الرئيسية - تحليلات - هل يخوض العراقيون معارك ما قبل الظهور؟؟

هل يخوض العراقيون معارك ما قبل الظهور؟؟

محمود البقشي – مرآة الجزيرة

لا تزال بلاد الرافدين الرافد الحضاري الكبير للانسانية حيث حدثت فيها ولا تزال تحدث معتركات مفاصل الكثير من التحولات البشرية الكبرى منذ عصور السامريين والبابليين. بلاد الرافدين هي أول الكتابات البشرية وهي التاريخ الكبير الذي لا تنقطع مجرياته ولا تندثر معالمه وفيها التجمعات البشرية الهامة وهي ايضا مراكز قوى علمية وانسانية عبرت التاريخ ولا تزال تؤثر في واقعنا الحاضر. وقد ازدهرت فيها دول متعاقبة حكمت في ذروة نشاطها ما بين الغرب والشرق ونشأت فيها عواصم متعددة ومدن ذات تأثير كبير على مجريات التاريخ والبشر والعلم والادب وغيرها من الانجازات الانسانية الكبرى.

واذا نظرنا للعراق منذ فجر الاسلام الاول لوجدناه مركز انتشار الاسلام شرقا الى تخوم الصين وبلاد المغول وما يحيط ببحر قزوين وخلال هذه التحولات الكبرى نشأت في العراق عدة مدن كان لها التأثير الكبير على مجريات التاريخ كمدينة الكوفة وبغداد و سامراء وغيرهم وكلها كانت مدن او عواصم ومراكز قوى ضخمة يمتد تأثيرها عميقا وابعد كثيرا من المنطقة الجغرافية المحيطة بها.

فمنذ ان نقل علي بن ابي طالب الخلافة الاسلامية الى الكوفة لتصبح عاصمة الدولة الاقوى عالميا في تلك الفترة اصبح العراق أحد أهم محركات التغيير العالمية.
بالاضافة الى الحفاظ على قدسية المدينة المنورة وابعادها عن الصراعات كان اهم اهداف نقل عاصمة الاسلام الى الكوفة هو كونها ملتقى الحضارات والثقافات المختلفة. فالقبائل العربية التي انتقلت الى الكوفة اصبحت على تماس مباشر مع بلاد فارس شرقا واطراف الروم في الشمال الغربي وكذلك تماسها غربا مع بلاد الشام العميقة في التاريخ والتي دخلت الاسلام حديثا.


لكن مشروع علي بن ابي طالب الكبير سرعان ما تعثر في وسط الكوفة ولقد كان اهم سببين لتعثر مشروع علي بن ابي طالب هما تدني مستوى الوعي في المجتمع- وقوة الفساد المالي والاداري الذي مارسه معاوية حاكم الشام.
فبينما لم يتح لعلي بن ابي طالب الوقت الكافي ليحدث ما يكفي من الوعي في مجتمع الاعراق المختلفة، لم يكن (القائد الرمز) ليستخدم فساد المال السياسي ليمكر ويغدر كما يفعل معاوية بلا اعتبار لأي قيم أو مباديء أو أخلاقيات أو أعراف أو أنظمة.


ولا يزال العراق هو مركز القوة ومركز إحداث التغييرات الكبرى ومحط انظار القادة والثائرين فعندما اراد الحسين بن علي إحداث صدمة في وجدان الأمة لتصحيح مسارها بعد ان انحرفت عنه واستفحل فيها الفساد وخصوصا الفساد (المالي والاداري) الذي أرادت له السلطة الفاسقة أن يؤصل كنظام اساسي في إدارة الحكم وما يتبعه من فساد ديني واخلاقي وتدميري للمجتمع وللفرد المسلم في أعماق ايمانه وأدق تفاصيل حياته، قصد الحسين العراق من جديد فقد كان هذا العراق هو الخيار الأمثل الذي تتوافر فيه كل الامكانات والمقدرات اللازمة للتغير الشامل المستدام للاصلاح واعادة الامور لمسارها الصحيح بما يمتلكه من خزان بشري عرف عنه تضحياته التي لا حدود لها واستبساله في تحقيق اهدافه وارادته التي لا تقهر وقابليته للتغيير والتأثير. فهو مجتمع عصي على الاذلال والخضوع وهو مجتمع لايموت، فكلما استطاع جور طغيان الحكام المجرمين استئصاله ما يلبث ان يعود من جديد نبتا أقوى وأشد واكثر اصرارا واستبسالا وتضحية من أجل اهدافه.

لقد صُد الحسين بن علي عن دخول الكوفة خوفاً مما يمكن ان يحدث اذا التقى الحسين المصلح بأدوات الاصلاح المتمثلة بهذا المجتمع الثائر والمضحي من أجل تحقيق اهدافه. وخوفا من ايقاض الوعي لدى هذا المجتمع الحضاري القادر على التغيير.


لقد استعملت السلطة آنذاك نفس الاداتين لصد الحسين عن مشروعه وهما الفساد المالي والاداري وتغييب الوعي بإحداث البلبة في المجتمع ومحاولة تحييد قياداته اما بالقتل أو بالسجن أو بتشويه سمعتهم بالاراجيف والاكاذيب الباطلة.

اليوم بعد ثورة الحشد الشعبي التي احدثها السيد السيستاني في هذا العراق العظيم بعطاء شعبه وقوة معنقداته وايمانه بقضيته وما يمتلكة من قوة تضحية هذا الشعب العظيم الذي اعطى للتضحيات عنوانها وللشهادة وسامها وضرب اعلى وأقدس الامثلة في الجود بالنفس والروح من أجل حماية حتى من اعتدى عليه وتجاوز على ثوابته ومقدساته، يواجه اليوم هذا العراق معركة أخرى أشرس من معركة طرد الدواعش من بلاد الرافدين وهي معركة القضاء على الفساد المالي والاداري الذي استشرى في البلاد بشكل لا مثيل له.


هذا الفساد المالي والاداري هو ذات الفساد الذي كان سبب إعاقة مشروع علي بن ابي طالب العالمي المتكامل، وهو ايضا ذات الفساد الذي قطع الطريق أمام ثورة الحسين بن علي لينتهي الى تلك الكارثة الانسانية الكبرى والمأساة العظيمة التي تركت جسد الحسين على صعيد كربلاء مقطوع الرأس مكسر الاضلاع موزع الاعضاء.


لقد صدم الاستكبار العالمي بحجم الوعي الكبير لدى العراقيين الجدد، هذا الوعي المتنامي منذ اسقاط الطاغية في 2003 والذي ظهرت بوادره في التنظيم الذاتي والغير مكلف للمسيرات المليونية المتجهة لكربلاء الحسين كل عام. وقد تنامى هذا الوعي الى ان وصل ذروته بعد افشال المشروع الاكبر لدول الاستكبار العالمي عند خروج العراقيين من أجل القضاء على الفساد المالي والاداري.

لقد ادركت دول الطغيان و الاستكبار العالمي ان التقاء الوعي لدي العراقيين مع الاصلاح المالي والاداري ستكون له نتيجته واحدة لا تتجزأ ولا مناص عنها وهي انهاء الهيمنة الغربية على كامل دول العالم الاسلامي وامتلاك هذه الشعوب ارادتها الحرة وتصرفها بمقدراتها ومواردها الذاتية والاهم من ذلك كله توفر الارضية للمصلح الاكبر الذي ينتظر جهوزية المجتمع من أجل حركة الاصلاح العالمية الشاملة التي سيقودها حسب الوعد الالهي من عاصمته في الكوفة.

فمشروع المهدي المنتظر هو ذات مشروع الامام علي بن ابي طالب وهو ايضا ذات مشروع الحسين الشهيد. والمهدي يمتلك ايضا نفس قدرات آباءئه وامكاناتهم الا ان ما يحدد توقيت ظهوره هو استعداد المجتمعات من اتباعه لاستقباله. فهو لا يزال ينتظر جهوزية المجتمع البشري ونضج الوعي لدى أتباعه وبغير ذلك سيكون المصير الحتمي لحركته المنتظرة نفس مصير حركة جده علي بن ابي طالب وجده المصلح الحسين الشهيد الذين تعثر مشروعهما لم يكون بسبب قصور من امكاناتهما أو نقص بقدراتهما لكن بسبب استشراء الفساد المالي والاداري وقلة الوعي بالمجتمعات.
وهذا ما ثار من أجله العراقيون الجدد، واذا نجحت حركتهم في القضاء على هذا الفساد المدعوم من قبل قوى الشر العالمي وجنود ابليس بعد هذا النضج الكبير الملاحظ المتنامي في وعي هذه المجتمعات المقهورة،فاذا نجحوا في اجتياز هذه المرحلة والتغلب على ارادة ومكر قوى الاستكبار والطغيان ورفع رايك الاصلاح في العراق فلربما يبدأ العد التنازلي لحركة المصلح الأكبر فراياته أصبحت تخفق علنا في الشام واليمن وعلى أبواب القدس وتكاد ان ترفع برحبة الكوفة .

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك