الرئيسية - النشرة - الخبير الإقتصادي د. محمد حيدر لـ”مرآة الجزيرة”:  واشنطن تستغلّ التوترات في المنطقة وفشل السياسات السعودية سيولد المزيد من الأزمات 2/2

الخبير الإقتصادي د. محمد حيدر لـ”مرآة الجزيرة”:  واشنطن تستغلّ التوترات في المنطقة وفشل السياسات السعودية سيولد المزيد من الأزمات 2/2

بطرقٍ ملتوية تسعى واشنطن لتحقيق أكبر إستفادة ممكنة من الأزمات والتوتّرات الدائرة في المنطقة، إذ تحاول جاهدة ابتلاع أسواق النفط عبر اختلاق حواجز لأسواق الدول المصدّرة للنفط، فيما تفرض تعليماتها على دول الخليج للتحكم بأسعار النفط، والنتيجة، أنها أصبحت في مقدّمة الدول المنتجة للنفط لتتجاوز “السعودية” وروسيا، بالرغم من الصعوبات التي تواجهها شركات النفط الصخري، في المقابل تنعكس التوترات بشكل سلبي على الحليفة الرياض التي دخلت نفق الأزمات الإقتصادية والمالية الذي لا عودة منه، في ظل سياسات داخلية فاسدة وأخرى خارجية متهوّرة أنهكت خزينة الدولة ودخل المواطن. وفي هذا الإطار حاورت “مرآة الجزيرة” الخبير الإقتصادي اللبناني الدكتور محمد حيدر.

خاص مرآة الجزيرة

مع استمرار وتيرة التصعيد التي تنتهجها القوات اليمنية، يقول د. حيدر يبدو أن مصالح “السعودية” أصبحت معرّضة للخطر، الأمر الذي يدخل البلاد في مآزق إقتصادية وسياسية وأمنية، بالتالي يشرح الخبير الإقتصادي، عندما تزيد نسبة هذه المخاطر فمن الطبيعي أن يؤدّي ذلك إلى ارتفاع مؤشر القلق حول بيئة الإستثمار وزيادة التوتّر من قبل المستثمرين ما يمكن أن يؤدي إلى انعدام الثقة ببيئة الاستثمار السعودي.

ويضيف “في ظل استمرار الحرب التي تحمل في طيّاتها الكثير من المخاطر يمكن أن يؤدي إلى تراجع نسبة المستثمرين خصوصاً أولئك الذين يعتبرون أن خطّة محمد بن سلمان معرّضة للمخاطر أكثر من قبل، ففي حال استطاع الجيش اليمني واللجانالشعبية توتير أجواء بيئة الإستثمار في السعودية بالتزامن مع ضرب أهداف استراتيجيّة واقتصادية سيما النفطية منها، فإن المستثمر الأجنبي سيعيد حساباته وفقاً لتطوّر الأوضاع الأمنيّة وحالة عدم الاستقرار المرافقة لها وهذا يعني بشكل مباشرتهديد أكبر خطة استثمار وضعتها السعودية أي ما سُمّي برؤية محمد بن سلمان 20-30 وهو ما يبدّد آمال نجاح هذه الخطة في ظل هذه الظروف المضطربة”.

استفادة واشنطن من التوترات

إن التخبّطات التي تمر بها المنطقة، كما يورد الخبير اللبناني والتي تحدثها الولايات المتحدة الاميركية إلى جانب حدّة التوتر الذي تنتهجه حكومة البيت الأبيض بتطوير النزاع في منطقة الخليج وباقي دول المنطقة لا بد من الإشارة إلى أهمية الإستراتيجيات التي لا تخدم في نهاية المطاف إلا مصالح الولايات المتحدة نفسها وذلك للأسباب التالية:

“إن زيادة التوتّر في منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج تحديداً يهدف إلى عدم استقرار المنطقة وتزايد حدة الصراع الأمر الذي يدفع بأسعار النفط الى الإرتفاع واستفادة الولايات المتحدة الأميركية من هذا الاتجاه إذ أصبحت الولايات المتحدة الاميركيه الآن إحدى أكبر دول انتاج وتصدير النفط في العالم خصوصا بعد العام 2018 حيث أصبح إنتاجها يفوق كل من إنتاج السعوديه ورسيا اذ يقدربنحو 12 مليون برميل يومياً علماً أن إدارة الطاقة الأميركية تتستّر على هذا الكم إلا أن تقارير أميركية عدة تشير إلى استمرار وتيرة نمو إنتاج أميركا من النفط رغم الصعوبات التي تواجهها شركات النفط الصخري بفعل تراجع أسعار النفط العالمية”، بحسب الدكتور حيدر.

ويتابع “تستطيع الولاياتالمتحدة الأميركية الإستفادة من ارتفاع وتراجع أسعار النفط العالمية بشكل أفضل حتى من دول الأوبك التي تضم أكبر مصدّري النفط في العالم، ذلك أن ارتفاع أسعار النفط مترافقاً مع الحصار الإقتصادي على اثنين من أكبر دول العالم انتاجاً وتصديراً للنفط أي فنزويلا وإيران، يسمح للنفط الأميركي بإجتياح الأسواق دون الاهتمام بالكميات التي تصدرها وهذا ما يحقق لها عائدات عالية في هذه الحالة”. مضيفاً “وفي حال تراجعت أسعار النفط تنتهج الولايات المتحدة الاميركية اسلوب شراء النفط بأسعار رخيصة خصوصاً في ظل استمرار تراجع أسعار النفط منذ العام 2014 حيث تستخدم الولايات المتحدة الأميركية هذا الاسلوب لتستفيد من تراجع الاسعار لملء مخازنها الاحتياطية من النفط بأسعار رخيصة”.

الخبير الإقتصادي يلفت في هذا الإطار إلى أن الولايات المتحدة عمدت في السنوات السابقة إلى الحدّ من إنتاجها النفطي أثناء تراجع الأسعار لتعتمد بشكل أساسي في عمليات الشراء على الأسعار المنخفضة لتستفيد منها في أوقات الذروة حيث ترتفع الأسعار وتبيعها بهذه المستويات” موضحاً “لذلكنجد أن الولايات المتحدة هي أكثر المستفيدين من تقلّب الأسعار حتى الآن ذلك أنها عمدت في الآونة الأخيرة إلى فرض أسعار محدّدة وبكميات محدودة لدول الخليج عندما استاء الرئيس الاميركي ترامب من ارتفاع الأسعار ليبقيها على مستوى معين يمكنه وحده الاستفادة منها إذ أن ارتفاع الأسعار فوق مستويات محدّدة يمكن أن يصيب الولايات المتحدة واقتصادها بحالة من الركود رغم ارتفاع نسبة إنتاج النفط في الولايات المتحدة إلا أن المواطن الأميركي وقطاعات الصناعة لا يمكنها أن تتحمل أسعار عالية جداً للنفط مما يسبب ضرر بالغ لها في ظل بقاء السعر عالياً لفترات طويلة”.

زيادة الإنفاق وعجز الموازنة السعودية

وعن انعكاسات التردّيات المالية والأمنية على الواقع السعودي يبيّن د. حيدر أن “السعودية” تعاني من نقص في الأموال إذ أعلن مكتب إدارة القروض التابع لوزارة المال أن لدى السعودية النية بإقتراض أكثر من 30 مليار دولار من الأسواق لتمويل العجز الحاصل في الميزانية للعام 2019. ويلحظ أن كثير من الإجراءات التي اتخذتها السعودية في السنوات الماضية تهدف الى تحصيل أكثر كم من الأموال لجهة رفع الضرائب على السلعوالخدمات وملكية الأراضي ورسوم على عوائل العمال الأجانب وترويج برنامج الإقامات لرجال الأعمال والمستثمرين لقاء مبالغ طائلة”.

يؤكد المحلل اللبناني في معرض حديثه عن الأزمة الإقتصادية أن “السعودية” “بدأت تشعر بنقص الموارد المالية بسبب تراجع أسعار النفط خلال السنوات الأربع الأخيرة فضلاً عن الإجراءات التعسّفية التي قام بها ولي العهد محمد بن سلمان بحق عدد لا يستهان به من رجال الأعمال وأمراء كي يجمع منهم أكبر كم من ثرواتهم تحت ذريعة مكافحة الفساد واسترداد أموال الدولة التي نهبت من قبل هؤلاء المقبوض عليهم”. ويضيف “نتيجة لذلك استطاع محمد بن سلمان جمع أكثر من 140 مليار دولار لم يتسنَ لأحد التأكد فعلاً أنها دخلت خزانة الدولة أم لا، ما سبّب حالة امتعاض كبيرة وانتقادات واسعة في الشارع السعودي بعد إجراءات الإصلاحات المزعومة حيث قام مباشرة ولي العهد بشراء يخت يفوق ثمنه 400 مليون دولار بالإضافة الى لوحة فنية بقيمة 450 مليون دولار يعتقد أنها تعود الى الرسام العالمي ليوناردو دي فينشي والمعروفة بإسم المنقذ مما اضطر بعدها بن سلمان ليقول أنها هدية من السعودية الى متحف اللوفرفي دولة الإمارات كعربون وفاء من ولي العهد الى محمد بن زايد حاكم الإمارات”.

“تشير التقارير المالية إلى وصول الدين العام في نهاية العام 2018 الى اكثر من 150 مليار دولار كحد أدنى علماً أن النفقات التي بدأت تتراكم على السعودية خلال الأعوام الخمسة الماضية تشير إلى احتمال وصول الدين العام لأكثر من 200 مليار دولار في ظل استمرار تراجع أسعار النفط وارتفاع وتيرة التسلح مع استمرار استنزاف الحروب لمقدراتها المالية، بالإضافة إلى أن الرياض دفعت أكثر من 400 مليار دولار للولايات المتحدة الاميركية حتى الآن كصفقات يصنف معظمها في خانة التسلح والعقود ذات الصلة بالسلاح وتمويل عدد كبير من الفصائل الاسلامية التي انتشرت في دول عدة مثل اليمن وسوريا والعراق وليبيا وتونس”، بحسب الخبير اللبناني.

ينوّه الدكتور حيدر إلى تقرير نشرته وكالة رويترز عن الدين العام المترتب على السعودية، إذ بدا أنه في وتيرة تصاعدية ومرشّح للقفز فوق مستوى 250 مليار دولار حيث يقف الآن على حافة 212 مليار دولار على أقل تقدير أي بحدود 30% من الناتج المحلي، وفي حين يحاول مكتب إدارة الدين العام احتواء أزمة المديونية العامة على حد قوله الا أن استمرار الأزمة الماليةنتيجة تراجع واردات النفط يجعل من القضية مسألة صعبة الحل، ويذكر “أنه حتى نهاية العام الماضي بلغ معدل الفائدة على الديون الداخلية نحو 27%  بينما وصفت فيه إدارة الدين العام أن لدى السعوديه النية رفع قيمة الفائدة الثابتة لنحو 78% من مجمل محفظةالدين العام، وأضاف “ينقسم الدين العام في السعودية الى شريحتين الاولى منها تبلغ حوالي 45 % وهي قروض بالعملة المحلية بينما الشريحة الثانية والتي تبلغ 55% من الدين العام هي سندات بالدولار الامريكي”.

أزمات إقتصادية خانقة

وعند سؤاله عما إذا كانت “السعودية” قادرة على تجاوز تلك الأزمات، قال د. حيدر لايمكن “للسعوديه” أن “تحقق أي مزيد من الواردات المالية والحفاظ على مستوى الخدمات العامةوالأمن والاقتصاد والرعاية الإجتماعية يضاف إليها ما يتمتع به أفراد أسرة آل سعود غير المرئي، حتى يعود سعر برميل النفط الى مستوى 93 دولار على أدنى لتستطيع السلطات أن تغطي ثغرة الدين العام بشكل فاعل والحد من عمليات الإقتراض.

وفي ظل استمرار تراجع أسعار النفط، لا يوجد حالياً أي حلول أمام “السعودية” للتعويض عن النقصالحالي في الواردات إلا “عن طريق المزيد من الضرائب وايجاد طرق جديدة لجلب المزيد من الاستثمارات والاموال التي تحتاجها في المستقبل القريب لكن هذه السياسة أو أي استراتيجية جديدة يجب أن تلحظ بالدرجة الاولى هدر الأموال وخفض مستوى التسلح التي أصبحت السعودية بحاجة له أكثر من أي وقت مضى”، وفق الخبير الإقتصادي الذي اعتبر أن الحل الوحيد أمام “السعودية” اليوم هو “أن تتبع سياسة احتواء الازمات التي تمر بها خصوصاً التوسع الإنفاقي على التسلح ووقف الهدر في الموازنة العامة وتسرّب الأموال منها بحيث لا يستطيع من يدير المؤسسات أن يتحكم بها لتورط كبار المسوؤلين في تسرب هذه الاموال، بالتالي إعادة الحيوية الى الموازنة العامة من خلال وقف تسليح المجموعات المسلحة المتواجدة في عدد من الدول العربية والاهم من ذلك خروج المملكة من حرب اليمن التي شارفت على عاميها الخامس دونالوصول الي اي نتيجة ملحوظة”.

“لذلك يمكن القول أن استمرار هذه السياسة الخارجية للسعودية وفشلها الذريع لحد الآن لايمكن أن يسبب إلا إلا المزيد من الأزمات المالية بسبب تراجع أسعار النفط التي تعمل أميركا على لجمها ومنع ارتفاعها إضافة الى ذلك استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري والهدر المالي المصحوب بالفساد والذي لا يمكن أن يؤدي في نهاية الأمر إلا الى المزيد من التبعية الاقتصادية والسياسيةوتراجع زخم التنمية الاقتصاديه والاجتماعية ومزيد من الارهاق للمجتمع السعودي بشكل عام”، يختتم الخبير الإقتصادي د. محمد حيدر حديثه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك