأوقاف والمواريث بالقطيف الشيخ محمد عبدالله الجيراني من قِبّل أشخاص ملثمين في ديسمبر 2016، لخير دليل على كيفية استغلال السلطة للقضية من أجل استهداف الكثير من الشبان، من دون وجود أدلة أو إثباتات حسية ومادية،،،

مرآة الجزيرة

استغلت السلطة قضية الجيراني الذي اختطف من أمام منزله في جزيرة تاروت، وقيل إنه وجد جثة هامدة في إحدى المزارع النائية في المنطقة، وفق الرواية الرسمية التي ألقتها وزارة الداخلية، وقالت  إن ملثمين اقتادوا الجيراني  إلى مركبة، ومن ثم لمكان مجهول، وفي 19 ديسمبر 2017 أعلنت  الداخلية السعودية العثور على جثة ونسبتها إليه، هذه الصورة التي رسمتها حيال قضية قاضي الأوقاف فبركات على أساسها العديد من الروايات للنيل من أبناء المنطقة، خاصة الذين كان لهم دور فاعل في الحراك السلمي الذي احتضنته القطيف عام 2011م، للمطالبة بالحقوق الأساسية والعدالة الاجتماعية.

كعادتها استغلت السلطة القضية وشغّلت ماكينتها الإعلامية من أجل النيل من أبناء القطيف، وبدأت قبل بدء أي تحقيق بتوجيه الاتهامات جزافاً إلى شباب المنطقة، كما جرت العادة في عدة قضايا سابقة،  من دون إجراء أي  تحقيق أو محاكمة، ما يرى فيه أنه إحدى الملامح الواضحة التي تؤكد على هامشية المؤسسات التي يفترض أن تكون مسؤولة عن تحقيق العدالة، بحسب ما رأت المنظمة “الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان”.

ما تقول عنه السلطات أنه تحقيقات توصلت بموجبها إلى إدراج عدد من أسماء أبناء المنطقة على لائحة الاتهامات بالجريمة وعملية الاختطاف، تم من دون أن تفنّد اتهاماتها أو ترفقها بأدلة، وزعتها وفق ما أملاه عليها أسلوبها بالتعامل التمييزي والطائفي مع هذه المنطقة من دون سواه، ومنذ الأول من يناير 2017، قال المتحدث الأمني بوزارة الداخلية، اللواء منصور التركي، خلال مؤتمر صحفي، “إن نتائج التحقيقات الأمنية حول حادثة الخطف، قادت إلى القبض على ثلاثة أشخاص متورطين في ترصد ومراقبة الجيراني قبل اختطافه، وهم: عبدالله علي آل درويش، مازن علي القبعة، مصطفى أحمد آل سهوان. كما ادعى بأنه تمت معرفة ثلاثة آخرين ضالعين بشكل مباشر في تنفيذ عملية الاختطاف، وهم: محمد آل عمار، وميثم القديحي، وعلي آل أحمد”، ولكن النشطاء الثلاثة الأخيرين، وردا على الاتهامات العشوائية، أعلنوا في 2 يناير 2017، بيانات عبر يوتيوب كذّبوا فيها اتهامات الحكومة السعودية.

وأكد الشبان الثلاثة، أن لا صحة لما أوردت الحكومة من اتهامات بحقهم، “بسبب انعدام وجود بيئة عادلة في المحاكم، واستحالة وجود فرصة للمتهمين بالدفاع عن أنفسهم، وغياب العمل بمبدأ افتراض البراءة من قبل الجانب الرسمي، وفي ظل إنعدام شفافية التحقيقات، وعدم وجود قضاء مستقل، يصعب التأكد من حقيقة الرواية الرسمية”، وأشاروا إلى أن “الذي ينتظر متهمين بهكذا جرائم، هو مستوى مميت من التعذيب، مع الحرمان التام من عناصر المحاكمات العادلة، مايجعل القتل محتملا إلى حد كبير بعد الاعتقال، وذلك على ضوء المعطيات التي تتبعها الحكومة”.

وبكل ما تمكنته السلطات بدأت بتبرير جرائمها بحق أنباء المنطقة والزج بأسمائهم في القضية، وبررت اغتيالها البشع للشاب مصطفى المداد في 9 مارس 2017، أثناء قيادته سيارة في القطيف، بررت صحيفة عكاظ الرسمية، الجريمة بأن المداد أحد المتورطين بعملية اختطاف الشيخ الجيراني، وذلك، رغم أن اسمه لم يرد على لسان المتحدث الأمني، وحتى لو كان قد وجهت إليه اتهامات، فهل يحق للرياض وأدواتها العسكرية اغتياله وسط الشارع العام في جريمة خارج إطار القانون ومن دون أي محاكمة أو توجيه اتهامات للمحاسبة.

وتوالت الجرائم بحق شبان المنطقة وعمليات اغتيالهم، ومع كل جريمة جعلت السلطة قضية الجيراني شمّاعة لتعليق الجرائم عليها وتبرير اغتيالاتها، وهو ما حدث بعد انفجار سيارة يستقلها الناشط محمد الصويمل والناشط فاضل آل حمادة في القطيف في 3 يونيو 2017، وعلى أثر الحادثة قالت السلطة “إن سبب الانفجار نابع من أسلحة في السيارة، ولكن مصادر أهلية رجحت أن القوات السعودية أطلقت قذيفة على السيارة، فيما اتخذت صحيفة الشرق الأوسط الرسمية دور السلطة واتهمت  الشهيدين بالتورط  في عملية الاختطاف ذاتها”.

لم تتوقف عملية الاتهامات عند حدود التسعة أشخاص، بل استتبعت السلطة جرائمها التي تحولت إلى سبيل للنيل من كل أبناء الحراك، وفي 19 ديسمبر 2017، داهمت العناصر العسكرية منزل أسرة القائد في الحراك السلمي الناشط سلمان علي الفرج، واغتالته أمام أعين عائلته، فيما اعتقلت الناشط الاجتماعي زكي محمد الفرج في سجن مباحث الدمام. وبحسب المنظمة “الأوروبية السعودية “، التي وثقت القضية، أشارت إلى أنه “في 25 ديسمبر 2017، عقد المتحدث الأمني بوزارة الداخلية اللواء بسام عطية مؤتمراً صحفياً في مقر نادي ضباط قوى الأمن، حول كشف هوية المتهمين في عملية اختطاف وقتل الشيخ الجيراني. وقال قبل عرضه أسماء المتورطين في عملية الاختطاف بحسب زعمه، أن ملامح قضية الجيراني بدأت تتضح وهي في مراحلها النهائية”.

وتابعت أن “عطية كشف عن أسماء تسعة أشخاص بالاضافة إلى الستة الذين اتهمتهم السعودية 1 يناير 2017، زاعماً أنهم جميعاً متورطين بعملية اختطاف الشيخ الجيراني. وهم: محمد الصويمل – فاضل آل حمادة – صادق عبدالله آل درويش، حسن محمود العبدالله – وجعفر حسن آل مبيريك – المعتقل مصطفى السبيتي – محمد آل عبدالعال – سلمان علي الفرج – زكي محمد الفرج، وكشف عن القبض على أحد المتورطين بالجريمة بدون الإفصاح عن اسمه. وبذلك وصل عدد المتهمين إلى ستة عشر شخصاً”، كما زعم المتحدث أن المعتقل زكي الفرج وهو ناشط اجتماعي فاعل في القطيف، بأن “له  دور في شرعنة خطف وقتل الجيراني، إلا أنه لم يشرح طبيعة أدوار الآخرين، واكتفى بوصفهم بالشخصيات المؤثرة في عملية الخطف. على النقيض مما قاله اللواء عن الدور المزعوم للناشط زكي الفرج الذي يحظى باحترام كبير بين أبناء مدينته، ذكرت صحيفة الشرق الأوسط في تقرير  في 30 ديسمبر 2017، أن رجل دين إيراني أفتى للمختطفين بجواز قتله. كما قالت صحيفة اليوم في تقرير في 26 ديسمبر 2017، أن أصابع الإتهام تشير إلى النظام الإيراني الذي دبر عملية الاختطاف والقتل عبر عملاء لهم”.

 “الأوروبية السعودية” أشارت إلى تعدد روايات السلطة وادواتها الإعلامية في بداية القضية، ونبهت إلى عدم التطابق بين مزاعم المتحدث الأمني بوزارة الداخلية، اللواء منصور التركي، واللواء بسام عطية، بما قالوه إن مختطفي الجيراني اقتادوه بعد عملية الخطف لمنطقة المزارع وقاموا بقتله، في حين ذكرت صحيفة الشرق الأوسط   أن المجموعة التي اختطفت الجيراني تلقت توجيه بعد 48 ساعة بالخروج لإحدى المزارع وقتله ودفنه هناك، بيد أن صحيفة مكة المكرمة نقلت عن المتحدث الأمني نفسه، أن المختطفين “أبقوه لأسابيع قبل الغدر به”، وهذا يختلف عما صرح به في المؤتمر”.

وبحسب توثيق المنظمة الحقوقية، فإنه “في 15 يناير 2018، وبعد 20 يوماً من المؤتمر الصحفي، قامت القوات السعودية بقتل عبدالله ميرزا القلاف أثناء قيادته سيارته. في 16 يناير 2018 ، وجهت قناة العربية  للشهيد القلاف اتهاما بالمشاركة في خطف الجيراني”، كما أنه الاتهامات توالت بصورة غير محدودة، فبرغم قول اللواء بسام عطية في المؤتمر الصحفي الذي عُقِد في 25 ديسمبر 2017: “إن ملامح قضية الجيراني بدأت تتضح وهي في مراحلها النهائية”.

واستتباعاً للقضية، فقد شرعنت “النيابة العامة” لنفسها الحق في المطالبة بصلب عدد من المعتقلين تحت مزاعم القضية، وفي 24 يونيو 2019 طالبت بـ”صلب” المعتقل جلال حسن اللباد (3 أبريل 1995)، ووجهت له تهمة “المشاركة مع عدد من المطلوبين أمنياً في خطف الشيخ محمد الجيراني ومن ثم قتله”، بالاضافة إلى مزاعم بارتكابه جرائم في فترة كان فيها قاصراً، والمطالبة عينها طالت المعتقل محمد علوي الشاخوري (21 يوليو 1984) في أغسطس 2019 ، متهمة اياه بالمشاركة بخطف الجيراني بقصد قتله، وتعرض المعتقلين لعمليات تعذيب وحشي ممنهج مما تسبب لهما بآلام مزمنة ومضاعفات صحية، وأضافت إلى مطالبات الصلب  المعتقل محمد عبدالله الفرج (2 سبتمبر 1992) بالتهمة عينها بالمشاركة بخطف الجيراني بقصد قتله وتستره عليهم، كما أدرجت اسم  الشهيد ماجد آل آدم في القضية، والذي اغتالته في 2 يوليو 2019 .

 وبموجب القضية وتفرعاتها، اتسعت رقعة الاتهامات والاغتيالات والقتل والاعتقالات والملاحقات تحت ذريعة قضية الجيراني إلى أكثر من 22 شخصاً، استشهد 9 منهم على يد العسكرة السعودية خارج إطار القانون، فيما يعتقل 11 آخرين وتطالب السلطة بصلب أربعة منهم، كما أنها تلاحق ناشطين آخرين.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى