الرئيسية - النشرة - الناشطة نسيمة السادة 9 أشهر في السجن الإنفرادي..انتهاك قانوني ومعاناة عائلية!

الناشطة نسيمة السادة 9 أشهر في السجن الإنفرادي..انتهاك قانوني ومعاناة عائلية!

“من جنس بني آدم أبحث عن الكرامة”، بهذه العبارة تعرّف الناشطة الحقوقية نسيمة السادة عن نفسها عبر موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، وتغرّد في سرب التهيئة والعمل الاجتماعي الساعي للنهوض بالمجتمع إلى مستوى أعلى والتخلص من المشكلات الاجتماعية التي تعانيها الفئات الاجتماعية بمختلف انتماءاتها، غير أن هذا النشاط يجعل من عرش محمد بن سلمان على صفيح ساخن، يدفع بالسلطة لإحراق كل شيء، وينتهك كافة الأعراف والقوانين الدولية والمحلية والشُرَع والمواثيق الدينية والموضوعة، عبر الزج بالنشطاء خلف القضبان من دون ذنب، بل تحقيقاً لنشوة الاستبداد المتجذرة في نفوس سلطات آل سعود.

مرآة الجزيرة

منذ نحو تسعة أشهر، تقبع الناشطة نسيمة السادة خلف زنازين السلطات السعودية في غرفة العزل الإنفرادي ولا تزال؛ انفرادي يحمل بطياته شتى ألوان الانتهاكات التي تمارسها عناصر السلطة بحق المعتقلين غير آبهة بأنهم نساء أم رجال، صغارا كانوا أم كبارا. وتتبلور الصورة القاتمة للعزل الانفرادي بانعكاساتها السلبية على وضع المعتقلين وأهاليهم أيضاً.

في 31 يوليو 2018، أقدمت السلطات السعودية على اعتقال الناشطة والكاتبة نسيمة السادة، ابنة مدينة صفوى الواقعة شمال محافظة القطيف، من دون ذنب اقترفته ومن دون اتهام يوجه لها وأيضاً دونما مذكرة قانونية، واستتبعت اعتقالها من غير أن يتم عرضها على المحكمة، فيما يبدو أنه انتقاماً واضحاً وفاضحاً من نشاطها الحقوقي والاجتماعي والثقافي الذي أرّق السلطات، حتى داخل محبسها، ليدفع بالسلطة للانتقام من السيدة نسيمة عبر زجها في السجن الانفرادي، بصورة متتالية.

في سجن مباحث الدمام ترزح الناشطة نسيمة السادة، في الزنازين المعتمة والخانقة التي تكشف نتانة الأوضاع المأساوية خلف السجون السعودية، يروي الناشط موسى السادة ابن المعتقلة نسيمة المقيم في الخارج، في حديث مع “مرآة الجزيرة”، أوضاع المعاناة القاسية التي تعيشها والدته بسبب العزل الإنفرادي، ويؤكد أن والدته “منهكة جراء ما تتعرض له خلف تلك القضبان، على الرغم من أنها لم تفصح عما جرى معها لمن زاروها من عائلتها، مشيراً إلى أنها تعرضت للسجن الإنفرادي منذ بداية اعتقالها من أغسطس وحتى ديسمبر 2018.

نهايات ديسمبر2018 خرجت نسيمة إلى “العنبر العام”، حيث اجتمعت مع ناشطات أخريات بينهن الناشطة المعتقلة إسراء الغمغام ونعيمة المطرود وأخريات، حيث استتبعت نشاطها الاجتماعي خلف القضبان وعملت على برامج ودورات اجتماعية وتربوية تثقيفية بهدف رفع معنويات الناشطات المعتقلات، الأمر الذي أرعب السلطات ودفعها إلى عزلها بشكل إنفرادي مرة أخرى، وفق ما يكشف مصدر أهلي خاص في رسالة إلى “مرآة الجزيرة”.

الناشط موسى السادة، الابن البكر للمعتقلة الحقوقية نسيمة السادة

الناشط موسى السادة، يوضح أنه بعد أقل من شهر من عودة والدته إلى السجن الجماعي، أعادتها السلطات إلى العزل الإنفرادي في يناير 2019 وهي لا تزال موجودة هناك، مبيناً أن هناك أثر كبير لغياب الوالدة عن العائلة، فقد كانت هي مْنْ تعيل الأسرة وترعى شؤونها، خاصة وأن لديها أبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة بحاجة ماسة إلى وجودها بجانبهم، ويقول إن “ابنها مصطفى(16 سنة) إلى اليوم لا يعلم لماذا أمه معتقلة، ويريد لها أن تخرج قبل موعد عمليته الجراحية من أجل زراعة “القوقعة السمعية”؛ كذلك ابنتها علوية (24 سنة) فهي تتحضر للتقديم لدراستها ووالدتها السيدة نسيمة هي من تساعدها في هذه الأمور كونها لا تملك اللغة أو المقدرة على التواصل على الهاتف”، مضيفا “الأخوين ضعيفي سمع فحتى مع الاتصالات الأسبوعية لنسيمة لا يتمكنوا من فهم بعضهم البعض كون أخوتي لا يتمكنوا من سماع صوت والدتهم بوضوح”.

وبكثير من الصبر والقوة والحزن وألم الفراق، يستذكر النجل الأكبر لنسيمة العلاقة بينه وبين والدته ويقول “علاقتي مع أمي ليست علاقة تقليدية بين أم وابنها، نحن أصدقاء حتى في طبيعة الألفاظ والصراحة اللامحدودة”، وبابتسامة ملؤها الحنين، يضيف “كانت تقول لي أنها تتذكرني دائما خاصة في العنبر الجماعي عندما كانت تستمع إلى القصائد العراقية”. يتابع الابن الأكبر للناشطة المعتقلة بالتأكيد على أن المحاولات جارية من أجل العمل على طلب الإفراج لها ولو مؤقتا كحال بقية الناشطات.

نسيمة ركيزة الحركة النسوية

على صعيد قانوني، يتحدث الناشط الحقوقي المحامي طه الحاجي لـ”مرآة الجزيرة” عن واقع حال نسيمة السادة، ويبين أن اعتقالها جاء ضمن سلسلة اعتقالات استهدفت النساء الناشطات المدافعات عن حقوق الانسان. وهذا استهداف كان مخطط له ومبرمج، بسبب تنامي الحركة النسائية وازدياد قوتها وهو سبب رئيسي في الاعتقال، حيث أن استمرار وتنامي الحركة بقوة ونفس واحد، وحصولها على تكوين حاضنة شعبية، ونشر الوعي بين مختلف أطياف المجتمع، تسبب بأرق حقيقي ومشكلة للسلطة، لأن الحركة النسوية كان لها ارتدادت خارجية”. ويلفت إلى أن “نسيمة إحدى ركائز هذه الحركة، وهي تتميز في النشاط النسوي والتوعوي والتدريب، والدفاع عن ذوي الاحتياجات الخاصة، بالإضافة إلى مطالبتها بالمساواة والعدالة والدفاع عن الأقليات، وهي ترصد وتوثق الانتهاكات والتجاوزات التي ترتكب بحق عموم المواطنين”.

الناشط الحقوقي المحامي طه الحاجي

يقول الحاجي إن نسيمة نشطت في عدة مجالات، لم تحصر نفسها في نسوية أو أقليه، وكانت تتحرك في دائرة واسعة شاملة ولها نشاط إعلامي قوي، كانت تتواصل مع المنظمات الحقوقية بشكل دوري، وكان عمالها يمتاز بالفعالية والحيوية سواء عبر حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي أوعلى الأرض، معتبراً أن اعتقالها كان لكسر إرداتها وقوتها وإضعاف الحركة النسوية بصفة عامة، منبها إلى أن “الاعتقال شابه كل أنواع الانتهاكات والتجاوزات ومخالفة القوانين، وكان من غير أي مسبقات إلا المنع من السفر، ثم كانت المفاجأة بالاقتحام والمداهمة في وقت متأخر من الليل وتفتيش البيوت وترويع الأهالي، دون إبراز أي إذن من الجهات المختصة”.

وعن مسار الانتهاكات التي تتعرض لها الناشطة السادة، يوضح المحامي الحاجي أنها “نقلت إلى سجن المباحث، وإلى زنزانة إنفرادية لمدة طويلة ولم يسمح لها بالتواصل مع أحد من عائلتها، كما لم يسمح لها بتوكيل محامي وحضور محامي لها في فترة التحقيقات ولا أحد يعلم ماذا حصل لها خلال هذه المدة”، ويضيف “فتحت لها الزيارة بعد نحو أربعة أشهر، ورأتها عائلتها، لكن نسيمة يبدو أنها حريصة على مشاعر العائلة، فلم تخبرهم ماذا جرى وما المعاملة التي تعرضت لها في تلك المدة”. ويتابع “أن سجنها انتهاك بحد ذاته، وبقائها نحو سنة دون إحالتها إلى المحكمة هو مخالفة صريحة لمعايير المحاكمة العادلة، ثم نقلت إلى سجن انفرادي مرة جديدة، هو إجراء غير مفهوم، لأنه في العادة الإنفرادي يكون في الفترة الأولى من السجن خلال فترة التحقيق”، متسائلا “لماذا تستثنى من المحاكمة مع زميلاتها الناشطات، ولماذا استثنيت من الإفراج المؤقت.. ويستطرد: بعض المقربين من الحكومة يقولون إن سبب عدم الإفراج عن لجين الهذلول هو تصعيد عائلتها؛ ولكن نسيمة وأسرتها لم تُصعد والتزموا الصمت حتى نُسيت نسيمة ولم تذكر، وهي لا تزال في الإنفرادي، ولم تُحاكم ولم تُوجه لها اتهامات ولا أحد يعلم عن وضعها الصحي، ولم يُعرف إذا ما تعرضت للتعذيب”. يؤكد الحاجي أن هناك سلسلة كبيرة من الانتهاكات ومخالفة القوانين الداخلية والدولية وتطاول سافر على القوانين وحرمة الإنسان، كذلك هناك صمت غير مبرر حيال وضع نسيمة، حيث لم يصدر أي بيان يوضح سبب التأخير وبقائها حتى الآن في العزل الإنفرادي”.

رئيس المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الانسان علي الدبيسي

حقوقياً، يشدد رئيس المنظمة “الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان” علي الدبيسي في مداخلة مع “مرآة الجزيرة” على أن السلطات السعودية باعتقالها لنسيمة السادة ترتكب مخالفة للقوانين المحلية والتعهدات الدولية التي تنضم لها السعودية، قائلا: “الاشكالية هي أن السعودية تسمح لنفسها بأن تقوم بكثير من التجاوزات للقوانين بموجب قانون مكافحة الإرهاب، فالقوانين المحلية لاتسمح بتأخير المحاكمات عن 6 أشهر إلا بقرار قضائي، لكن المعتقلة نسيمة السادة تجاوزت هذه المدة”، ويضيف أن السلطات تتذرع بالقانون وتبرر أن القانون يسمح لها بأن تكون المدة مفتوحة. ويؤكد أن اعتقال نسيمة هو تجاوز للقوانين، والتحقيقات حصلت من دون وجود محامين، والرياض بتعاملها مع قضية الناشطة السادة لم تلتزم بأبسط القوانين، ومارست بحقها أكبر شكل من أشكال الانتهاكات عبر وضعها في الانفرادي.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك