الرئيسية - النشرة - سقوط الشهداء ضرورة حضارية

سقوط الشهداء ضرورة حضارية

جواد عبد الوهاب

قال الله العظيم في محكم كتابه الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم
ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون
صدق الله العلي العظيم

العرب والملالي ومن سبقهم من الشهداء الابرار أدوا رسالتهم وأدلوا بشهادتهم بالدم في محكمة التاريخ .. ورحلوا عن هذه الدنيا بهدوء بعد أن اختاروا موتاً مليئاً بالحياة والمجد والخلود. وتركوا في واقع الفراغ الذي خلفوه حركة دؤوبة ، وصحوة في الضمائر ، واشتعالا لنار لن تنطفئ ولن تبرد أبدا.

لكن ..

لماذا نحن بحاجة إلى الشهداء؟ ولماذا يجب أن يسقط الشهداء في البحرين؟ لماذا الدم والألم؟ وهل هناك ضرورة لكل ذلك؟ ألا تكفينا كربلاء وعاشوراء واحدة حتى تتحول أرضنا إلى كربلاء وأيامنا إلى عاشوراء؟ ثم ألا يوجد سبيل آخر للحرية والكرامة بدون شوك؟ وهل أن الشهداء ضرورة فعلا؟ لماذا نقدم قرابين الشهداء كل يوم والى متى؟ ثم لماذا تمتلئ السجون بالأحرار والشرفاء وخيرة شباب هذا الوطن الذي يشهد النكبات تلو النكبات وهجمات على البيوت وتدنيس للمقدسات؟ ثم لماذا نحن دائما نبحث عن آيات الجهاد والتضحية بدل البحث عن آيات الصلح والسلام؟
أليس من الأفضل أن يضع البحرانيون أيديهم في أيدي أعدائهم ليتفرغوا للتنمية والبناء؟ ثم أليس من الأفضل أن نستبدل العنف باللين .. والسيف بالورد .. وأصوات الرصاص بالأهازيج؟ ألا يكفي ما تحمله هذا الشعب من سجن وإرهاب وقتل وتشريد ودماء طاهرة زكية.

تساؤلات كثيرة تأخذ مكانها في أدمغتنا كلما سقط شهيد مضرج بدمه .. قد تبدو بعض هذه التساؤلات معقولة إذا نظرنا إلى تطلعات الأشخاص الفردية بعين الاعتبار … فنحن كبشر لا نحب منظر الدماء ، ونحن كعقلاء نعرف جيدا أنه إذا ما اتخذنا طريق التنازل عن الحقوق فانه لن يلفنا السجن ولن نضطر إلى الهجرة ولن نتعرض لأي أذى .. كما أننا نعرف الطريق جيدا إلى (مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح) ، شأننا شأن أولئك الذين باعوا أنفسهم للشيطان فارتاحوا في الدنيا أياما معدودة ثم انقلبوا إلى جهنم و بئس المصير .

لكن هناك قضية خطيرة … فلو كنا حين ننظر بعين البصيرة إلى البحرين فنرى فيها سلاما ودعة وأمانا ، لربما لم يكن البحرانيون ليثوروا … ولم يكن للشهداء ان يقدموا ارواحهم قرابين .. لكننا على العكس من ذلك ، فحينما نوجه أنظارنا إلى البحرين لا نرى غير وحوشا كاسرة نزع الله الرحمة من قلوبهم تتحكم في مصير أهلنا فتقتل وتعذب الشباب والأطفال والشيوخ والنساء ، وتدنس المقدسات. وتهلك الحرث والنسل وتقصف الآمنين بالغازات السامة . فهل يجوز للبحراني أو أي إنسان آخر أن يسكت؟ هل تسمح لنا ضمائرنا أن نستعرض كل هذه المآسي ولا نفعل شيئا تجاه ذلك؟ وهل خلقنا الله لكي نعيش في غابات أم أننا بشر ومن حقنا وواجبنا أن نجاهد ونكافح وأن ندفع ضريبة الدم لكي نتخلص من الظلم والعدوان الذي يجري على شعبنا؟

إن شعبنا البحراني البطل ثار لتغيير المعادلة بعد أن يئس من الوعود ، وقدم شبابنا أرواحهم لكي يمنعوا الإذلال حيث حرم الله الذلة على المسلم (وهيهات منا الذلة) … لقد ثار شعبنا لأن أسباب ثورته على الظلم والاحتلال قد تحققت … ويتساقط الشهداء واح تلو الآخر ليمنعو القتل والتدمير الممنهج الي تمارسه السلطة .. ان شعبنا في البحرين يجاهد للتحرير ، ويناضل للتخلص من العبودية ، ويكافح للحرية … إلا أن ذلك كله مع قدسيته ليس الدافع الحقيقي والأساسي لأن يقوم شباب في عمر الزهور بالتضحية بأرواحهم … بل هو من أجل الله وفي سبيله .. انهم يؤمنون بأن للشهيد مكانة عظيمة عند الله ، إذ لا تسيل على الأرض قطرة من دم شهيد إلا ويبنى مكانها مسجد ولو كان ذلك قبل ألف عام.

ولكل ذلك فسقوط الشهداء أصبح ضرورة حضارية في عصرنا هذا وإلا فسوف ينقضي علينا ألف عام ونحن على وضعنا إذا لم يتغير فينا شيء .. ألف عام من الذل والهوان … وعلى البحرانيون وحتى لا تتحول البحرين الى ما تحولت إليه مناطق أخرى في عالمنا العربي والإسلامي ، أن يسقوا أرض البحرين بدماء الشهداء ويروا نخيلها بدمائهم الطاهرة لكي تبقى البحرين منبع الثورة ، وضمير الحق المغتصب ، والأصل الذي يستمد منه الثوار صمودهم وإيمانهم وثوريتهم .

ثم كيف لا يقدم البحرانيون أنفسهم قرابين وهم يرو ن أن أمريكا التي تحمي قاتليهم ومنتهكي حقوقهم والتي تفتخر برقيها وتقدمها تكرس إعلامها لإدانة من يصطاد عصفور أو يقطع شجرة ، فهذه جرائم في نظرهم بحق الحضارة .

كنها تصمت أمام من يصطاد الأرواح البحرانية الآدمية ، وتكتسح مدرعاتها المناطق والقرى أمام أعين الكاميرات … لقد بلغت رقة الإنسان المتحضر في أمريكا والغرب حدا جعله يتألم على حشرة مهددة بالانقراض ، او ماشية يتغذى عليها بنو الإنسان ، فتنتشر المنابر التي تستهجن حتى مستخدمي فراء الحيوانات … لكن كل تلك الرقة تنام أمام مشهد الأطفال الذين يختنقون بالغازات السامة جراء قصف مناطقنا وقرانا بها .. تنام كل تلك الرقة أمام مشهد جثة شاب قطعتها عجلات سيارت المرتزقة .. تنام كل تلك الرقة أمام منظر فتاة يتم الاعتداء عليها من قبل وحوش بني البشر.. تنام كل تلك الرقة أمام اعدام شابين في عمر الزهور ، فأي دين وأية عقيدة ، وأية شريعة ، وأي مذهب .. بل أية وثنية يمكن أن تصمت أما تلك المناظر؟

إن ما يدفع البحرانيون إلى استرخاص أنفسهم يتجاوز كل التشخيصات والحذلقات السياسية … فاليأس في كثير من الأحيان يستولد الأمل من رماد الحياة ، ومن صميم الموت ذاته .. إن العرب والملالي وكل الذين قدموا أرواحهم في ساحات الوغي في البحرين ليسوا كارهين للحياة ، وليسوا عشاق موت ، فلديهم ما لدى البشر من أسباب البقاء ، لكن العدو الذي يقف كالسد بينهم وبين الحياة حول نفسه إلى مشروع موت ، يطارد كل حي وميت منهم ، إنما يقترح نفسه عدوا للحياة برمتها .. وهكذا يعيد شعبنا المعادلة التي تعرضت إلى تحوير فيما مضى إلى جذورها وهي إما الحياة وإما الموت .. إما التخلص من العبودية أو الاستشهاد .

عبر هذه الثنائية الحاسمة ضاعت كل الأبعاد الوهمية التي يصيغها المبشرون بإصلاح النظام .. إن سلاح الشهادة والدماء التي تعددت مستوياتها وتصاعدت أيضا ، هي الاستجابة الوحيدة الممكنة لتحد من هذا الطراز … فآل خليفة تعلن اليوم شعارها القديم المتجدد والمتجذر في عمق عقليتها القبلية ، وهو إبادة شعب كامل إذا تطلب الأمر!

ولكي لا يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى ، ولكي لا تأتي مجموعة من المشككين ليصدروا الفتاوى بحق الشهداء ، فتذبح أطفالنا وتنتهك أعراضنا من دون أن تكون لنا ردة فعل .. فإن الشهداء ضرورة .. وان الدماء ضرورة .. ولن ننجو من القتل إلا باستمرار الثورة حتى تحقق الأهداف التي من أجلها تساقط الشهداء وسالت الدماء.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك