الرئيسية - دراسات وبحوث - الحضارة الإمامية في الجزيرة العربية؛ المدينة والأحساء والقطيف كانت محط الرحال والآمال..

الحضارة الإمامية في الجزيرة العربية؛ المدينة والأحساء والقطيف كانت محط الرحال والآمال..

حسن السباعي

يجمع المرء ماله ليصبح مستطيعًا ثم يمخر البحار أو يقطع الفيافي قاصدًا الله و رسوله و مهابط الوحي ..

أم القرى و طيبة و ما حولهما، كل شبر فيهما وكل ركن في زواياهما يتخيل الزائر أفواج الملائكة والرسل تترا ..

نعم كانوا هنا حيث أقف أنا اليوم وَيَا لعذوبة الشعور والمشاعر..

صورة إيمانية روحانية تمزّقت وتهدّمت ثم تحوّلت إلى كتلة إسمنتية خرسانية كأنها لبلدٍ سياحي يضج بـ الرأسمالية والقشور.. جسد بلا روح له خوار ..اَي فندق تُرى سأسكن و كيف ستنتهي رحلة الحج والزيارة دون تعب ..

روحانية اندثرت مع اندثار التراث والآثار الإلهية.. وجميل أن نرى الكعبة مكانها رغم محاولات محو المستجار!

أما البقيع فقد ُطمس وما عاد يُفرّق بين قبر وآخر إلا بالتواصي أو الخرائط كـ بحّار يتبع النجوم ليعثر على الهدى في ظلمات الكون ..

كانت النجوم في مقبرة البقيع قبل قرابة القرن أمام مرأى الجميع كـ الشمس في رابعة النهار ثم كُوِّرت مع بداية الدولة الوهابية.. و في ذكرى الهدم الأليم للبقيع المقدّس قبل ستة و تسعين عامًا، نقف لـ نتسائل؛ هل كانت هذه العملية الإجرامية ضمن مخطط مدروس لل​فرقة الوهابية و مسبق قد دُبِّر بتزامنٍ مع خطة إنشاء دولتها أم بشكلٍ عفوي دون تخطيط مسبق؟

من خلال المعطيات و الشواهد الموجودة يتبين بوضوح أن أساس قيام الدولة الوهابية كان قد بُني على أنقاض البقيع و بقايا سائر الآثار التي هُدمت في مكة و المدينة، وعملية الهدم كانت الهدف الرئيسي من وراء إنشاء الدولة والهدم أيضا هو الغطاء الديني لقيامها هكذا، فـ أصحاب الدولة بـ الإضافة إلى أطماعهم المادية من خلال الاستيلاء على نفائس العتبات المقدّسة – كما تمت الإشارة إليه في مقالٍ سابق-، كانوا يتسمون بالجهل و العقلية البدوية التي ترى الأمور بـ عقلية قشرية و متدنية أو هكذا أرادوا ان يُظهروا أنفسهم ليعيثوا في آثار السماء الفساد..

بيد أنه نعم و بضرس قاطع يمكن القول إن الهدف الرئيسي من وراء إنشاء الدولة الوهابية هو استهداف الآثار المادية والروحية المرتبطة بأهل البيت النبوي الطاهر، و بـ عبارة أدق؛ استهداف الشيعة و التشيع. وفي حال كان المخطِط من دين آخر أو بلا دين فلا يخفى أنه كان يريد إشعال الفتنة في جزيرة العرب بين المسلمين فيها وطمس المعالم الدينية بسياسة مُخطط لها في كتب السّاسة لأمد بعيد.

و عودًا على بدء يُطرح هذا السؤال تُرى من ذا الذي أعطاهم الوصاية ليتدخلوا في الشؤون التعبّدية لغيرهم و يفرضوا على الناس نمط خاص من عقائدهم، و الذي يعتبر نوع من “التطفل الاجتماعي حسب تعبير علم الاجتماع بل يُعد من أسوأ مظاهر التخلّف الثقافي.. حيث يظن أصحابها أنهم أوصياء على بعضهم بعضًا، أو أصحاب قوامة اجتماعية على غيرهم، فيستبيحون خصوصياتهم، و يخوضون في حياتهم الخاصة”. (١)

ربما لا يوجد نص رسمي يصرِّح عن هدف القضاء على التشيع لأهل البيت و بث الفتن في المجتمع العربي والإسلامي من وراء إقامة الدولة الوهابية، و لكن الدلالات تصرخ مصرحة بهذا الأمر؛ و في هذا الصدد يصرّح الباحث السعودي الدكتور خالد الدخيل أستاذ العلوم السياسة بجامعة الملك سعود في رسالته الدكتوراة عن نشأة الدولة السعودية؛ إن الشرك لم يكن متفشيًا في نجد قبل ظهور الحركة الوهابية ليُجعل من محاربته العامل من وراء ظهور الحركة، فـ ما الذي أوجده؟

و يرد على هذا التساؤل بسؤالٍ آخر: ” في الأدبيات الوهابية كلها تقريبًا يُستخدم مصطلح الشرك بشكلٍ يغلب عليه طابع التعميم من دون توضيح للمقصود بذلك، و أي منه كان منتشرًا في نجد قبل ظهور الحركة؟”، (٢) و هذا يعني أن الحركة الوهابية لم تأتِ لفرض أي تغيير في المجتمع النجدي ذو الصبغة الحنبلية، إذن فـ من كان مخاطَبها؟.

و هنا يجيب الباحث السعودي حينما يقسِّم (الشرك) إلى نوعين: شرك يسميه (الشرك المؤسساتي)، و آخر ينعته بـ (الشرك الثقافي) ؛ “أما الأول حسب رؤيته فهو نوع من الدين الشعبي في إطار مؤسسات دينية مثل القباب التي عادة ما تُقام على قبور الأنبياء و الأولياء و الصالحين، أو المقامات و المزارات، و في الغالب فإن هذا النوع مرتبط بـ مرجعية أو مرجعيات دينية و فقهية معروفة، و مثال على ذلك هو الدين القائم في النجف في العراق بـ رموزه و مؤسساته و مزاراته الدينية و بمواسمه السنوية.

أما المستوى الثاني: (الشرك الثقافي) فـ قوامه مجموعة من المعتقدات الدينية الشائعة داخل المجتمع، و هذا النوع ليس مرتبط بـ فكرة المؤسسة، و إنما يأخذ شكل الممارسة الشائعة داخل المجتمع على أساس فردي، و هو غير مرتبط بـ مرجعية دينية.. و هنا لابد من الإشارة إلى أنه حينما يرد مصطلح (الشرك) من دون تحديد فإن المقصود من ذلك هو (الشرك المؤسساتي) و ليس (الشرك الثقافي)”. (٣)

من خلال هذا التقسيم يبدو جليًا ان المقصود بهذا النعت هو التشيع و أتباع المدرسة الإمامية مدرسة أهل البيت، و ذلك ع
ن طريق التلاعب بـ الكلمات و المغالطة بها، فطرحت مفردة (الشرك) و هي أسهل وأعظم المفردات التي أطلقت من جماعة تَتصِف بـالجهل المركّب، حيث لا يوجد وازع أو باعث للطرح بأسلوبٍ علمي و مهذَّب.

و بناء على ذلك فإنه في مقام الرد على فِرية (الشرك) لا حاجة بنا لبذل أي جهد على من لا يميز الفرق بين من يجعل شريكًا لله، و بين من يعظِّم شعائر الله.

و يضيف الباحث: ” إن المجتمع النجدي كان مجتمعًا حنبلي الهوى، و لم يكن في ثقافته اَي تيار من التيارات الإسلامية التي يمكن أن تتسع رؤاها بشكلٍ من أشكال ما يعتبر شركًا، مثل الصوفية أو أحد فرق الشيعة” (٤) و هنا بيت القصيد؛ حيث أوصلنا الباحث من هذا السرد إلى نتيجة أن الحركة الوهابية جاءت خصيصًا لاستهداف التشيع كـ خلاصة في لحن القول.. و كل المفردات و العناوين البرّاقة و غير البرّاقة كـ الإصلاح و التوحيد و ما شابه ذلك ليست إلا تمهيدًا لشنّ الحرب على أتباع المدرسة النبوية و العلوية، و بما أن المجتمع النجدي لم يكن ليعظِّم شعائر الله فكان لابد من التوجه إلى عاصمة التراث النبوي و التشيع في الجزيرة العربية و هي المدينة المنورة لتنفيذ جريمة العصر المتمثل في هدم البقيع المقدّس.

و من خلال الوثائق التأريخية يتجلّى بوضوح ان صبغة المدينة المنورة كانت صبغة شيعية إمامية. و في هذا الصدد يقول الرحالة و المستشرق الألماني “هيرمان بورخارت عن مشاهداته في المدينة: ” إن أكثرية سكّان المدينة هم من الغرباء الذين تجذبهم قدسية البلد إليها من جميع أنحاء العالم الإسلامي، و على هذا فهناك فيها جاليات من كل بلد إسلامي تقريبًا.. أما السكّان الأصليون فهم من نسل الأنصار الذين كانوا يسكنون المدينة عندما هاجر نبي الإسلام إليها سنة ٦٢٢ للميلاد.. و معروف أن بقايا الأنصار القدماء هم من الشيعة.. كما أن قبيلة كبيرة من الشرفاء الحسينية يسكنون المدينة و هم المنحدرون من نسل الحسين حفيد الرسول.. و تعيش في البادية من جهة الشرق قبيلة بدوية بكاملها يسمى أفرادها “بني علي”، و هؤلاء كلهم من الشيعة.. أما العرب الفلاحين و الذين يسمون “النخاولة” و هم الذين كانوا يفلحون في بساتين الإمام الحسن فهم من الشيعة أيضًا.. و لذلك فإنهم قاوموا الوهابيين حينما احتلوا المدينة مقاومةً عنيفة.. “. (٥)

و بعد أن استولى الوهابيون على مدينة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كانت لا تزال الصبغة و الثقافة الشيعية بارزة في وعيها و حضارتها، و في هذا الصدد يقول الرحالة رتر: ” حينما كان المزوِّر – و هو المرشد الذي يصاحب الزوار في الحرم النبوي الشريف- يقرأ الزيارة، و قبل أن يبدأ في قرائتها، يخبر الزائر همسًا بأنه سيزور القبر المقدّس على طريقة المسلمين الذين يحبّون رسول الله، فعلمت أنه يجازف في هذه الزيارة لأنه ربما يتعرّض للإهانة و العنف من الوهابيين الذين استولوا على المدينة مؤخرًا”. (٦)

و أما من الناحية العلمية و النخبوية فكانت لـ مدينة النبي الكريم صلى الله عليه وآله مدرسة كبرى لتخريج العلماء و الفقهاء وفقًا للمدرسة الشيعية الإمامية و ذلك بسبب إقامة جميع أئمة أهل البيت عليهم السلام فيها ، ما عدا من اضطر منهم للخروج بسبب النفي و إجبار السلطات، و قد كانت حتى العهد القريب تحوي المدارس و المكتبات الغنية بـ تراث أهل البيت عليهم السلام ، إلا أنها أُحرقت في أوائل العهد السعودي . (٧)

و قد توسعت المدرسة الإمامية في نفوذها لتنتشر في سائر مناطق الجزيرة العربية من تلك الحاضرة المقدّسة، فأصبحت منطقة الهجر و الأحساء بـ مدنها المعروفة؛ الهفوف و المبرز و العمران و العيون، و كذلك شرق الجزيرة العربية المعروفة بـ القطيف و أهم مدنها صفوى و العوامية و الأوجام و القديح. و قد تخرّج من مدنها و قُراها عدد كبير من أعلام الإمامية ممن كان لهم الدور و الأثر الكبير في الحركة العلمية، و كان أبناء المذهب من جميع مناطق العالم يرجعون إليهم في الفتاوي و الأحكام، و ذلك قبل انتقال المرجعية إلى العراق و إيران. (٨)

من هنا و بناءًا على ما سبق ؛ فإن مدينة النبي العظيم صلّى الله عليه و آله، كانت و لا تزال حضارة دينية إسلامية علوية إمامية ، و ما التدمير الإجرامي لمقبرة البقيع الذي تمّ في الثامن من شوال لعام ١٣٤٤ هـ إلا لاغتصاب هذه الأرض المقدّسة من يد الأمة وطمس مهابط الوحي فيها وحجب دلالاتها و اشعاعاتها عن العالم الإسلامي والإنسانية ، لكن هذه المقدسات ستبنى يومًا و تعود إلى أمتها ورمزيتها وحضارتها بنهاية صحوة الإرهاب والإبادة والأحادية ، و إن رُكبت أعجاز الإبل و إن طال السُرى..

الهوامش

(١) سامح فوزي؛ “خليك في حالك”، صحيفة الشروق بتاريخ ٤ يونيو ٢٠١٩
(٢) خالد الدخيل؛ الوهابية بين الشرك و تصدع القبيلة، صص ١٥٢- ١٥٤
(٣) نفس المصدر.
(٤) نفس المصدر.
(٥) جعفر الخليلي؛ موسوعة العتبات المقدسة، قسم المدينة المنورة، ج٣، صص ٢٥٦- ٢٥٧
(٦) نفس المصدر، ص ٣٢٢
(٧) نفس المصدر، ص ٣٢٧ عن The Holy Cities of Arabia.
(٨) الفقيه المحقق محمد صادق الكرباسي؛ موسوعة دائرة المعارف الحسينية، الحسين و التشريع الإسلامي، ج٣، صص ١٩٩- ٢٠٣

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك