النشرةتقاريروما قتلوه

خاص| شخصيّة المرأة المسلمة في فكر الشيخ النمر

زينب فرحات – خاص مرآة الجزيرة

عند الحديث في حقوق المرأة، لا بد من الإشارة إلى تيّارين متناحرين يتواجدان في معظم المجتمعات البشرية، هما تيار التحرّر وتيار التقيّد، وطبعاً القصد بالتحرر هنا ليس ذاك الإيجابي أي التحرّر الفكري مثلاً إنما ذاك المستنسخ عن النموذج الغربي. مع العلم أن غلبة أحد التيارين على الآخر يرتبط بالمنظومة الإجتماعية والثقافية السائدة في مجتمع ما.

ما لا يدركه البعض، أن نموذج التحرّر الغربي الذي يتغنّى فيه كثر من النساء وحتى الرجال في مجتمعاتنا هو في الحقيقة إعادة إستعباد واستحقار للمرأة ولكن بطرق ملتوية، وأعني بذلك أن الجو الثقافي الذي يوهم المرأة أنها حرّة بقدر ممارستها للرذائل، وبمدى التعرّي والتفلّت من القيم والأخلاقيات، هو شبيه للجو الذي يسلب المرأة كل حقوقها وحرياتها، لأنه في كلتا الحالتين هناك انتقاص من كرامة المرأة، وهناك استيلاء على خصوصيتها وطينتها الطيبة وعفّتها التي أودعها الله فيها. فضلاً عن ذلك، فإن حرية المرأة الحقيقية وانضباطها الأخلاقي لا يمكن أن يتحققان بهذه السبل، فلا العري سيزيد من حريتها ولا القمع الشديد سيعزّز أخلاقياتها.

وفي خضم هذا النقاش، برز فكر الشيخ نمر النمر الذي اهتم بدعم وإثراء شخصيّة المرأة بأبعادها الدينية والإجتماعية والرسالية والثورية مدعّماً آراءه بكلام الله وأحاديث أوليائه المعصومين فأحسن إخراج النموذج النسائي الإسلامي الذي يصيغ مفهوم التحرّر الحقيقي من خلال ممارسة أدوارها المختلفة في المجتمع، سيما من خلال التعلّم واكتساب المعارف الثقافية وبناء القدرات الذاتية والفكرية من جهة، ومن جهة أخرى توظيف معارفها هذه بالتعليم والإرشاد والتربية، وبالتالي وازن سماحته بين حقوق المرأة وواجباتها ومسؤولياتها، بدون لا إفراط ولا تفريط.

مواجهة العنف ضد المرأة

انطلق سماحة الشيخ النمر من إعادة بناء صورة المرأة المتشظيّة في المجتمعات العربية التي يطغى عليها الطابع الذكوري سيما في “السعودية” حيث تفتقر المرأة لأدنى حقوقها في الحياة كما ويرتفع منسوب العنف الممارس ضدها واضطهادها من مختلف فئات المجتمع. وأود أن أشير هنا إلى أن الواقع الحالي الذي يهندسه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ليوهم النساء أنهن حصلن على حقوقهن ليس سوى مسرحيات تندرج في إطار تعبيد طريقه نحو الحكم، أو على الأقل هو بمثابة تقديم أوراق اعتماده لدى الرأي العام الغربي أن “انظروا إليّ أنا منفتح”، ولذلك كل ما يشاع عن إصلاحات في موضوع حقوق المرأة “السعودية” ليس سوى استثمارات سياسية، لكن الواقع المتيقن منه هو أن وضع حقوق المرأة في البلاد لا يزال كما هو بل ربما يتّجه لأن يكون أشد سوءاً عما كان عليه سابقاً وأكبر دليل على ذلك، مكوث حرائر الحجاز في السجون السعودية سيئةوالصيت منذ سنوات دون أي جرم يذكر.

وبالعودة لآية الله النمر، فقد شدّد في هذا الخصوص على مراعاة المرأة، أي أن يتحمّل الرجل مسؤولياته في التعامل مع المرأة في حالات الخلاف، وعدم الإستبداد في اتخاذ القرارات المصيرية في العائلة كالطلاق، انطلاقاً من أن المرأة ليست ملكاً للرجل لذا لا يحق له أن يتحكم بمصيرها وقراراتها. وفي هذا الصدد يورد الشيخ الشهيد، أنه “من أخلاق الأنبياء إكرام النساء ومحبتهن، فمن يحب إنساناً يكرمه، وهكذا أخلاق المؤمنين. ما يزداد الإنسان إيماناً إلا إذا ازداد حبّاً للنساء وإكراماً لهن”، وعن الإمام الصادق يقول: “ما أظن رجلاً يزداد في الإيمان خيراً إلا وقد ازداد حباً بالنساء.. فلا تستهروا بالنساء ولا تسيؤوا إليهن بأي شكل”. ويشير أيضاً إلى أن “بعض الحمقى يعتقدون أن المرأة لا كرامة لها وهم مصداق قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام): الإستهتار بالمرأة من شيم الحمقى”.

الدور الرسالي

أعاد سماحة الشيخ النمر تصويب الأدوار المتعدّدة التي ينبغي عل المرأة أن تمارسها، فصحيح أنه أوكل إليها مهام الأمومة والتربية وهي من أعظم الأدوار دون نزاع، لكنها ليست جميع أدوارها بل ثمّة أعمال ووظائف يجب أن تتصدّى لها النساء في المجتمع حتى تنهضن به وتبنيه أحسن بناء. ولذلك سعى الشيخ الشهيد في تفعيل دور المرأة في المجتمع واستثمار طاقاتها في المجالين الديني والإجتماعي، والعمل على صقل كفاءتها وإبرازها في الوسط النسائي، سيما من خلال حثّها على المشاركة والحضور في صلاة الجماعة في المسجد، وأيضاً الحضور في البرامج والأنشطة الدينية والثقافية.

وعلى خلاف ما يشاع عادةً حول أفضليّة التزام المرأة في دارها، شجّع الشيخ النمر على أهمية الجانب المهني في حياة المرأة إذ اعتبر أنه على سبيل المثال، “المرأة تحتاج إلى علاج، لذا لا بد من وجود امرأة طبيبة تعرف خصوصيات المرأة، ويحق لها أن تطلع على خصوصيات المرأة النفسية والجسدية، حتى نحمي عفتها”. وكذلك في التعليم “لابد من امرأة تأخذ وتعطي وتتعاطى مع المرأة، فالمرأة حيية بطبعها، يصعب عليها أن تبرز ما في داخلها بأكمله أمام الرجل إلا إذا فقدت الحياء”. وأيضاً رأى الشيخ أنه ينبغي على المرأة أن تكون حاضرة في هذا الجانب نظراً لأن الفتيات قادرات على التعرف على خبايا بعضهن البعض.

كما لم يفت سماحته إرشاد المرأة إلى التسلّح بالثقافة المحمديّة، وذلك من خلال تقفّي أثر النساء القدوة في الإسلام، كالزهراء وزينب وسكينة (عليهنّ السلام) وأيضاً حثّها على التواجد في مراكز النور بحسب تعبيره، أي المساجد، الحسينيات، التجمعات الثقافية الرسالية والأماكن التي تغذّي عقلها برؤى رسالية سليمة، بالإضافة إلى تنمية قراءاتها ومطالعاتها سيما من خلال التدبر بالقرآن، وروايات أهل البيت (عليهم السلام) بتأمل، والأدعية بروحانية متعقلة، وقراءة الكتب الإسلامية والإستماع إلى المحاضرات والتفكر بها وما إلى ذلك.

الجدير ذكره هنا، أن آية الله النمر لم يكن منظّراً فقط في رؤيته هذه، بل كان مطبّقاً أيضاً لأقواله وأفكاره إذ أنشأ سماحته حوزة دينية كانت تسمّى في بداية انطلاقتها بإسم “المعهد الإسلامي”، وقد حوت في صفوفها الدراسية الرجال والنساء في قسمين منفصلين. ليتكلل سعيه بتخرج ثلة من النساء الرساليات المؤهلات على إدارة العمل الديني والمشاركة في الأنشطة خطابة وكتابة وقيادة.

الحرائر

لا يقف العنف الممارس ضد النساء في “السعودية” عند حدود الواقع الإجتماعي، بل ثمّة عنف متأصّل في عقلية الدولة السعودية تجاه النساء اللواتي يتم اعتقالهن وسحلهن في السجون دون ثبات إرتكابهن أي جريمة، وهو ما تصدّى له الشيخ النمر الذي أدان واستنكر وحشية رجال الأمن في التعامل مع النساء اللواتي يشاركن في الأنشطة الإجتماعية والثقافية ويمتلكن آراء ومواقف خاصة في الشأن العام، إذ دأبت القوات السعودية على اقتحام بيوت النساء دون وجلٍ وخجل واقتيادهن مغلولات إلى ظلمات السجن، وما أدراك ما سجون آل سعود المشهورة بالإنتهاكات الوحشية والإعتداءات الجسدية والجنسية على السجناء سيما النساء منهم.

لقد واجه سماحته هذا الواقع المخزي في مقاربة تاريخية تستنهض الهمم والطاقات في نفوس النساء إذ قال أن: “التاريخ يعيد نفسه، فبالأمس اعتدى الطغاة على السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)، والسيدة زينب(عليها السلام) واليوم يُفعل ذلك بالنساء. نحن بحاجة أن نرفق بالمرأة وأن نكرمها ونحسن إليها لا أن نظلمها ونعتدي عليها”.

كما خصّ سماحة الشيخ بالذكر، نساء البحرين اللواتي كن ولا يزلن يتعرضن لشتى أنواع التعذيب والإضطهاد من قبل النظام الخليفي. وقد جاء في إحدى خطاباته “نحن بحاجة لنكون مع المجاهدين مع حرائر البحرين، مع الزينبيات والمجاهدات اللواتي سطّرن شخصية زينب (عليها السلام) في عصرنا الحالي حتى يقفن الحرائر في كل العالم أمام حرائر البحرين إجلالاً واحتراماً لهن، هذه الروح المعطاءة التي تعرض نفسها للأذى والإبتلاءات بالرغم من أنها ضعيفة ويجب أن تُكرم وأن تُحفظ بالبيوت، لكنها تخرج دفاعاً عن دينها كما خرجت زينب وحرائر النبوّة مع الحسين دفاعاً عن الدين وحريٌّ بنا أن ندافع عن أولئك الحرائر”.

في مسيرة بناء الإنسان المسلم، توقّف الشيخ الشهيد نمر النمر عند المرأة التي نظر إليها كركن أساسي من أركان المجتمع، لذا أعاد تصويب البوصلة نحو اتجاهها الصحيح أي بنهل النساء المسلمات من قيم وأخلاقيات الدين المحمديّ الأصيل، ومن جهة أخرى حذّر الرجل من التعرّض لكرامة المرأة ودعاه للرأفة بها واحترام كيانها ومكانتها العظيمة في بناء المجتمع.. فأيُّ كرامة تلك التي تبحث عنها نساءنا خارج إطار الإسلام؟ وأي قدوة يتّخذن بعيداً عن نساء الرسالة المحمدية، سيما السيدة فاطمة والسيدة زينب (عليهن السلام)؟

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى