الرئيسية - النشرة - خاص| الفكر الحسيني في مسيرة الشيخ النمر النضاليّة

خاص| الفكر الحسيني في مسيرة الشيخ النمر النضاليّة

زينب فرحات – خاص مرآة الجزيرة

لم تكن كلمات ومواقف الشيخ الشهيد نمر النمر مستمدّة من مسيرة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) فحسب، بل كان محور نضال الشيخ الشهيد يدور في فلك النهضة الحسينية، وقد تجلّى ذلك في خطاباته المتنوعة، بما فيها مواجهة الطغاة، إصلاح النفس، الإرادة الصلبة، وأيضاً التمسّك بالأخلاقيات الحسينية في أبسط تحركاتنا اليومية.

لعلّ أبرز انعكاسات الفكر الحسيني قد تجلّت في مواجهة الشيخ النمر للحكام الطغاة في كافة العالم الإسلامي لا سيما حكام الخليج العربي وآل سعود على وجه التحديد. وفي هذا الخصوص، انطلق سماحة الشيخ الشهيد من نقطةٍ أساسية تكمن في أصل مواجهة المضطهدين للظالمين. وهي التغلّب على الخوف. إذ كان سماحته يعتبر أن تسلّط الطغاة على الشعوب سببه ضعف هذه الشعوب وليس قوّة الطغاة لأنه بحسب رأيه أن الطغاة هم مجرد أدوات وألاعيب بيد الشيطان والشيطان بطبيعة الحال في غاية الضعف أمام قدرة الله.

إرادة التغيير

ولذلك، فإن أولى خطوات التغيير تبدأ وفق الشيخ الشهيد في نزع آثار الخوف والرهبة من النفس، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بالتصادق مع الموت أي أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يخشى فيها تهديد الظالم بالقتل لأن هذا الأخير لا يملك أكثر من الإجرام. وهو ما يظهر واضحاً في كلمات الشيخ النمر هذه: “كل مشكلة في مجتمعنا مهما كبرت أو صغرت سببها الطغاة. لكن ما الذي جعل الطغاة يتسلّطون علينا ويتحكمون في مصيرنا؟ إن مردّ ذلك يرجع إلى الذات فضعفنا هو الذي يقوّي الطاغي وإلا فإن الطغاة أضعف مما يتصوره الناس. قوة وهمية. لا يملك الطاغي قوة حقيقية. قوته وهم لكن ضعف الإنسان هو الذي يجعل الطاغي قوياً.

ويضيف: “الطاغي ما هو إلا ألعوبة في يد الشيطان وكل مكائده من حيل الشيطان…ولذلك فإن الطاغي ضعيف أمام الإنسان الذي يمتلك إيماناً وإرادةً. لكن السؤال ما هو سبب هذا الضعف. الإمام الحسين (ع) يبيّن: [“فراركم من الموت]، لإن الطاغي يهدد بالقتل”.

يستذكر الشيخ الشهيد أثر النهضة الحسينية على أهل زمانه، إذ لم تكن إرادة الجهاد قد وُجدت في نفوسهم، فراح يحثّهم على النهوض بتحمّل المسؤوليات وتوزيع الأدوار والدخول في صلب المواجهات لا أن يلتزموا الحياد وينظّروا من الأفق. وكما دعا الحسين (ع) أهل زمانه للنهوض، فعل الشيخ النمر، الذي سعى في تحرير الناس – على اختلاف مشاربهم – من جور الحكّام المجرمين في المنطقة، سيّما آل سعود الطغاة. وهو القائل: “كان الناس في سبات، في نفاق، في غفلة، كسالى، يرفضون الجهاد، يرفضون تحمّل المسؤولية، الحسين ينهض ويلقي الحجة على جميع البشرية، وينهض لجميع الفئات: امرأة، ورجل، وطاعن، وصغير، وشاب، وكهل؛ وجميع الفئات تشارك معه: أبيض وأسود، الشديد والضعيف، السيد والمسيود، والغني والفقير؛ كلهم يُشاركون معه في نهضته، وفي ثورته، وفي مسيرته، ولذلك تهز القلوب مهما تصلدت”.

مقارعة الطغاة

في الدول المحكومة من قبل طغاة ومتجبّرين قد يتحوّل إنصياع الناس لإرادة الحاكمين إلى عادة، بمعنى أوضح يتحوّل الأمر إلى طاعة حقيقية للظالمين حتى لو لم يكن الناس يدركون ذلك. فالتزام الصمت والكفّ عن إعلان شتّى مظاهر المعارضة للطبقة الحاكمة، وعدم معاندة الظروف المحيطة في مسيرة النضال وما إلى ذلك، جميعها حالات طاعة غير مباشرة للطغاة. وبالتالي عمل الشيخ النمر على التأكيد أن أصل وجود آل سعود وسائر الحكام الظلمة في الجزيرة العربية، هو غير شرعي ولا تجوز طاعتهم بل ينبغي على الناس المجاهرة برفضهم أسوةً بالمنهج الحسيني. وهو ما بدا جلياً في كلمات سماحته هذه: “لقد تعلّمت من الحسين (ع) التوحيد الإلهي الخالص الذي لا يشوبه شرك كطاعة الطاغوت. شرك الطاعة للطاغوت ممحي من خلال منهج الحسين. نتعلم من الحسين أن لا نطيع الطاغوت. لا تخضع لطاغوت. لا تخضع لظالم. لا نطيع ظالم”.

كان الشيخ الفقيه يعلم جيداً أنه في بلد كالسعودية يحكمه مجموعة من الطغمة الفاسدة، لا بد من أن يسود الجو العام القمع والقتل والترهيب والترغيب، وهو ما سينعكس بطبيعة الحال على روحية الشعوب فيحدّ من عزائمهم وآمالهم بالتغيير.. ومن هذا المنطلق دعا الناس ليتقبلوا أسوأ الإحتمالات، مشدداً على أن أكثر ما يمكن للظالمين فعله هو حشد قدراتهم العسكرية التهديد بالقتل، ليكن ردّ سماحته على هذه الأفعال بأخذنا إلى مشهد يعد من أصلب وأشمخ مواقف النهضة الحسينية المباركة وهو حين وقف الحسين أمام عشرات آلاف الكفار بمنتهى الثبات والإقدام. ليقول سماحة الشيخ: “نحن لا نخاف الموت بل نزداد إيماناً.. يأتون بدبابات، مدرعات، طائرات، وبجنود مجنّدة، قدوتنا الحسين (ع). صحيح نحن لم نصل إلى ما وصل إليه، شخص بمفرده يواجه 30 ألف، لذلك نحن نقتبس من الحسين. نحن لدينا القليل من روح الإمام الحسين وهذا من نعم الله. ولذلك نزداد إيماناً بينما أولياء الشيطان هم الذين يخافون. يريدون إرهابنا بالقتل والتجزير فليفعلوا ما يشاؤون.. طالما ليس هناك خياراً آخر إلا الذل أو الموت.. نحن لا نخاف الموت فكرامتنا أغلى من كل هذه الحياة. دماؤنا رخيصة من أجل الكرامة والقيم”.

الأخلاق وإصلاح الذات

إلى جانب البعد الثورة والنضالي للمسيرة الحسينية، ركّز الشيخ الفقيه على البعد الأخلاقي والإصلاحي لهذه المسيرة الذي تجسّد بكليّته في واقعة كربلاء، وتحديداً في كيفية تعاطي الإمام الحسين (ع) مع من عزموا على قتله. لذا حثّ سماحته الناس للنهل من قيم ومبادئ عاشوراء ليكون ذلك بمثابة قاعدة تأسيسية لأي مشروع إصلاحي في المستقبل، بإعتبار أن التغيير والإصلاح الحقيقي في أي مجتمع ينبع من ذات الأفراد الذين يقومون بهذا العمل وإلا فلن يكون هناك إصلاحات.

إن أبرز ملامح الإصلاح الذي تحدث عنها الشيخ الشهيد، يكمن في التمسك بالقيم، ومواجهة السلوكيات المنحطة وأيضاً بالإرتباط بالله، وبالتحرر من أغلال الشهوات النفسية، فقد رأى الشيخ النمر أن “عاشوراء هي أرض الإصلاح، هي بركان يتفجّر بالقيم.. هي شلالٌ يجرفُ جميع الأفكار الجاهلية والسلوكيات المنحطّة. هي قمّة الفكر. وقمّة الرسالة ومنها ننطلق إلى الله. من الله وإلى الله. من عاشوراء الحق. من عاشوراء القيم. من عاشوراء الرسالة نبدأ تأسيس مشاريع الخير. نبدأ انطلاقة الإصلاح والصلاح. نبدأ بالإرتباط بالله بالعبودية لله برفض الطواغيت. نبدأ بالتحرر من أصر الشهوات وأغلال الطواغيت. من عاشوراء نستمد القوة والشجاعة والإرادة. نعمّق الإيمان. نجذّر التقوى. وننطلق بأقصى سرعة”.

وهذه الأخلاقيات التي شدّد سماحته عليها، دعا لأن تكون محور علاقاتنا الإجتماعية في حياتنا اليومية والعادية مع من هم حولنا، وأيضاً دعا لأن تكون حاضرة في الأوضاع والظروف الإستثنائية التي يمر بها الناس كالحروب، وحتى يجب أن تكون سمة العمل السياسي. فهو القائل: “نحن مطالبون أن تكون الأخلاقيات هي أساس تحركانا وسلوكياتنا: في البيت، في المدرسة، في العمل، في الحارة، في القرية، في المدينة، في المؤسسات، في الأوضاع الطبيعية، في الأوضاع الشاذة، في الحروب، في السلم، في الاقتصاد، السياسة، الاجتماع، مع الأصدقاء، ومع الأعداء، ليس أمسكه وأنتقم! ولهذا الأخلاقيات”.

إن سرّ نهضة الشيخ النمر يكمن في مدى اقترانها بالنهضة الحسينية، من حيث الأسباب والظروف والمواقف وأيضاً في تجليات نكران الذات والعمل بدافع الواجب الديني والإنساني بالرغم من جميع المخاطر المحدّقة بهذه المسيرة وبالرغم من قلّة الأنصار وخذلان الأقرباء، ولذلك لم يكن مستغرباً أن تكون خاتمة الشيخ الشهيد مشابهة لجدّه الحسين.. فالسلام عليه يوم ولد ويوم قُتل ويوم يُبعث حيّاً مع الشهداء.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك