كُرة الإعدامات السعودية تتضخّم: الـ2019 عاماً دموياً بإمتياز

زينب فرحات ــ خاص مرآة الجزيرة

هو سيفُ الإعدام السعودي الذي أدمى قلوب الثكالى قهراً وظلماً رغم الوعود المزيّفة بإعادة النظر في ظاهرة الإعدام التعسّفي في البلاد. 33 شاباً رافضاً للظلم ومطالباً بالإصلاح، طالتهم يد الغدر السعودي بذريعة الإنتماء للإرهاب وتأسيس خلايا إرهابيّة، لكن جلّادهم يعلم جيداً أن لا صلة لهؤلاء الضحايا بكل ما قيل فيهم وأن ذنبهم الوحيد هو قولهم لكلمة حق في محضر سلطانٍ جائر.

حكاية معتقلي الرأي في “السعودية” تعود لتاريخ إنشاء النظام القائم على أحاديّة الفكر والرؤية، لكنها ازدادت سوءاً عبر الزمن، ولا تزال السلطات بمؤازرة القضاء المسيّس تقتصّ من النشطاء وذوي الرأي بأقسى أساليب القهر التي لا سقفاً سعودياً لها. ففي عام 2008 تم إنشاء المحكمة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب، وقد زُعم حينها أنها مخصصة للمعتقلين الذين يواجهون تهم إرهاب، إلا أنها إستُخدمت بشكل متزايد ضد المعتقلين السياسيين مثل المدافعين عن حقوق الإنسان ومتظاهرين وصحفيين وأطفال.

القضاء السعودي المسيّس

ينصّ قانون السوابق القضائيّة لحقوق الإنسان على أن أي حكم ينشأ عن محاكمة جائرة يُعتبر باطل وغير قانوني، في المقابل تجمع المنظمات الحقوقيّة على أن محاكمات المحكمة الجزائية المتخصصة لا تتطابق مع المعايير الدولية لعدالة المحاكمات، بسبب سريّة المحاكمات وعدم السماح بالحصول على محامٍ وأخذ الإعترافات بسطوة التعذيب والتهديد.

عدم استقلاليّة القضاء السعودي وتبعيّته بشكل مباشر للمسؤولين، أدّى كذلك إلى توسيع أنواع الضحايا الذين تتم معاقبتهم دون أن يتمكنوا من الإعتراض على أساس المحاكمة، وهذا ما جعل “المحكمة محرقة لكل من تريد الحكومة معاقبته، وجهاز لتخويف المجتمع المدني” بحسب تعبير المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان التي أكدت أن “النظام القضائي ككل إلى جانب المحاكم خاضع لسيطرة الحكومة، كما أن البنية الأساسية للنظام القضائي يقوضها مرسوم ملكي ينص على أنه يجب على النيابة العامة أن ترفع تقاريرها مباشرة إلى الملك بغرض مراقبة العدالة وحماية المجتمع وهذا ما يقوض إستقلاليتها”.

القوانين الإرهابيّة

أما عن القوانين المحليّة هي الأخرى أداةٌ أساسية للإعتقالات التعسفية بإسم القانون، فقد سُنّ عام 2007 قانون الجرائم الإلكترونية، الذي يمنح السلطات الحق في معاقبة كل من يتعامل مع الأجهزة الإلكترونية أو وسائط التخزين أو شبكات التواصل الإجتماعي، بالسجن لمدة تصل إلى 6 سنوات، بالإضافة إلى غرامة مالية تصل لـ500000 ريال. كما يسمح قانون مكافحة الإرهاب الذي صدر في 2014 بتوسيع دائرة التجريم بإعتبار أن إنتقاد الملك أو ولي عهده عملاً إرهابيأ.

تُستخدم الأحكام التعزيريّة في “السعودية” لإصدار أحكام متحيّزة، ويعني الحكم التعزيري أن للقاضي الحق المطلق بإصدار العقوبة التي يراها مناسبة وفقاً لرؤيته وتقديره الشخصي، ما يتيح مجالاً واسعاً للتسييس والتحيّز، هذا ورصد حقوقيون إصدار أحكام مختلفة لنفس التهم، إذ قد تؤدّي ذات التهم إلى الحكم بالإعدام وقد تؤدي للسجن.

جرائم الإعدام في صعود

انطلاقاً من المقوّمات القضائيّة والقانونيّة تزداد وتيرة القمع في “السعودية” عام بعد عام، بالرغم من الإنتقادات الدولية والحقوقية وبالرغم من الوعود التي أطلقها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بنفسه حول تخفيض أحكام الإعدام، ليكون عام 2019 الحالي دموياً بإمتياز، ذلك أن أحكام القتل المنفّذة في “السعودية” منذ بداية العام الحالي حتى لحظة كتابة هذا التقرير بلغت 107 إعداماً، من بينهم أطفالاً ونساءً ومتظاهرين ونشطاء ومعاق، وأفراداً ذوي خلفيات متنوّعة الأمر الذي يبيّن تضاعف الأحكام المنفّذة عن نفس الفترة مقارنةً بالسنوات الماضية، حيث نفّذت السلطات السعودية 48 حكماً بالقتل خلال ذات الفترة في 2018، فيما نفّذت 33 حكماً خلال العام 2017، ونفّذت 86 حكماً في 2016، و68 حكماً عام 2015.

تعدّ معدلات تنفيذ الإعدام الواقعة بين 2015 – 2018 الأعلى في “السعودية” منذ تسعينات القرن الماضي، بعد أن بلغت ذرورتها عام 2015 مع 157 إعداماً، عدا عن وجود مخاوف من أن معدلات التنفيذ الفعلية أكبر من الأرقام المعلنة لإن الرياض لا تعلن رسمياً عن كافة الأحكام المنفّذة، وفقاً لإحصائيات المنظمة الأوروبية السعودية، التي وجدت أن البلاد تمر بأكثر الفترات قمعاً في ظل حكم سلمان بن عبد العزيز وولي عهده.

وبالنسبة للشهداء الـ33 الذين أُعدموا مؤخراً على خلفيّة نشاطهم الإجتماعي والسياسي، تؤكد المنظمة الحقوقية أنهم لم يواجهوا تهماً من الأشد خطورة، بل إن بين التهم ما يتعلق بممارسة حقوق مشروعة، ما يجعل قرابة 70% من أحكام القتل المنفّذة منذ بداية العام 2019 تتعارض مع القانون الدولي الذي يحظّر تنفيذ أحكام القتل بناءً على جرائم ليست من الأشد خطورة.

يقول مراقبون أن هذه الإنتهاكات الحقوقيّة والقانونيّة، تؤكد أن مسلسل الإعدامات السعودية لا يزال طويلاً، ذلك أن السلطات غير آبهة بالإنتقادات والإدانات الدولية، كما أن الدول المُدينة هي أيضاً شريكة بالجرائم السعودية نتيجة الإكتفاء بالحد الأدنى من الإعتراض على ممارساتها دون التحرّك نحو خطوات جديّة في هذا الصدد، بحسب المراقبين.

نشطاء في خطر

مؤخراً، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصّصة في الرياض، حُكماً ابتدائياً بالإعدام بحق المعتقل تعسفياً أحمد عبد السلام العباس الذي اعتُقل في 25 يناير/ كانون الثاني 2016 في منطقة أم الجزم بالقطيف، عقب الاحتجاجات التي شهدتها المحافظة للمطالبة بالإصلاحات، ما دفع المراقبون للقول أن هذه الأحكام تأتي في إطار السياسة الإنتقاميّة التي تمارسها السلطات السعودية ضد النشطاء الذين خرجوا خلال المسيرات الاحتجاجية في القطيف.

إضافة إلى ذلك، لا يزال 3 أطفال على الأقل يواجهون أحكام الإعدام في “السعودية” وهم علي النمر، داوود المرهون وعبدالله الزاهر، فضلاً عن مطالبة النيابة العامة بإعدام مدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء، أبرزهم الناشطة إسراء الغمغام وزوجها السيد موسى الهاشم، أحمد المطرود، علي العويشير، خالد الغانم، إلى جانب الشيخ سلمان العودة، الباحث حسن فرحان المالكي، الشيخ عوض القرني والدكتور علي العمري وآخرون. وفي السياق يتوقّع حقوقيون أن يواجه هؤلاء المعتقلين مصيراً مماثلاً للشهداء الـ33 الذين أُعدموا مؤخراً، وتحديداً في الأحكام التي لا ترقى للسجن والإعدام، المحاكمات غير العادلة والإعترافات المنتزعة تحت التعذيب.

يُذكر أن المقرّر الخاص المعني بمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان “بن إيمرسون” أبدى في 2018 مخاوف جديّة بشأن “إستخدام عقوبة الإعدام في أعقاب محاكمات جائرة”، وإصدارها ضد الأفراد الضعفاء، ومن يعانون من إعاقات، والقاصرين، وبينهم من “أُدينوا بجرائم سياسية لا تنطوي على إستخدام العنف”.

وفي ظل غياب المؤشرات الجديّة لتعديل القوانين السعودية وتحسين ظروف المحاكمات، يتوقّع حقوقيّون تزايد الإعدامات إلى حد غير مسبوق خلال عام 2019 الحالي إذا لم تتضافر الجهود لمناصرة الضحايا والضغط على السلطات لوقف ممارساتها الإرهابية بإتجاه النشطاء. كما يدعوا الحقوقيون لضرورة التحرك الجاد في ملف حقوق الإنسان سيء الصيت بالبلاد والعمل على إنفاذ المعرّضين للإعدام بأي لحظة خلال هذا العام.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى