5 أعوام من الصمود اليمني.. مذبحة السعودية في اليمن: حصاد دامٍ وتحولات أدمى



’’طالما أن النظام السعودي لم يتوقف عن اللعب بالنار وتغذية مشاريع تضر بوحدة اليمن وسلامة أراضيه، فإن ارتدادات تلك المشاريع التمزيقية ستظهر بشكل مباشر في الداخل السعودي المحتقن بقوى تحررية ثورية في الجنوب والشرق والشمال،،

عيسى محمد المساوى*

بمناسبة مرور الذكرى الخامسة للحرب العدوانية على اليمن كشف العميد يحيى سريع الناطق باسم القوات المسلحة بصنعاء احصائيات صادمة عن الكلفة العسكرية المريرة التي تكبدتها السعودية ومرتزقتها خلال خمس سنوات من عدوانها على اليمن، إنها بحق مذبحة غير مسبوقة سواء من حيث نتائجها المباشرة او التداعيات المترتبة عليها، وهنا يكفي التوقف عند صورتين بالغة الدلالة تختزل الكثير من ملامح التحولات  التي تعصف بالنظام السعودي..

الصورة الأولى تتحدث عن اطلاق اكثر من 1076 صاروخاً بالستياً وتنفيذ سلاح الجو المسير لـ 4116 عملية هجومية واستطلاعية، هذه الأرقام تكشف بجلاء عن الحقيقة التي تقض مضاجع النظام السعودي وهي أن صنعاء المحاصرة أصبحت تُصنّع هذا النوع من السلاح الاستراتيجي الذي اثبتت التجربة قدرته على اختراق أحدث المنظومات الدفاعية الأمريكية وإصابة أهدافه بدقة كما حصل لمنشآت أرامكو في أبقيق وخريص وينبع.

الصورة الثانية تكشف عن مصرع وإصابة أكثر من 10 آلاف جندي وضابط سعودي محاطين بعشرات الألوية من قوات المرتزقة ومئات الدبابات والمدرعات وأسراب من سلاح لجو تتقدمه طائرات F16 والأباتشي، إلاّ أن  قوات صنعاء نجحت في اختراق كل هذه التحصينات واصطياد هذا الرقم الكبير من الجيش السعودي في مذبحة هي الأولى من نوعها في تاريخ المملكة، أما عن أخطر تداعيات هذه المذبحة فهي أنها خلّفت حالة مستحكمة من الهلع والرعب المسيطرين على الجيش السعودي لتفتح الباب على مصراعيه أمام سلسلة من الهزائم المدوية في أي مواجهات قادمة الأمر الذي يترتب عليه تآكل غير مسبوق للعمق السعودي قد يمتد الى المستوى الذي يفرض على المملكة حقائق جغرافية جديدة وربما سياسية أيضا.

فطالما أن النظام السعودي لم يتوقف عن اللعب بالنار وتغذية مشاريع تضر بوحدة اليمن وسلامة أراضيه، فإن ارتدادات تلك المشاريع التمزيقية ستظهر بشكل مباشر في الداخل السعودي المحتقن بقوى تحررية ثورية في الجنوب والشرق والشمال، فهذه القوى وخلال سنوات العدوان على اليمن استوعبت تماماً مدى ما وصل اليه النظام السعودي من الضعف ما يجعلها أكثر جرأة على مواجهة هذا النظام الهشّ خصوصاً بعد أن أصبحت تمتلك شريكاً قريباً وقوياً وجاهزاً ولديه خبرة عالية في تلقين النظام السعودي ضربات قاصمة أنهت أسطورة قوته المزعومة، وبالتالي أصبح بمقدور تلك القوى – إن هي تحالفت مع الشريك – أن تكتب المشهد الأخير في حياة النظام السعودي.

فإذا كانت انتفاضة القطيف 2015م استطاعت أن تطرد أدوات النظام السعودي وتغلق جغرافيتها لمدة أسبوعين في وجه آلته العسكرية وهي في ذروة قوتها فإنها وفي ظل معطيات اليوم باتت أكثر قدرة على الوصول إلى ما هو أبعد بكثير من انتفاضة 2015م.

هذا السيناريو القريب جدا من معطيات الواقع وتفاعلات الداخل السعودي يكشف عن واحدة من أهم التحولات الكُبرى التي انتجتها سياسة النظام السعودي العدوانية تجاه اليمن وتجاه قوى المعارضة الداخلية، فالخلاصة التي يؤمن بها الكثير من المحللين الضليعين بالشأن السعودي هي أن نظام آل سعود يعيش اليوم أسوء مراحل الضعف ليس على الصعيد العسكري فحسب بل وعلى المستوى الاقتصادي والسياسي أيضا.

فاقتصادياً تكبدت المملكة منذ 2015م خسائر فادحة تجاوزت تكاليفها المباشرة وغير المباشرة ترليونات الدولارات بفعل العدوان على اليمن، وتعرضها لأكبر عملية استنزاف بقيادة الرئيس الأمريكي ترامب، بالإضافة الى سياستها النفطية الفاشلة التي أوصلت سعر برميل النفط الى 25 دولار، وعلاوة على ما سبق فقد تسبب وباء كورونا قبل أن يجتاح المملكة في تكبيد البورصة السعودية خسائر بلغت 161 مليار دولار خلال يناير المنصرم ما يعني أن القادم أسوء بكثير مما يتوقعه البعض وأغلب التقديرات أن هذا الوباء لن يغادر إلا وقد أجهز على ما تبقى من اقتصاد المملكة وما تحت سلطتها من احتياطات نقدية.

أما على الصعيد السياسي فإن تداعيات ما سبق تكفي لزعزعة استقرار أكثر الأنظمة رسوخاً، فكيف إذا كان هذا النظام غير مستقر أصلا ويخوض حروباً داخلية خطيرة مع القوى الثورية من جهة ومع باقي أجنحة الأسرة المالكة من جهة أخرى منذ انقلاب محمد بن سلمان في 2015م على تراتبية السلطة وازاحة محمد بن نايف ومتعب بن عبدالله وتجريدهما من كل مناصبهما وما أعقب هذه الخطوة من موجة اعتقالات واسعة.

وما إن اعتقد البعض أن بن سلمان نجح في امتصاص تداعيات هذه الأزمة الخطيرة واستتب له الأمر حتى اشتعلت من جديد مطلع فبراير الماضي باعتقال مجموعة من الأمراء في مقدمتهم الأمير أحمد بن عبدالعزيز شقيق الملك سلمان والأمير محمد بن نايف وعدد آخر من الأمراء بدعوى التخطيط للانقلاب، وأياً تكن أسباب الاعتقالات الأخيرة فإن ما يمكن القطع به هو أن محمد بن سلمان ومنذ انقلابه الأول في 2015م قد أشعل فتيل قنبلة موقوتة لم يعد بمقدور أحد منع انفجارها الوشيك.

لذلك كله فإن مجمل التحولات العسكرية والاقتصادية والسياسية تُنذر بتفكك أسرة آل سعود التي حكمت المملكة بالحديد والنار، ولا اعتقد أن قوى المعارضة السعودية تغفل عن مثل هذه التحولات.


*كاتب ومحلل سياسي يمني

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى