الرئيسية - النشرة - هجرة “السعوديين” إلى الخارج… حق أم خيانة؟

هجرة “السعوديين” إلى الخارج… حق أم خيانة؟

عادل السعيد

الهجرة إلى الخارج تعني انتقال الفرد أو الجماعة من بلد إلى آخر. قد يكون سبب الانتقال البحث عن لقمة العيش أو لأسباب سياسية أو أمنية.

منذ عدة سنوات، يهاجر الكثير من المواطنين “السعوديين” للدول الغربية، بسبب تصاعد وتيرة القمع المنهجي في عهد الملك سلمان وابنه ولي العهد، إضافة إلى شعورهم بفقدان الأمن، كما أن أعداداً ليست قليلة من المبتعثين يفضلون البقاء في الخارج للسبب ذاته، أو رغبة للعيش في بلد يكفل لهم الحريات الشخصية.

يعتقد العقلاء الذين دائماً ما يبحثون في أسباب الظواهر، أن هجرة “السعوديين” إلى الخارج نتيجة بديهية لازدياد وتيرة الجور في العهد الحالي وتجاوزه ظلم العهود السابقة بمراحل متقدمة، ويرون أن غياب الأمن والحرية في “السعودية” يدفع المواطنين للبحث عن موطن جديد يجدون فيه الأمن وحرياتهم المسلوبة في موطنهم الأصلي.

بالرغم أن “السعودية” دائماً ما تحاول الظهور بمظهر غير المكترث حيال نشاط المهاجرين المعارضين في الخارج، إلا أن قلقها تجلى في محاولاتها الحثيثة المتكررة التي تقودها أجهزتها الأمنية المختصة بهدف إقناع الكثير من المعارضين بالعودة، أو محاولة استدراجهم إلى مكان معين من أجل اختطافهم أو التخلص منهم في حال رفضوا ذلك، كما حدث للصحفي جمال خاشقجي الذي تم تقطيعه بواسطة “منشار كهربائي” في القنصلية السعودية في 2 أكتوبر 2018.

إضافة إلى ذلك، تندرج حملات التشويه السعودية ضد المهاجرين المعارضين في سياق القلق ذاته، وبالخصوص حملات التخوين التي تشنها عبر كتاب صحفها الورقية والإلكترونية. ينبغي القول ابتداء إن المقصود ليس كافة الكتاب، وإنما أولئك الذين نذروا أقلامهم للدفاع عن الظلم والاستبداد ومحاربة المنتقدين للظلم والاستبداد. كما أن ذبابها الإلكتروني على موقع التواصل الاجتماعي تويتر يلعبون الدور نفسه، في سياق واضح لإستقائهم التعليمات من الغرف السوداء ذاتها. “شنشنة أعرفها من أخزم”!

ومن أكثر “الكليشات” التي يرددها أولئك الكتاب و”الذباب الإلكتروني” بإيقاع منتظم، أن المهاجرين المعارضين يخدمون أهداف دول أجنبية تناوئ الدولة. وليت شعري ماذا أبقت “السعودية” من أهداف لتلك الدول لم تنفذها، لكي يقوم بها المهاجرون المعارضون؟!

رمتني بدائها وانسلت!

يبدو واضحاً أن “السعودية” تخشى من تعاظم قوة تأثير المهاجرين المعارضين في الخارج، وهو الذي يدفعها لمحاولة إرجاعهم وتشويه صورتهم في الداخل والخارج من أجل الحد من فاعلية تأثيرهم، بعدما كانت “تتحاشى” الاعتراف بوجودهم وتأثير نشاطهم.

الهجرة حق أم خيانة؟

الخيانة هي نقض العهد أو الإتفاق عبر القيام بما يخالفه. ويُوصف مَنْ يقوم بهذا الفعل بــ”الخائن”. غالباً لا يثق الناس بمن يتصف بهذه الصفة الذميمة مهما علا شأنه المعرفي.
القائلون بأن المهاجرين المعارضين للحكومة السعودية من الخارج خونة وعملاء ينطلقون من أن انتقاد الحكومة من خلال منصات قنوات أجنبية “تشويه” لسمعة “الوطن”، ونشر غسيل الحكومة للداني والقاصي، وبالتالي –بحسب رأيهم- كافة مَنْ يقوموا بذلك هم بلا أدنى شك خونة.

من ناحية آخرى، لا يرى أولئك “غضاضة” في استخدام أسيادهم أو إخوانهم ممن يمثلوا وجهة النظر الحكومية للمنصات ذاتها لتضليل الرأي العام العالمي ووصف كل معتقل مطالب بالإصلاح والحقوق بأقذع الأوصاف والاتهامات كذباً وزوراً.

وعلى النقيض التام من ذلك، يعتقد العقلاء الذين لم تتلوث عقولهم بثقافة المستبد، أن حق الإنسان بالهجرة راسخ من الناحيتين الشرعية والقانونية على حد سواء. فلا يخفى على أحد أن الإسلام شهد في الصدر الأول هجرتين، هجرة إلى الحبشة (مرتين)، وهجرة إلى المدينة. ويُجمع المؤرخون أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: “لو خرجتم إلى الحبشة؛ فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد”. فهاجر عددٌ من المسلمين والتحق بهم عددٌ أكثر لاحقاً. وبلحاظ قوله صلى الله عليه وآله وسلم “فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد” يتضح أن الدافع للهجرة هو الهرب من الجور والظلم.

في ذلك اليوم، كما هو اليوم بالنسبة إلى وجهة نظر “السعودية” والسائرين في فلكها من كتاب وذباب إلكتروني، اعتبرت قريش أن قيام بعض المسلمين بتقديم طلبات “لجوء” في الحبشة، يضر بسمعتها ومكانتها، لذلك حاولت تشويه صورتهم لدى النجاشي من أجل إرجاعهم، ولكنها فشلت. بعد ذلك بسنوات، هاجر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً إلى يثرب (المدينة المنورة) عقب علمه بتخطيط القرشيين لعملية اغتياله وابداء أعداد غفيرة من قبيلتي الأوس والخزرج استعدادهم للنصرة.

بالإضافة إلى هجرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، يحث القرآن الكريم المستضعفين على الهجرة، ولا يقبل القعود في الأرض التي يسود فيها الظلم إذا كان ذلك سيدفع المرء للانخراط في العمل مع الظالمين في أعمالهم العدوانية . قال تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا). ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في سياق مشابه: “ليس بلد أحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك”.

في العصر الحالي هناك قوانين دولية تعتبر أن اللجوء لدولة أخرى بسبب الخشية من التعرض للإضطهاد حق أساسي للإنسان. كما أن هناك الكثير من الدول تلزم نفسها قانونياً بتوفير الحماية لمن قد يتعرض للاضطهاد والظلم في بلده. كما يعتبر الإرجاع القسري لطالب اللجوء للبلد الذي قد يتعرض فيه للظلم أو للتعذيب مخالف للقانون الدولي.

الغريب أن “السعودية” وحراس الظلم والاستبداد من الكتاب يتجاهلون كل هذه الأمور، ويصّرون على اعتبار المهاجرين المعارضين خونة وعملاء، ولكنهم في المقلب الآخر يوفرون الحماية للرؤساء والمسؤولين الهاربين من بلدانهم بسبب قضايا الظلم والفساد، ويعتبرون ذلك من الأخلاق العربية، فتأمل!

زبدة القول، الهجرة حق شرعي وقانوني لكل مَنْ يخشى أن يتعرض للظلم والجور في بلده، ولا توجد أية خيانة أو عمالة في ذلك. وإن أقرب الناس للخيانة والعمالة هم الظالمون المستبدون وأعوانهم من أصحاب أقلام الزور، الذين لا يكتفون بتجميل الظلم، بل يسعون بكل “وقاحة” لمحاولة تجميل حتى السجون، عبر سرد ما يسمونه “ميزات” السجون السعودية الاستثنائية في العالم، في استخفاف جلي بعقول القراء الذين يعلمون ما يُمارس من صنوف تعذيب منهجي بحق المعتقلين حتى الأطفال والنساء، ناهيك عن الرجال.
يقول الإمام علي (عليه السلام): “إن أعظم الخيانة خيانة الأمة وأفظع الغش غش الأئمة”. ولا يوجد خيانة للأمة أعظم من خيانة أصحاب أقلام الزُور لأمانة الكلمة، إلا خيانة المستبدين والظالمين.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك