الرئيسية - النشرة - يوم القدس العالمي يُحيي فلسطين التي في وعي الشعوب

يوم القدس العالمي يُحيي فلسطين التي في وعي الشعوب

منذ أن بدأت الساعات الأولى ليوم القدس العالمي، حتى تدفّقت الجموع الوالهة نحو مراسم إحياء القضيّة العظمى لدى المسلمين وأحرار العالم عامةً، أكثر من 80 دولة إسلامية وغير إسلامية أحيت هذا اليوم من بينها اندونيسيا، ماليزيا، إيران، العراق، اليمن، سوريا، لبنان، تركيا، الهند، باكستان، الولايات المتحدة وأستراليا وغيرها الكثير في رسالة واضحة من الشعوب المناهضة للسياسات الأمريكية والصهيونية مفادها أننا “لن نتخلى عن فلسطين”.

زينب فرحات – خاص مرآة الجزيرة

لم يكن يوم القدس العالمي لهذا العام عادياً، إنما يختلف عن سابقيه على مستوى الحضور في الساحات والإصرار الكبير على استعادة كافة الأراضي المحتلة من العدو. قضيّة فلسطين هذا العام تعني الكثير للشعوب الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، هذا لا يعني أنها لم تكن كذلك من قبل، بل إنها اليوم تتصدّر اهتمامات الشعوب أكثر من أي وقت مضى. ذلك أن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة بالوكالة طيلة السنوات الماضية حفاظاً على أمن الكيان الصهيوني حُصرت اليوم في حرب واحدة.  

بالتزامن مع احتدام الصراع الأميركي – الإيراني على ساحل الخليج الفارسي، وتشظّي الأمن السعودي على أيدي القوّات اليمنيّة، جاء يوم القدس على مقربةٍ من موعد انعقاد مؤتمر المنامة، وبطبيعة الحال كان هذا اليوم فرصة ذهبية اغتنمتها شعوب محور المقاومة لتأكيد الثبات على دعم القضية الفلسطينية وتزايد حضورها في الوجدان بالرغم من كل المؤامرات والحروب التي تكبّدتها دول هذا المحور نتيجة ولائها للقضية الفلسطينية الجامعة. حرب اليوم ليست كسابقاتها، إذ أنها كشفت القناع عن أنياب واشنطن التي تقضُّ مضاجع كل من حاول الإقتراب من فلسطين. حرب اليوم بإختصار، تشتعل بين فريق مع فلسطين وآخر ضدها.

وسط تعالي الأصوات الأمريكية تحضيراً لما يسمى بـ”صفقة القرن”، انهمكت الشعوب العربية بتنظيم المسيرات والفعاليات في تأكيدها على مكانة فلسطين الشعبية بالعالم العربي في حين انشغلت الأنظمة العربية بكيفية حماية السعودية من صواريخ أنصار الله (الحوثيين) فيما انعمت أعينها عن رؤية مئات آلاف الضحايا المدنيين الذين يسقطون كل يوم جراء غارات الطيران السعودي، وأيضاً انشغلت تلك الدول بإستفراغ الرهاب الإيراني على طاولة قمم مكّة الثلاث التي لم تنل قضيّة فلسطين منها أكثر من سطور قليلة سقطت سهواً في بياناتها الختاميّة.

يحسم قادة محور المقاومة أمر سقوط ورقة “صفقة القرن”، طبعاً هذا الكلام لم يُبنَ على تنبؤات إنما على واقع الضعف الأميركي في هذا الملف، واشنطن وعلى طريقة مسرحية اجتياح العراق عام 2003 تتعامل مع إيران ولبنان، إذ تتذرّع بإحباط تنامي برامج صناعة قنبلة نووية في البلد الأول لتبرير هجومها عليه، بالرغم من الشهادات الرسمية التي أصدرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعدم إنتاج طهران لصناعات نووية، فيما تزعم وجود مصانع أسلحة دقيقة في البلد الثاني لشدّ الخناق على حزب الله، وذلك في الوقت الذي يصنع فيه الكيان الإسرائيلي أسلحة نووية وكيماوية بصورة طبيعية جداً.

ما يجدر الإلتفات له أيضاً في خضم الحديث عن الصفقة المشؤومة، هي أنها لا تصب في مصلحة غالبية الدول العربية والإسلامية أولها الأردن الذي يخشى تحويل أراضيه إلى مخيمات فلسطينية، إلى جانب سوريا والعراق وإيران واليمن الدول التي ترفض هذا المشروع رفضاً قاطعاً، وكذلك الحكومة اللبنانية التي وإن تناغم موقف رئيسها مع بيانات قمم مكة لكنها تعارض “صفقة القرن” بشدة نتيجة حرصها على تحديد مصير مليون ونصف لاجئ فلسطيني وأكثر من مليون ونصف نازح سوري بالإضافة لرغبتها في حسم موضوع الحدود البرية والبحرية مع الكيان الإسرائيلي. وأيضاً تلقى هذه الصفقة رفضاً وتجاهلاً من قطر وبرودة من الجانب الكويتي، وإجماع فلسطيني تام على رفضها وإسقاطها. ما يثبت عجز السياسات الأمريكية بشكل كامل منذ سنة حتى الآن بإستدراج مؤيدين جدد. أي أن المؤيدين منذ البداية أمثال السعودية والإمارات والبحرين لا يزالون على ذات الموقف دون تحقيق أي جديد في الأدوار الموكلة إليهم على المستوى الديبلوماسي أو الشعبي.

هذا بالنسبة لواقع الدول العربية، لكن ماذا عن أميركا نفسها التي تتشدّق بإعلان صفقة العار في كل فرصة متاحة؟ لا بد من إيضاح نقطة هنا هي أن الولايات المتحدة اليوم لا تشبه أبداً تلك التي كانت بالأمس بمعزل عن ضغوطات محور المقاومة الذي تضافرت قوته العسكرية حتى بلغت أضعاف ما كانت عليه في السابق. في المقابل تبدو أميركا كجبل جليد يذوب في المحيط، أزمات إقتصادية مخيفة، إرتفاع عدد المهمشين الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى نحو 40 مليون فرد في مختلف أنحاء الولايات المتحدة. ناهيك عن ولوج المارد الصيني إلى المنطقة لعقد صفقات إقتصادية وتجارية مليارية ما يعد دليلاً بارزاً على ترهّل دور الإقتصاد الأمريكي. فضلاً عن الصراعات الحادة التي تخوضها واشنطن على مدار الوقت مع دول حاضرة بقوّة في المنطقة كإيران، روسيا وكوريا الشمالية وفشل في تحقيق أي تقدم يذكر في الحرب التي تقودها السعودية بالوكالة أي حرب اليمن.

لقد ظنّت واشنطن أن الشعوب العربية لم تعد متحمسة للقضية الفلسطينية، بعد أن تهشّمت مجتمعاتها نتيجة الربيع العربي الذي تحوّل إلى شتاء عاصف بالتطرف والارهاب دون أن يرتد الأمر إيجاباً لا على الشعوب العربية ولا على أميركا نفسها التي رعت ودعمت التنظيمات الإرهابية في المنطقة، وبالتالي عمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيجاد خطة بديلة عن السياسات الأمريكية السابقة في الشرق الأوشط تمثلت في طرح “صفقة القرن” الهادفة إلى إعدام القضيّة الفلسطينية دولةً وشعباً ولاجئين، لضمان أمنِ الكيان الإسرائيلي بالمطلق بيد أن وعي الشعوب العربية والإسلامية غيّر المعادلة وأحبط المخططات الأمريكية بإظهار مدى حضور القضية الفلسطينية في الوعي الجماهيري، وهو ما سيجبر ترامب على مراجعة حساباته مجدداً، إما الخروج من المنطقة بصمت أو بعد حرب طاحنة ستزيل ما يسمى بـ”إسرائيل”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك