التخوف السلطوي يبقي جثمان الشيخ الشهيد نمر باقر النمر قيد الاعتقال!

مرآة الجزيرة

شهيد، أب، قائد، ثائر، عالم وخطيب..تكثر صفات شيخ الشهداء نمر باقر النمر، ولا ينبض نهر العلوم والزرع الذي بذره في أمة بأكملها. زرعٌ لا شك أنه أنبت نصرا وعزة وكرامة على امتداد سنين حياته، وما بعد استشهاده على يد النظام الجائر، الذي يخاف حتى جثمان الشهيد، ويستمر في احتجازه رافضاً تسليمة لذويه، في استمرار للانتهاكات التي يستخدمها بحق عوائل الشهداء، ما يرفع النقاب عن حجم المأزق والرعب الذي يعيشه من انعكاساست إقامة عزاء وتشييع الشهداء، وهو المشهد الذي لطالما ارتسم في بلدات القططيف والأحساء، بإجلال وتكريم الجثامين المباركة، والتي سلّت سيوف آل سعود على نحورها.

أربع سنوات تطوى أيامها على لوعة وعزة ونصر وثبات. سنوات أربع يمعن النظام بحرمان عائلة الشهيد نمر باقر النمر من حقهم باستلام الجثمان، المحتجز منذ لحظة الإعدام في 2 يناير 2016. عندما حزّ السيف المسلول للنظام القائم، نحر الشيخ الشهيد، منفّساً بعضاً من غله الدفين بحق القائد الذي أبى الخضوع والركوع والهوان أمام نظام غاشم لا يعرف من القوانين إلا اسمها وأحرفها، ويدعي ما يدعيه أمام المجتمع الدولي الذي يخفي بين أروقة منظماته الكثير من الانتهاكات والدفاع عن نظام الرياض صاحب السجل الأسود.

لا يشك عاقل بالخوف الذي يكتنزه النظام من أبناء “القطيف والأحساء”، الذين لطالما قارعوا الظلم والاستبداد، خوف دفع به نحو استخدام سياسة احتجاز الجثامين في محاكاة واضحة لحليفه الصهيوني. يخفي النظام جثمان الشيخ الشهيد ويمعن بحرمان العائلة من حقها بدفن شيخ الشهداء حيث أن المراسم المؤكدة للتشييع ستكون مليونية، وهذه الأعداد يخشى منها النظام، ويمنع تحركاتها، وهو الذي استخدم الحظر والمنع والبطش العسكري لمنع إقامة العزاء، وحال دون تسليم الجثمان، والتشبث والإبقاء عليه في خطوة تمنع أي من مظاهر الإحياء، غير أن ذكرى الشيخ الشهيد النمر تحضر في كل عام، لتؤكد فشل خطوات النظام.

استعملت السلطات السعودية عمليات التضليل والخداع الكبير للتحايل على الرأي العام بشأن الشهيد النمر، حتى أن المدعي العام لم يوجّه تهمة “قتل عناصر الأمن” إلى شخص الشهيد، لكونه لا يملك دليلا على ذلك، فيما روج آل سعود، وعبر إعلامهم، لهذه التهمة وأمثالها. واغتالت السلطات، الشيخ الشهيد ظنا منها بأنها تتمكن من إخفاء صوت الحوزة العلمية، لكن هذا الظن، وهم ليس إلا، لأنه لا يمكن اختزال الشهيد النمر بطائفة او منطقة أو بلد أو جماعة، الشيخ الشهيد نمر باقر النمر يمثل الأمة الإسلامية، ورغم استشهاده إلا أنه لا يزال محور الأمة والحوزة والنهضة الاجتماعية والثورية، وقد قدم نماذج بارزة وشخصيات عظيمة للمجتمع الإنساني والإسلامي.

الشيخ النمر، كانت قضايا الأمة محورا في حياته، لم تقتصر ثورته الفكرية والاجتماعية على القطيف والأحساء، بل شكلت قضية البحرين، وثورتها، واحدة من أهم القضايا، وقد وجهت له اتهامات بشأنها، وهو الذي دافع عن المظلومين على امتداد بقاع الأرض ولم يهدان ولم يخنع أو يركع. وقد حرص الشيخ الشهيد على الدّفاع عن موقفه في مناصرة شعب البحرين، وتأييد ثورته، وذلك خلال المرافعة التي مُكن من كتابتها بنفسه، وعرفت ب”مرافعة كرامة”، واعتمدت على تأكيد مبدأ أساسي للشهيد النمر ودستور حياة “الكرامة”.

العلامة الشهيد الشيخ نمر باقر النمر كان كان رمزاً إسلاميّاً يتخطّى حدود موطنه، ولد عام 1959 في مدينة العوامية، و ينتمي إلى عائلة مرموقة، برز فيها رجال دين أفذاذ، أبرزهم آية الله الشيخ محمد بن ناصر آل نمر، وخطباء حسينيون، كجده لأبيه، الحاج علي بن ناصر آل نمر. وتلقى دراسته الأكاديمية في العوامية حتى المرحلة الثانوية، ثم هاجر إلى إيران طلباً للعلوم الدينية عام 1980، والتحق بحوزة الإمام القائم، وتتلمذ على أيدي أساتذة بارزين. بعد حصوله على مرتبة الاجتهاد، شرع في تدريس العلوم الدينية، إلى جانب العمل الرسالي؛ وقد تخرجت على يديه ثلة من المشايخ الذين مارسوا ويمارسون الأدوار الدينية والاجتماعية والقيادية في مجتمعاتهم.

الشيخ النمر، منذ عام 2007، أطلق دعوته الشهيرة لإعادة بناء أضرحة أئمة البقيع (ع) في المدينة المنورة، دعوة تسببت بتعرضه لسلسلة من المضايقات السلطوية، حيث استدعته أجهزة المباحث العامة أكثر من مرة، ونادى عام 2008، بتشكيل جبهة المعارضة الرشيدة، ووظيفتها معارضة الفساد والظلم الاجتماعي والسياسي الواقع أهالي المنطقة الشرقية. حينها كسر النمر الحظر الرسمي الذي فرضته السلطات منذ اغسطس 2008 على ممارسته الخطابة والتدريس، واستهل خطاباته بالحديث عن الحرية السياسية ومحوريتها في التغيير السياسي، فيما نظم الحراك الشبابي في القطيف عدة مسيرات للمطالبة بالإفراج عن 9 سجناء، هم السجناء المنسيون، الذين مضى على اعتقالهم في حينها 16 عاماً.

ومع دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين، اتسعت رقعة الحراك والاحتجاجات في القطيف، فقابلتها السلطة باعتقال المئات من الشباب الناشطين؛ وتصدى النمر بكل قوة للدفاع عن حق الشعب في القطيف بالتعبير عن الرأي والتظاهر، حاربته السلطة، وحاربت كلماته وجعلت تأكيداتها بأن صوت النمر أقوى من أزيز رصاصها.

كانت تعاليم الشيخ النمر وخطاباته الدينية، لا تخلو من دروس العلم والاجتهاد والتفكر ومقاربة الواقع وكيفية عدم الخنوع وسبل الحفاظ على الكرامة، وفي أحد دروسه قال “إن ركوب السفينة يحتاج إلى جوازين:
الجواز الأول: إجتناب الطاغوت من علماء السوء وحكام الجور، والكفر بطاغوت العلماء أشخاصاً ومناهج وأفكار ومواقف، والكفر بطاغوت الحكام أشخاصاً وقوانين وأنظمة وأفعال، يحطم كل الحواجز، ويرفع كل العوائق، ويزيل كل العقد التي تحول بين الإنسان وحريته واختياره، فاجتناب الطاغوت والكفر به جواز يُعبّد الطريق للإنسان لتحقيق الكرامة، وركوب سفينة النجاة والحرية والسعادة”.

وأضاف أن “الجواز الثاني: الإيمان بالله الذي ينعكس عبودية لله دون سواه. إن الواقع البشري يتلخص في كلمة {يؤمنون بالجبت والطاغوت} فالبشرية غارقة ومازالت غارقة في مستنقع الجبت ووحل الطاغوت، والمشاكل البشرية جمعاء ناتجة من هذين الجذرين: الجذر الأول: مستنقع الإيمان بالجبت، بتأليه الهوى وعبادته بالطاعة، وبإتباع الشهوات والتقوقع في سجنها.

الجذر الثاني: وحل الأيمان بالطاغوت، بالتحاكم إليه والخشية منه والخوف من سطوته وأفعاله، وبالتملق إليه بالتسبيح بحمده، والتمجيد بأفعاله وأقواله وأفكاره، والثناء بفُتاة عطاياه”. وبين أن ما يحتاجه الفرد والمجتمع ينقسم إلى عدة منابع وهي “الإصلاح الجذري، و التغيير الشامل، والتجديد الرشيد”، واعتبر أن الإصلاح الحقيقي هي التي تنطلق من اقتلاع جذور الفساد، ولا تكتفي بطلاء السطح، والحلول الترقيعية، والوعود العرقوبية التخذيرية، والتسويفات النفسية، والإنجرار وراء الوساوس الشيطانية، والإوهام التخيلية، والسرابات التصورية.

وهذا ما يحصل الآن في البلاد،إذ تدعي السلطة الإصلاح، إلا أن الواقع يجزم بأن هذا ادعاء ومزاعم لا شيء منها على أرض الواقع، بل إن ما يحصل من النظام هو استمرار لنهج قمعي تنكيلي يقوم على حد السيف وتكميم الأفواه والظلم وانعدام أبسط الحقوق الأساسية للحياة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى