النشرةتقاريردراسات وبحوث

“السعودية الجديدة: لعبة الحافّات”.. قراءة في كتاب القيادي في حركة خلاص د. فؤاد إبراهيم

’’بوتيرة غير منضبطة، وعبثية أحياناً، تبدو حزمة التغييرات التي شهدتها المملكة السعودية منذ اعتلاء الملك سلمان سدّة الحكم في 23  كانون الثاني (يناير) 2015. اجتاحت عاصفة التغييرات حريم السلطة، فأطاحت رؤوساً كانت على الطريق نحو العرش، وتبدّلت قواعد الشراكة والتحالفات الداخلية، التقليدية بوجه خاص، ثم مالبثت أن اكتسحت العاصفة منشآت أخرى راسخة الجذور، وعلى رأسها المؤسسة الدينية ومعها منظومة القيم المنداثة فيها، والحارسة لها لتحصين مركزها، ونصيبها المكفول تاريخياً وإيديولوجياً. لم يكن قرار التحوّل من طور الى آخر وليد مجرد شعور بالخطر الداهم على النظام السعودي، ولا يمكن فصله عن تحوّلات كونيّة فرضت نفسها على الدولة قاطبة. بل يصدر عن قراءة عميقة متعدّدة الآفاق: محلية، وإقليمية، ودولية، والأبعاد: سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية. وفي ضوء المتغيّرات البنيوية التي تخوض المملكة السعودية غمارها على يد الشاب محمد بن سلمان، قليل الخبرة والتجربة والمتعجّل، بحسب توصيفات المراقبين الأجانب، ثمة ما يسترعي اهتماماً خاصاً لمواكبة مسار المتغيّرات واستشراف مستقبلها في الداخل والخارج. والأشد أهمية، إن دراسة الدولة السعودية في ظروف متغيّرة مصّممة، في المقام الأول، لمهمة فهمها، والاستعانة على تشخيص مشكلاتها، وتحدياتها، والأخطار المحدقة بها على الصعد كافة. ولذلك، سوف تكون لنا قراءة بانورامية للمتغيرات الاقتصادية، والثقافية، والاتصالية، والتعليمية، والاجتماعية، والسياسية كيما نرقب عن كثب دلالات كل متغيّر ومآلاته’’ مقتطفات من المقدمة

مرآة الجزيرة ـ زينب فرحات

“السعودية الجديدة: لعبة الحافّات”، كتاب للباحث السياسي البارز الدكتور فؤاد إبراهيم، صدرت طبعته الأولى عن دار “كيتوس” في بيروت مطلع العام 2020 الحالي. تتوزّع فصوله على 433 صفحة استفاض خلالها الكاتب في معالجة فرضيات غير مسبوقة، وللباحث عدد من الدراسات والبحوث بينها: “الفقيه والدولة ــ الفكر السياسي الشيعي”، و”السلفية الجهادية في السعودية”، و”صناعة الخوف ـــ الأبعاد الاجتماعية والسياسية والدينية” بالإضافة إلى “جذور الإسلام والتشيع شرقي الجزيرة العربية ـــ البحرين التاريخية”، و”داعش من النجدي إلى البغدادي نوستالجيا الخلافة” وغيرها.

عضو الهيئة القيادية في حركة خلاص الدكتور فؤاد إبراهيم، المولود في محافظة القطيف، دوّن اسمه في سجل المعارضين للنظام السعودي منذ سبعينيات القرن الماضي. كان في طليعة المشاركين في “انتفاضة 1979” ضد آل سعود. الإنتفاضة التي أسّست مبكراً لمواقفه ونشاطه السياسي، كما يقول.

من كوريا الجنوبية، بدأ مسيرته الأكاديمية والسياسية، حيث درس إدارة المنشآت النفطية قبل أن يتّجه مطلع الثمانينات من القرن الماضي نحو إيران لينضّم إلى “منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية” التي تحوّلت من طابعها الثوري إلى الإصلاحي في مقرّها الجديد سوريا تحت اسم “الحركة الإصلاحية الشيعية في الجزيرة العربية”. لينتقل بعدها إلى بريطانيا حيث نال الدكتوراه في جامعة لندن عن رسالته “الشيعة في السعودية” وعمل مدير تحرير مجلة “الجزيرة العربية”.

يتألّف كتاب “السعودية الجديدة: لعبة الحافّات من أربعة فصول، استعرض خلالها الكاتب الواقع السعودي في العصر الحالي أي خلال فترة حكم العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده محمد بن سلمان، بالنظر لإحتدام الصراع على العرش وتضاعف عدد المنافسين ما يصعب ضبط إيقاع العائلة المالكة. ناهيك عن الإندفاع غير المبرر نحو العلمنة والإنفتاح على الطريقة السعودية مقابل إهمال ملفات وقضايا تُعد ركيزة أساسية في تكوين واستمرار المجتمع البشري.

إلى ذلك، يفسّر الكاتب التحولات الإقتصادية التي تشهدها البلاد بالإستناد إلى وقائع ومجريات السياسات الداخلية والخارجية للنظام السعودي التي تنعكس بشكل أو بآخر على المجالين الإجتماعي والثقافي. وبعد غوص عميق في تاريخ تشكّل الدولة السعودية مروراً بالتحالفات السياسية والإقتصادية المتقلّبة، يذهب بنا الكاتب إلى إبراز التحوّلات والأزمات المتوقعة في “السعودية” الجديدة التي يقودها محمد بن سلمان.

التحولات الاقتصادية

تحت عنوان “التحوّلات الإقتصادية في أطوارها الثلاثة”،يستعرض الكاتب المراحل الإقتصادية الثلاثة التي مرّت بها “السعودية”. البداية مع مرحلة الإقتصاد التقليدي أي البدائي الذي يعتمد على وسائل إنتاج قديمة ويعكس عادات وتقاليد المجتمع. وقد اتّسمت ببساطة العيش والإستهلاك لكنها في نفس الوقت اتسمت بالإستقرار نظراً لأن الإقتصاد يرتبط بشكل مباشر بالأرض أي بالفلاحة والرعاية وتربية المواشي وصيد الأسماك وإلخ. المرحلة الثانية هي مرحلة الإقتصاد النفطي التي بدأت مع اكتشاف آبار النفط وتحوله إلى سلعة تجارية ومصدر رئيسي للدخل. وأدت هذه المرحلة إلى إرتهان الإقتصاد بشكل حصري للسلعة النفطية القابلة للنضب. شهدت أيضاً تحوّلات عميقة على المستوى الإجتماعي والإقتصادي للدولة وذلك بتطوير البنية التحتية وإنشاء المؤسسات الخدماتية، ما أدخل منطقة الخليج إلى قلب الصراع الدولي. لكن بالرغم من الثراء الفاحش المصاحب للطفرة النفطية تزايدت أعداد الفقراء وبقيت أسباب الفقر دون علاج، بحسب الكاتب.

أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة إقتصاد ما بعد النفط لكن لا بمعنى انتهاء النفط بصورة كاملة إنما يعني التخلي عن النفط كمصدر أساسي للدخل. وقد جرى الحديث في هذه المرحلة عن الإنهيار في أسعار النفط منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2014، نتيجة سوء تقدير القرارات السياسية السعودية في سياق الحرب على الإقتصادين الروسي والإيراني وفي ظل ظهور النفط الصخري الأميركي كعامل منافس على مستوى السعر والعرض والطلب وتحول الولايات المتحدة لقوة نفطية تفوق السعودية وروسيا. ومن هنا يؤسّس الكاتب لإنطلاقة رؤية 2030 التي لا تهدف فقط لجعل النفط سلعة غير أساسية في مصدر الدخل إنما أيضاً للإنتقال إلى النمط الإنتاجي عن طريق الإستثمار وتوطين الصناعات الأجنبية.

الرؤية الكارثية

يقارب إبراهيم رؤية 2030 التي تبنّاها محمد بن سلمان من المخطط النيوليبرالي الكارثي كما يسمّيه. تقوم هذه المقاربة على استراتيجية العلاج بالصدمة أي انتظار وقوع أزمة كبيرة في الدولة حتى يتم بيع أجزاء كثيرة من البلد للقطاع الخاص. تماماً كما يفعل محمد بن سلمان عبر حملات محاربة الفساد ومحاربة التطرف الديني والإجراءات الإقتصادية الراديكالية كي تتحوّل “الدولة إلى جابي للأموال”. ولعل أبرز مساعي ابن سلمان في هذا الإطار هي “طرح شركة النفط “أرامكو” للإكتتاب العام رغم أن “سياسة الخصخصة لم تستند على رؤية شاملة تأخذ في الإعتبار شروط التنمية المستدامة والمشكلات العالقة والمزمنة في إقتصاديات الدولة التي تتطلب مقاربة مختلفة للخصخصة تقوم على أساس المشاركة بين الحكومة والمواطن كما بين القطاعين الخاص والعام”.

يتوسّع طرح الكاتب ليصف المشهد السعودي الحالي في ظل رؤية ابن سلمان بأنه “ثورة من أعلى” بدأت تؤسّس لتحوّل تاريخي غير مسبوق في “السعودية”. وينبّه إلى أن اختيار عام 2030 لم يكن صدفة على الإطلاق إنما امتثال لتحوّل أعم وأشمل على مستوى العالم. المعارض السياسي يدعم طرحه هذا بالكشف عن تقارير استخباراتية غربية لا سيما تلك الصادرة عن “مجلس الإستخبارات القومي”، والتي تهدف إلى إجراء تغييرات جيوسياسية واسعة للعالم أجمع على أساس منع هيمنة أي بلد سواء الولايات المتحدة أو الصين أو أي بلد آخر.

تحديات الواقع

من هنا، يغوص الباحث د. إبراهيم في نقد تفاصيل “رؤية 2030”. ساخراً يشبهها بلائحة أماني wish list نظراً لصعوبة تحقيق التطلعات المنشودة واستحالتها أحياناً. ويستدل على ذلك برصد العديد من الملفات التي تفضح فشل الرؤية، كملف البيوت المستأجرة. بحسب الرؤية تبلغ نسبة تملّك السكن الحالية 50 %، فيما يستهدف طموح الرؤية رفع النسبة إلى 60 % مع حلول العام 2020. في حين كشف تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي عام 2014 أن نسبة تملّك “السعوديين” لا تزيد عن 36%. وأيضاً بالنسبة لقضية رفع تصنيف الجامعات السعودية عالمياً. تتطلّع الرؤية لأن تحتل 5 جامعات سعودية مراكز بين أفضل 200 جامعة على مستوى العالم عام 2030. مع العلم أنه بحسب معايير التصنيف فإن هذا التطلّع يحتاج عملاً خارقا،ً لم تسجّل الرياض فيه أي تقدّم بإستثناء عمليات الرشوة وتضخيم الإنجازات أو اختلاقها.

وفي إشارة لافتة، يقول الباحث أن ثورة محمد بن سلمان ليست ثورة بالمعنى السياسي للكلمة بل هي أقرب إلى “نسخة مطوّرة من تجربة التحديث التي شهدتها المملكة في مطلع السبعينيات على قاعدة عزل الآثار السياسية للتحديث والإقتصار على البعد التكنولوجي منه”، معللاً ذلك بالإضاءة على أزمات جذرية في البلاد كظاهرة الترفيه التي جاءت وليدة لصفقات سرية أبرمت مع شركات متخصصة في تحليل المعلومات شارك بها أقطاب مثل ترامب ومحمد بن زايد ونتنياهو هدفها “تأهيل السكان المحليين لمرحلة يكون فيها ليس الإنفتاح الإجتماعي مقبولاً فحسب بل والعلاقة مع الكيان الإسرائيلي أيضاً”.

بالإضافة إلى ذلك، يستعرض الكاتب تحدّي ارتفاع عدد السكان الأصليين والمقيمين، في ظل التغافل عن قضايا استراتيجية ومصيرية مثل الماء، محذّراً من مخاطر عطش حتمي في “السعودية” خاصة مع تأكيده أن “محطات تحلية المياه هي كذبة كبيرة في ظل الحقائق التي تخفيها وزارة البيئة والمياه والزراعة”.

إلى جانب انتشار البطالة في صفوف المواطنين وتحديداً الشباب، يُبرز إبراهيم  مزاعم السلطات السعودية في أن نسبة البطالة لم تتجاوز الـ12% بينما كشف عضو مجلس الشورى فهد بن جمعة في 10 كانون الثاني 2018 أن معدل البطالة الحقيقي هو 34%. والسبب الرئيسي لهذه النتيجة هو عدم تأهيل القطاع الخاص لإمتلاك الكفاءات المهنية القادرة على التعويض عن هجرة العمالة الأجنبية.  

ثم يصل الكاتب إلى الخلل المالي الذي تمر به البلاد والذي تنعكس آثاره على جيب المواطن خصوصاً بعد “اعتماد سياسات التقشّف التي فرضت ابتداءً في موازنة عام 2017 مرفقةً بسياسات ضريبية قاسية بهدف تغطية العجز في الموازنة”. وبالتالي فإن السياسة الإقتصادية المعتمدة في مرحلة ما بعد النفط تؤكد أن النفط سيبقى “مصدر الدخل الرئيس للدولة لسنوات وربما لعقود قادمة… برغم مما قد يكتنف سوق النفط في المرحلة المقبلة من تقلّبات وتعقيدات بالغة نتيجة لدخول منافسين جدد للسوق، وما يؤدي إليه ذلك من  تذبذب حاد في أسعار النفط إضافة إلى مؤشرات نضوب الحقول النفطية في غضون أقل من خمسين عام”.

تحالف المال والأعمال

في الفصل الثاني  الذي يحمل عنوان “تحالفات المال والأعمال”، يتحدّث عضو الهئية القيادية في حركة خلاص عن واقع ومصير التحالفات الناشئة بين “السعودية” وعدد من الدول في مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا. ويقول أن زيارة محمد بن سلمان الأولى لواشنطن أرست بنوداً جديدة في “معادلة النفط مقابل الحماية” التي حددت أطر العلاقات السعودية الأمريكية منذ لقاء عبد العزيزـ روزفلت عام 1945. بيد أن مستجدّات العصر الحالي فرضت تحوّلات في طبيعة العلاقة بين الطرفين عل درجة كبيرة من الأهمية. فالولايات المتحدة مع حلول عام 2030 ستحقق الإكتفاء الذاتي من النفط وبالتالي سينتهي هذا التغيير الإستراتيجي إلى اختلال “معادلة النفط مقابل الحماية” نظراً لأن واشنطن لن تكون في 2030 بحاجة لنفط “السعودية” وبطبيعة الحال غير مستعدة لحمايتها بلا مقابل.

أما عن العلاقات السعودية ـ الصينية، يوضح المؤلف أن الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، بينما “السعودية” أكبر دولة مصدّرة له. لذا تتهيّأ ظروف مؤاتية لشراكة اقتصادية متينة. لكن مع ذلك، يرافق هذه العلاقة تحدّيات إقتصادية كون الصين هي المنافس الإستراتيجي الأول للولايات المتحدة، لذا تخشى الأخيرة من تداعيات الإستثمارات الصينية على تحالفها مع “السعودية” كي لا تتآكل الهيمنة الأمريكية على الأسواق المالية العالمية. في المقابل تخشى الرياض من توجه الصين إلى إيران وقطر وهو الأمر الذي يعود ليضغط بقوّة على تحالف الرياض مع واشنطن. وفي هذا الإطار يلفت الكاتب إلى أن الصين لم تعد المستورد الأكبر للنفط في العالم مع اكتشاف حقول نفطية جديدة في هضبة تشينجهاي وإقليم شينجيانغ ومنغوليا الداخلية بالإضافة لحصولها على نفط رخيص من روسيا وإيران وفنزويلا وأنغولا.

وفي ما يخصّ علاقات “السعودية” مع روسيا، فهي أكثر تقلّصاً من العلاقات مع الجانب الصيني، لذا يراها إبراهيم بأنها شديدة الإضطراب نتيجة تقلّص المصالح بين موسكو والرياض، ومن جهة أخرى بفعل الضغوطات التي تتعرّض لها من قبل الحليف الإستراتيجي أي الولايات المتحدة ما “يجعل روسيا هي الباب الدوّار بالنسبة للرياض تستخدمه لتوصيل رسائل إلى واشنطن لتحقيق مطالب ترفض الأخيرة تحقيقها”.

يذكر الكاتب أيضاً أثر “العقدة الإيرانية” على العلاقات السعودية ـ الروسية، موضحاً أن هذه العلاقات “لم تدخل مرحلة الثبات منذ أكثر من عقدين، والسبب الأساسي في ذلك هو الجنون السعودي لإبعاد روسيا عن طهران بالإضافة لتناقض الإتجاهات الجيوسياسية بين موسكو وطهران في الشرق الأوسط”. ومع ذلك لا يزال الجانب الروسي يعوّل آمالاً على “محمد بن سلمان بعدما أبدى حماسه للتقارب من روسيا وتوظيفه في الخطة الإستثمارية السعودية في مرحلة ما بعد النفط. بالرغم من خيبات الروس من الالتزام السعودي إزاء تفاهمات وتعهدات سابقة”، بالإضافة لتطلعات الروس لبيع المزيد من الأسلحة “للسعودية”.

من القرية إلى الكونية

من “القرية” إلى “الكونية، بهذا التعبير يلخّص الكاتب في فصله الثالث التغيّرات الإقتصادية التي أرخت بظلالها علىالأحوال الثقافية والإجتماعية للمكوّنات الشعبية في “السعودية”. ويعني بذلك التوطين ما بعد الترحال، وتمدين القرى في المناطق الحضرية، وذلك في السياق الكوني لتطور وسائل الإنتاج والثورة الإتصالية.

يشير الباحث السياسي في هذا الصدد إلى أنه نتيجة للغزوات الوهابية التي عزّزت الإنتماءات الفرعية في تلك المرحلة، سيما المناطقية والمذهبية، أصبح كل مكوّن ينزع نحو الإحتماء بهويته الخاصة. وقد فسّر الكاتب ذلك بفشل مشروع الدول الوطنية بسبب “نزوع الفئة الغالبة نحو تعميم هويتها، ومذهبها، وخصوصياتها الثقافية تبعاً للهيمنة السياسية والإقتصادية”. أما في عصر العولمة الإتصالية فقد أخذ فضاء التهديد منحى عابر للكيانات الجيوسياسية الصغيرة وبات يلامس الهويات الدينية والقومية والحضارية.

القيادي في حركة خلاص يذكر في الفصل الثاث أن عبد العزيز كان معنياً بقاعدته الشعبية في نجد التي أولاها كامل اهتمامه على خلاف المناطق الأخرى كما في الأحساء والقطيف وكذلك الجنوب. وبالتالي مرّ المجتمع “السعودي” بزمنين. الأول يمتد من عام 1932 – 1970، وهو زمن بقي في حال تحوّل على مستوى البناء الإجتماعي والتنشئة المؤسساتية والإقتصادية والقضائية والإدارية. أما الزمن الثاني فيبدأ من العام 1970 أي مع بداية التطوير المؤسساتي وإطلاق الخطط البنيوية التي رافقها تغيرات إجتماعية وثقافية وقيمية، وفق الكاتب الذي أشار إلى أن الصراعات القبلية والإقتتال الداخلي كادت تعم مختلف أنحاء البلاد بإستثناء الحجاز لخصوصيتها الدينية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية.

كان النفط بمثابة رافعة أساسية في التحول الإجتماعي الشامل سرعان ما تحول إلى تغيير شامل لكافة أركان الدولة على المستويات الإقتصادية والثقافية والسياسية والإستراتيجية. حينها ظهرت طبقة وسطى وظهر معها نظام الضريبة الذي جعل القطيف تثور عام 1926. ونتيجة لذلك، يواصل المؤلف أن المنطقة الشرقية استأثرت بالإحتجاجات الشعبية بسبب كثافة الحضور الأجنبي في صناعة النفط، إضافة إلى كثافة المشاركة المحلية في قوة العمل واختلاطها بالعمال الأجانب والعرب على اختلاف ميولهم السياسية والأيدولوجية، ومجاورة مناطق ناشطة سياسياً (البحرين والعراق).

سعى وجهاء الشيعة للتوصل إلى تفاهم مع عبد العزيز وممثله في القطيف من أجل تخفيف الأعباء الضريبية دون جدوى. ما أدى إلى بلوغ الإحتقان الشعبي ذروته عام 1926 تمظهر في هيئة تمرّد مسلّح في العوامية وسيهات على السلطة المحلية في حين لجأ الكثير من الشيعة إلى البحرين. في النتيجة، نجحت السلطة عبر النخبة الشيعية في احتواء التوتر إلى جانب تخفيف الضرائب، بحسب الكاتب.

أما في ما يخص الشق الثاني من الفصل أي التطور الكوني، لا ينفي الكاتب أن عمليات التحديث والتطور التي شهدها العالم فرضت تحوّلات كبرى على الهوية، التعليم، القانون، وسائل النقل، السكن، والإنتاج وإلخ.. بل بلغ تأثيرها أعمق من ذلك ليشمل النظم الإجتماعية بما في ذلك العلاقات بين الأفراد والأسر، وتقاليد الزواج بالإضافة إلى المهن. وأيضاً شهدت أوضاع المرأة انفراجة من حيث تخفيف شدة الأعراف التي تحاصرها كإمرأة من قبل المؤسسة الدينية السائدة آنذاك.

ضمن مجريات التطور، ظهرت شبكة الإنترنت في العقود الثلاثة الأخيرة لتشكّل تغييراً مفصلياً في أنماط العيش التي أُسندت بتطور تكنولوجي وتقني غير محدود على مستوى العالم بأسره. انعكس هذا التطور الكوني ـ كما يرى إبراهيم ـ على “السعودية” بشكل أو بآخر، لكن الأخيرة أخضعت كل تلك التطورات لرجعية العقل الرقابي الصارم ما أفقدها جوهرها وأفرغها من محتواها. على سبيل المثال إخضاع خدمة الإنترنت التي تم تفعيلها في “السعودية” عام 1997 إلى رقابة صارمة من قبل الهيئة المختصة بتزويد الخدمة (هيئة الإتصالات السعودية)، إذ كانت تقوم بحجب الحسابات والمواقع بشكل غير مبرر. وقس على ذلك ما تشاء سواء في ما يخص دور السينما وحقوق المرأة والعولمة ووسائل الإعلام ودور النشر وكل ما يحمل جانب التطور. آل سعود أعادوا إحكام قبضتهم على كل مظاهر الحداثة وسيّروها بحسب مشيئتهم. ولفت الكاتب في هذا السياق إلى أن الناشطين والمغردين كانوا يسيطرون على منصة تويتر بين عامي 2011 و2014 لكن مع صعود سلمان وابنه بدأ الجهاز الأمني يتمدد في العالم الإفتراضي، فقد شن محمد بن سلمان حملة اعتقالات لترويع الناشطين أدت إلى اختفاء نحو 3 ملايين حساب في غضون عامين فقط.

تحولات السلطة

في الفصل الرابع والأخير والذي يحمل عنوان “تحوّل السلطة“، انفرد الكاتب بوصف وانتقاد السياسات السعودية منذ وصول سلمان بن عبد العزيز إلى الحكم وتعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد. ويؤكد د. ابراهيم إنه منذ استلام سلمان بن عبد العزيز لمقاليد السلطة بدا واضحاً في ضوء القرارات الصادرة أن ثمّة مساراً إنقلابياً لناحية إعادة تشكيل السلطة، وفق ما يخدم ترسيخ السلطة لصالح سلمان وأبنائه. مشيراً إلى حدوث تغيير دراماتيكي في حزيران/ يونيو 2017 في البيت السعودي “بإعفاء ولي العهد محمد بن نايف من مناصبه كافة وتعيين محمد بن سلمان في ولاية العهد ورئاسة المجلسين وتعهّده بقيادة المملكة عبر رؤية السعودية 2030 وإجراءات تغييرات بنيوية إجتماعية، وإقتصادية، ودينية”.

وفي 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، شهدت البلاد انقلاباً آخر داخل القصر لتصفية ما تبقى من منافسين لمحمد بن سلمان. حينها اعتقل 300 أميراً ووزيراً وتاجراً في ظل شكوك حول خلفيات الحملة. على خلاف ما زعمه ابن سلمان. عضو الهئية القيادية في حركة خلاص أكد بأن هدف الحملة كان الإستيلاء على ممتلكات وثروات كبار آل سعود أمثال فهد، عبدالله، سلطان، مشعل، عبد الرحمن وأمراء نافذين مثل: الوليد بن طلال، رئيس مجلس إدارة المملكة القابضة، الأمير متعب بن عبدالله وزير الحرس الوطني، الأمير تركي بن عبدالله حاكم الرياض، خالد التويجري رئيس الديوان الملكي السابق. ووزراء أمثال عادل الفقية وزير الإقتصاد والتخطيط، إبراهيم العساف وزير المالية السابق. الوليد بن ابراهيم رئيس مجموعة MBC  التلفزيونية وبكر بن لادن رئيس مجموعة بن لادن. وغيرهم.

حملة القمع والإعتقالات غير المسبوقة في البلاد، رافقها إحكام تام على المشهد الإعلامي من خلال وضع محمد بن سلمان يده على وسائل التحكم في الرأي العام وتوظيفها للترويج لشخصه ولمشاريعه السياسية والإقتصادية. وبالتالي انتهى الأمر وفق الكاتب إلى “مشاغلة الجمهور العام عن الإعتقالات الواسعة في 10 أيلول (سبتمبر) 2017 التي طالت مئات الناشطين من رجال الدين والفاعلين الحقوقيين، والصحافيين، والمثقفين من المقربين من الإخوان المسلمين أو غير المؤيدين لمشروع رؤية 2030”. كما جرى إقرار فانون جديد لمكافحة الإرهاب في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 والذي نسخ قانون 2014 وسمح بتنفيذ عقوبات صارمة تشمل الإعدام على أي شخص يدان بأي شكل من أشكال المشاركة في أنشطة إرهابية.

كوّن ابن سلمان بحسب إبراهيم، فريق من نخبة لا تنتمي إلى النخبة السياسية، والإقتصادية، التي اعتاد المواطنون على رؤيتها في وسائل الإعلام الرسمية. لأن مواصفات النخبة لا تنطبق عليها بل هي أقرب إلى الشلليّة أو حاشية الأمير اختارهم محمد بن سلمان ليحققوا أهدافه بعناية. يتألفون من مصرفيين، وضباط أمن سابقين، ومتموّلين، وزملاء دراسة، وهم أيضاً الأشباح الذين يديرون حسابات بمليارات الدولارات لثروات الملك وأبنائه.

الكاتب بيّن سير بعض هذا الفريق الذي ليس عليه سلطان إلا سلطان ولي العهد وفق تعبيره، كاشفاً الدور الخفي والإستثنائي الذي تلعبه كل شخصية من هذا الفريق في إدارة مصير البلد ومقدّراته. ويورد “كخلاصة يضطلع هذا الفريق بمهمة إعادة تشكيل الدولة السعودية بما يسهل وصول سلس للملك القادم بإعتبار أن هذا الفريق هو حكومة المستقبل في حال نجح محمد بن سلمان بتحقيق ما يريده”.

البداية كانت مع سعود القحطاني، الذي يقود جيشاً إلكترونياً يعمل بصورة منتظمة على إدارة حملات إلكترونية لصالح الحكومة، فيما يتولى عناصر آخرين من الفريق مهام تعقّب النشطاء وملاحقتهم أمنياً.

تركي آل الشيخ: تولى رئاسة الهيئة العامة للرياضة ليحفل عهدة بسلسة فشل متتالية مارس خلالها دور سياسي من بوابة الرياضة. ثم جرى تعيينه رئيساً للهيئة العامة للترفيه التي حملت قيم متناقضة مع الإرث الديني لعائلته إذ بشّر بحفلات غنائية ومسرحيات في شرق البلاد وغربها وإقامة فعاليات النسرح والسيرك وفتح الباب أمام المستثمرين الأجانب لتقديم عروض استثمارية في المجال الترفيهي.

بدر العساكر: مدير المكتب الخاص لولي العهد في الشؤون الخاصة بمرتبة وزير. كما تولى رئاسة “مركز مبادرة مسك” الذي أسسه محمد بن سلمان ويرأس مجلس إدارته. تهدف هذه المؤسسة في الظاهر إلى تمكين المجتمع من التعلم والتطور والتقدم في الأدب والثقافة والتكنولوجية لكنها في الحقيقة تلعب دور تبييض صورة محمد بن سلمان.

حازم مصطفى زقزوق: يشغل حالياً منصب رئيس الشؤون الخاصة للملك سلمان برتبة وزير، رغم صدور حكم عن المحكمة الجزائية يثبت تورطه بقضية أخلاقية حكم عليه بالسجن لستة أشهر ومائة وستين جلدة. لكن محمد بن سلمان تدخل لإيقاف تنفيذ الحكم.

 أحمد الخطيب: يستلم عدة مناصب نذكر منها: رئاسة الأمانة العامة للجنة مراجعة طلبات التسليح لوزارة الدفاع، رئاسة مجلس إدارة الشركة السعودية للصناعات العسكرية، ورئاسة مجلس إدارة الصندوق السعودي للتنمية. يضطلع الخطيب بمهمات حساسة كصفقات أسلحة ومشتريات وزارة الدفاع دائماً ما تكون قناةً لتمرير عمولات مشبوهة بمليارات الدولارات.

ياسر الرميان: يشغل منصب مستشار في الأمانة العامة لمجلس الوزراء منذ أيار (مايو) 2016 بالإضافة إلى عمله كمستشار لإبن سلمان ومشرف على صندوق الإستثمار السعودي. وهو يعد أحد أذرع محمد بن سلمان المالية. ورفيقه في رحلاته الخارجية. وصندوق أسراره.

محمد التويجري: لعب دور وزير مالية الظل بصفته أميناً عاماً للجنة المالية في الديوان الملكي. شأن بقية مستشاري ولي العهد. وبطبيعة الحال يندرج عمل التويجري في إطار رؤية 2030 إذ يصب في مصلحة الأجندة الإقتصادية لمحمد بن سلمان لجهة تقليل الإعتماد على النفط والإنتقال إلى الإستثمار وموارد مالية جديدة.

ثامر نصيب: يلعب أدوار خفية ولكن على درجة عالية من الأهمية. لكن وفق المعلومات المتوفرة يضطلع بدور خطير لصالح ولي العهد قبل سنوات من تعيينه في منصبه الجديد كمسؤول عن الشؤون الخاصة لولي العهد السعودي. ويعد بمثابة القناع الذي يضعه محمد بن سلمان لإجراء معاملاته التجارية لدخوله صفقات ضخمة بعد تصاهر شركة “بريستيج ستيت” التي يديرها ثامر نصيف مع شركة “أيت انفستمنت” التي أصبحت تابعة لملك سلمان وابنه محمد بن سلمان.

بدر الكحيل: عيّن أول سفير سعودي في جمهورية المالديف عام 2015. لم يكن اختياره عشوائياً فالرجل يعد عضواً في فيق إبن سلمان وأحد أذرعه المالية وقد جاء اختياره سفيراً للمالديف وفق خلفيى تجارية وسياسية وأيديولوجية أيضاً. نظراً للإنتقادات التي طالت علاقة “السعودية” بمسؤولين من المالديف ينتمون لتنظيم “داعش” الإرهابي.

موج التناقضات

مباشرةً ينتقل الكاتب لإبراز التناقضات والتحديات التي تمر فيها “السعودية” في الوقت الذي يتم فيه الترويج لرؤية محمد بن سلمان الجديدة. وينطلق من جذور تأسيس “السعودية” التي تنفرد “بتحالف ديني سياسي نسج هوية الدولة وشكل الحكم فيها وحدد مسارها التاريخي ومصدر مشروعيتها. ويعود ذلك إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي عند تحالف الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود”.

وفي إيضاحه لعلاقة النظام السعودي المعقّدة مع المؤسسة الدينية الوهابية، يورد المعارض السياسي أنه خلال الدولة “السعودية” الأولى كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب يمسك بزمام الحرب والسلم وإليه تُجبى الأموال والغنائم وهو يصدر قرارات تقسيمها. تغيّر الحال في السنوات اللاحقة لكن بقي له نفوذ واسع في الدولة وفي تقرير مساراتها. كان الخطاب الديني الوهابي محورياً في حشد الأنصار والمحاربين وبناة الدولة. وفي الدولة “السعودية” الثالثة لم يكن عبد العزيز أن يستعيد ما كان يصفه “ملك الآباء والأجدا” لولا الإستعانة بجيش عقائدي “الإخوان” الذي تشرّب العقيدة الوهابية واندفع نحو الجبهات بشجاعة منقطعة النظير. أدرك عبد العزيز منذ ذلك الحين القوّة السحرية للدين في بناء الدولة “السعودية” وتعزيز أركانها. وفي نفس الوقت تنبّه لترويض الإخوان قبل أن يتحولوا إلى قوة يصعب ضبطها، فوجّه ضربة قاصمة لـ”إخوان من طاع الله” في معركة السبيل عان 1929 بعد محاولات لإقناعهم بالتخلي عن أفكار مستمدة من التراث الوهابي.

واجه النظام السعودي قلق تمدد الإخوان المسلمين داخل المجال الإسلامي السني. فوضع خطة مواجهة تقضي بتحوّل جذري في العلاقة التاريخية بين الديني والسياسي. وفي عهد ابن سلمان جرى تفعيل هذه الإستراتيجية عبر اعتقال “الرؤوس الحامية”، التي شملت قادة ورموز تيار الصحوة مثل سلمان العودة وعوض القرني وسفر الحوالي وغيرهم من الناشطين في تيار الإسلام الحركي. إلى جانب تهميش وعزل المتشددين الملتزمين في المؤسسة الدينية سيما المعارضين لإصلاحات محمد بن سلمان. وأيضاً رفع الستار عن مركز “اعتدال” لمكافحة التطرف، مهماهه تصحيح مناهج التعليم السعودية، يورد إبراهيم.

روّج محمد بن سلمان لمفهوم العلمنة، الذي بدا مشوهاً في ظل الإصلاحات الإجتماعية التي يقودها ابن سلمان عبر تعميم ثقافة الزيف والتجهيل. مثل السماح للمرأة بقيادة السيارة وتنظيم حفلات موسيقية والسماح للعوائل بدخول الملاعب والحديث عن إسلام معتدل وهيئة ترفيه وإلخ.. ومن جهة أخرى فإن “الإتكال على العلمنة تفضي إلى فصل الدين عن الدولة يبدو عبثياً بالنظر إلى طبيعة الإسلام التي لا تقبل الفصل عن الدولة. وثانياً تجارب الدول الغربية التي خاضت تجارب مواجهة مع الكننيسة بهدف تهميشها”.

يلقي الكاتب الضوء على إحدى أكبر دلائل فشل محمد بن سلمان، وهي جريمة خاشقجي التي جعلت فريق محمد بن سلمان في عين عاصفة الحملة الدولية لضلوعه في الجريمة. وقد “أفضت تجربة التفرد الاحتكاري للسطة التي مارسها محمد بن سلمان إلى تقويض صلاحياته”. فوصل الأمر بعد اغتيال خاشقجي إلى الحد من صلاحيات ابن سلمان في إدارة الملفات الداخلية والخارجية دون المساس بموقعه كوريث وحيد للعرش السعودي، مثل إلغاء طرح أرامكو للإكتتاب العام الذي كان إشارة من الملك لإعادة التوازن للسلطة. وكذلك موقف الملك سلمان الداعم للفلسطينيين عقب إعلان “صفقة القرن”. لكن يشدد المؤلف على أن كل ذلك يدور في نطاق تركيز وتسديد دور محمد بن سلمان وليس استبداله أو عزله.

تفرّد محمد بن سلمان في إدارة الملف الأمني ووضع يده على فروعه كافة، يجزم الكاتب مضيفاً “فقد أصدر الملك سلمان أمراً ملكياً في 20 تموز/ يوليو 2017 يقضي بإستحداث جهاز أمن الدولة في إطار خطة فصل قطاع الشؤون الأمنية المتعلق بأمن الدولة في جهاز جديد. وقد تم تعيين اللواء عبد العزيز الهويريني رئيساً على الجهاز”. ويشير إلى أن محمد بن سلمان فريق استخباراتي أطلق عليه إسم “فرقة النمر” أوكلت مهمة تأسيسها إلى نائب الإستخبارات العامة السابق أحمد العسيري بهدف تصفية المعارضين في الخارج. ولا يفوت الكاتب أن يرصد مدى التناغم في عمل الأجهزة الأمنية داخلياً وخارجياً لناحية التعامل بحزم مع ملف الناشطين في الداخل والمعارضين في الخارج.

على المستوى الإقتصادي، يعيد المؤلف طرح ما أسس له في الفصل الأول أي الإنتقال من عصر النفط إلى عصر الإستثمار، ليؤكد أن هذه العملية لم تكن مبنية على رؤية عميقة تراعي متطلبات هذا الإنتقال، على مستويات تشريعية وسياسية وثقافية وإجتماعية، فضلاً عن أن خطة ماكينزي لإصلاح الإقتصاد السعوي تواجه بعد ثلاث سنوات من تنفيذها انتقادات شديدة من مؤسسات دولية. بالإضافة إلى أن “السعودية” أصبحت تعاني اليوم من أزمة مالية حادة بسبب تراجع أسعار النفط العالمية. ولذلك، “تخفيض سقف الإنتاج لم يحدث تأثيراً فارقاً في التسعيرة خصوصاً في ظل تزايد إنتاج النفط الصخري الأميركي والذي ينعكس حكماً على معادلة الطلب والعرض. وكان صندوق النقد الدول قد خفّض توقعاته للنمو الإقتصادي عام 2018 بنسبة صفر بالمئة تقريباً”.

ويخلص إلى أنه قد يكون محمد بن سلمان نجا من ورطة خاشقجي لكنه لا يزال عالقاً بين شباك حلفائه الغربيين. إذ ساد انطباع عام عنه في الغرب بالرجل المتهور المستبد والمضطرب. ناهيك عن أنه لم يساعد على تحقيق الإستقرار بالشرق الأوسط. بل جعله أقل استقراراً. سيما بفعل جريمة خاشقجي أو البلطجة ضد أمراء آخرين وخطف رئيس وزراء لبنان وفرض حصار عى قطر وعدوان كارثي على اليمن. مضيفاً “السعودية” لا تمثل لترامب أكثر من زبون يشتري الأسلحة الأمريكية. وهذا بحد ذاته كافي لتوفير الدعم لمحمد بن سلمان. لكننا نقترب من البرهة التي تصبح فيها أسس التحالف السعودي الأمريكي هشّة. فالنفط لم يعد المكافأة التي يمكن “للسعودية” احتكارها وتقديمها كإغراق للولايات المتحدة. وبقية الشركاء في العالم. إذ سيكون بمقدور الولايات المتحدة تصدير النفط الخام ومشتقاته أكثر من السعودية. بفضل ارتفاع منسوب إنتاج النفط الصخري.  

مقتل خاشقجي شكل انقسام في المجتمع السياسي الأمريكي إذ خيرهم بين المال والقيم الليبرالية الأمريكية. ولا شك أن هذا النقاش ارتد سلباً على محمد بن سلمان فرغم الدعم الذي يحصل عليه من ترامب فإنه أمام تيار عريض في الولايات المتحدة يرفض الدخول في لعبة نفاق هابطة، وفق الكاتب الذي يختم كتابه بالقول إن التفرّد الإحتكاري بالسلطة والقرار الإقتصادي والسياسي من قبل محمد بن سلمان جعل من الصعب كسب ثقة المستثمرين والشركات والحكومات. نتيجة تراكم الأخطاء في سلوكه مع الدول الأخرى كلبنان وقطر واليمن بالإضافة إلى سوء التعاطي مع النشطاء ومواصلة الإعتقالات وصولاً إلى التسرع في القرارات الإقتصادية الأمر الذي يقوّض الإستقرار الداخلي.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى