الرئيسية - النشرة - الدكتور حمزة الحسن في حوار خاص مع “مرآة الجزيرة” حول انتفاضة الكرامة وتحديات مستقبل النظام السعودي

الدكتور حمزة الحسن في حوار خاص مع “مرآة الجزيرة” حول انتفاضة الكرامة وتحديات مستقبل النظام السعودي

من واقع التجربة السعودية المقيتة، تفجّرت انتفاضة الكرامة في 17 فبراير/ شباط 2011، رفضاً للوعود الكاذبة التي قطعتها السلطات السعودية والقاضية بإلغاء التمييز الطائفي والمناطقي ضد الأقليات الشيعة في البلاد، بالتزامن مع تنامي الوعي السياسي لدى الشعوب والإنفتاح الثقافي بين مختلف دول العالم بشقّيه النامي والمتقدّم. لقد قرّر أبناء القطيف والأحساء الوقوف في وجه سياسات النظام التفريقيّة والتهميشيّة فهبّوا إلى الشارع حاملين قائمة المطالب السياسية والمعيشية ليقعوا ضحايا الإستبداد السعودي بين شهيد وجريح ومعتقل ومطارد بمجرّد أنهم عبّروا عن حالة القهر والغضب المستفحلة في نفوسهم منذ أمدٍ بعيد. نظامٌ لا يفهم لغة الحوار، ولا يلتفت إلى مطالب الشعب، همّه الأول محاربة إيران والقضاء على التشيّع بأي شكل، ليُبقي نفسه مرجعاً وحيداً للإسلام وبئس المرجع ومن رجع إليه. في نقاش ما تقدّم، وبمناسبة الذكرى الثامنة لإنتفاضة كرامة كان لـ “مرآة الجزيرة” حواراً خاصاً مع المتخصّص في شؤون السياسة السعودية الدكتور حمزة الحسن،،،

مرآة الجزيرة ـ حوار زينب فرحات

بدايةً، تحدّث الدكتور حمزة الحسن عن دوافع انتفاضة الكرامة، مؤكداً أن المعارضة في المناطق الشيعية هي أكبر من تلك التي في المناطق الأخرى، نتيجة التمييز ضد أبناء الطائفة الشيعية في كافة الميادين التنموية والإقتصادية والإدارية والخدمية وغيرها، أما السبب الآخر الذي زاد من حدّة هذا الضغط هو أن المنطقة الشرقيّة المهمّشة تنموياً وخدماتياً هي التي تنتج معظم ثروة البلاد النفطيّة، وبالتالي الشعور بالغضب تجاه النظام السعودي في القطيف والأحساء سيكون مضاعفاً إذ ما اقتُرن بالمناطق الأخرى، وفق الباحث.

خديعة الإصلاح

إنتفاضة الكرامة عام 2011 جاءت بعد حوالي ثمانية عشر عام من عودة المعارضين القدماء على خلفية حوار مع الحكومة في مايو/ أيار 1993، حيث كان من المؤمل وقتها أن تتحسّن الأمور بعد اتفاق الطرفين على إزالة كافة أشكال التمييز ضد الشيعة، بيد أن ذلك لم يحدث، يقول الحسن ويتابع اليوم خرج جيل جديد ورؤى جديدة، العالم تطور والحكومة السعودية لا تزال على سياساتها القديمة، جيل الشباب الجديد الذي عايش التمييز في ظل التطورات السياسية والثقافية العالمية من الطبيعي أن يفوق شعوره بالإضطهاد والتمييز شعور آبائه وأجداده، خصوصاً بعدما نكثت السلطات السعودية وعودها مع المعارضين الذين اتفقت معهم على حل أزمة التمييز، بالإضافة لإبقائها على سجن المعتقلين دون تهم موجّهة ضدهم وبالذات المعتقلين التسعة المنسيين. الوعي السياسي لجيل عام 2011 متطور جداً إذ شهد حوادث إقليمية رفعت من معنوياته لا سيما إنتصار حزب الله على الكيان الإسرائيلي وإخراج قوات الصهاينة من لبنان عام 2000 وعام 2006، سقوط صدام حسين، الربيع العربي، لقد أشعرت هذه الحوادث الأهالي الشيعة في القطيف والأحساء بالإنتشاء نوعاً ما فكان من الطبيعي أن يحصل شيئاً، خصوصاً أن المنطقة الشرقية كانت ولا تزال مركز المعارضة ولديها خبرات متراكمة في هذا الشأن، يوضح الناشط السياسي.

عقدة التحريض الخارجي

الإنتماء المذهبي للطائفة الشيعية هو بحد ذاته مشكلة للنظام الديكتاتوري المستبد، بحسب الباحث في الشأن السعودي الذي بيّن أن النظام يفسّر أسباب المعارضة بالإنتماء المذهبي لهذه الطائفة، وأنها تحت تأثير وإدارة خارجية، وسواء كانت هذه المعارضة من منطلقات إسلامية أو قومية ناصرية أو بعثية أو شيوعية وما إلى ذلك يصرّ النظام على أنه هناك مُحرّض خارجي للعمل المعارض وأن المعارضين هم شيعة حتى لو كانوا شيوعيين على سبيل المثال، يورد الحسن ويضيف: “مشكلة النظام السعودي في المنطقة الشرقية أنه لا يريد الإعتراف بمسؤوليته تجاهها أبداً، وأول حلوله كأي أقلية حاكمة وأقصد نجد يمسكون كل الدولة ويعتبرونها ملكهم الخاص وبالتالي فإن الإعتراض بهذه الحالة لا بد أن يواجه بالعنف”.

عنف مفرط يعكس قلق مفرط

يعتبر الحسن أن تزايد استخدام القوّة المفرطة للنظام السعودي ضد شعوب المنطقة هو دليل على ضعف وخوف هذا النظام، وقال: “لم يكن النظام السعودي ليمارس العنف المفرط إلا بعدما شعر بالخوف المفرط”، مشيراً إلى أنه “خلال تظاهرات عام 2011 أرهب المتظاهرين بإطلاق الرصاص الحي وهو ما كان يعكس حالة القلق الشديد لديه، هذا فضلاً عن استهداف أصحاب كاميرات الفيديو الذين يوثّقون الأحداث لإنه كان يعتبر هؤلاء الأشخاص أشد خطورة من الذين يحملون السلاح”.

الأنظمة الذكية تستوعب الخصوم

ويتابع المعارض السياسي: “بإمكان كل نظام في العالم استخدام القوّة المفرطة ضد الشعب لكن دائماً الأنظمة تفكّر في عواقب هذا الإستخدام، النظام الذكي هو الذي يستخدم الحد الأدنى من القوة في لمواجهة خصومه لإن استخدام العنف يقلّص شرعيّة النظام ويحثّ على عنف مضاد إذا بلغ حدوده القصوى، كما يضع حاجز بين النظام والشعب لعقود طويلة”، مضيفاً: “القوة تعمّق المشاكل وتعرقل الحلول بين الطرفين، النظام السعودي دمّر العوامية واعتقل عشرات الآلاف من المواطنين ومع ذلك هو أكثر اضطراباً من ما مضى فبمقدار استخدامه للعنف تقلّصت شرعيته، سواء في الوسط الشيعي أو الوسط الوهابي أو في أي مكان آخر، هو يدرك جيداً أنه في أي لحظة تراخي ممكن أن ينقضّ الجمهور عليه لأنه أوصلهم إلى مكان لا تراجع عنه، حتى أنه إذا تعرضت البلاد إلى خطر لا يدافع الناس عن النظام، وتجربة صدام خير شاهد تاريخي على ذلك، عندما تبخّر جيشه ودخل الأمريكان ليستولوا على النظام تنحّى الناس جانباً، وبالتالي أن النظام الديكتاتوري يصبح ضعيفاً أمام أي اعتداء خارجي”.

النفوذ السعودي يتآكل

وأردف بالقول: “يدرك النظام السعودي اليوم أنه ضعيف على المستويين الداخلي والخارجي، و”لهذا قيل أن السياسة الخارجية لأي دولة هو انعكاس لسياستها الداخلية ووضع الدولة ونفوذها الخارجي انعكاس أيضاً للوضع الداخلي، أما النظام المُبتلى في بطنه لا يمكن أن يمد نفوذه هنا أو هناك، القوّة المفرطة التي يستخدمها النظام السعودي ضد الشعوب في الداخل هي نفسها التي استخدمها ضد الدول الجارة في البحرين واليمن وسوريا والعراق ومصر وليبيا ولا يزال يحارب الإخوان المسلمين، حزب الله، إيران، تركيا، حتى المعرب وعمان وقطر والكويت، ولذلك تبدو روح النظام مترهّلة بشكل غير مسبوق”.

الباحث الحجازي، يجد أن نفوذ النظام السعودي يتآكل في الفترة الأخيرة، حتى أن الغطاء الإعلامي الذي كان يضعه الغرب على ممارسات النظام بدأ يُرفع، فهناك أصوات عالمية تنادي بإطلاق صراح المعتقلين والمعتقلات في السجون السعودية والآن اللاجئين الذين بلغ عددهم مليون ونصف لأول مرة في تاريخ البلاد”.

الغرب البراغماتي تخلى عن النظام السعودي

وعن التعتيم الإعلامي الذي رافق قضايا الشيعة في البلاد، شرح الحسن أنه كان مُعتاد عند الدول الغربية أن النظام السعودي يقتل الشيعة في القطيف والأحساء، لكن كان بإعتقادهم أنه لدى النظام شعبية في مناطق أخرى وأن وجودهم في واجهة هذا الموضوع ليس فيه فائدة، لافتاً إلى أن حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي بعد مضي أربع سنوات على الحكم السلماني، أدت إلى إعادة النظر في حكم سلمان بن عبد العزيز وابنه محمد، “خلال هذه السنوات الأخيرة تراكمت الكثير من المشاكل وتوضّحت أيضاً الرؤية لهذا النظام السعودي في ظل تراجع مكانة السعودية الاستراتيجية في المنطقة وسياساتها الخارجية العدوانية، الغرب شعر حينئذ أن السعودية عاجزة عن تقديم ما يريده، فاشلة في السياسات الإقليمية، فاشلة في مواجهة إيران فاشلة في الحرب على اليمن ولذلك من منطلق سياسته البراغماتية وجد أنه لا جدوى منه”.

ومضى الأكاديمي الحجازي قائلاً: “في السابق كانت السعودية لديها صفقات عسكرية مع كل الدول الغربية، من بينها بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، لكن ما حصل أنه منذ أواخر عهد عبدالله بن عبد العزيز وتحديداً بعد صعود نجم محمد بن سلمان استولت أميركا على معظم الصفقات العسكرية، إذ فضّل ابن سلمان الأمريكان على الجميع من منطلق أن يهب واشنطن كل شيء مقابل وصوله إلى السلطة، وهو ما أغضب بقية الدول الأوروبية بقوّة وتحديداً في بريطانيا وفرنسا حيث بدا جلياً حينها التحرّش الإعلامي بالنظام السعودي”.

الدول الغربية والكلام للحسن، تغطّي على الأنظمة العربية الدكتاتورية حفاظاً على المكتسبات والمنفعة التي تحصّلها منها، أما حين تتقلّص هذه المصالح فلا يعد يمنعها شيء من إظهار واقع النظام كما هو عليه، لذلك “رأينا وسائل إعلام غربية تنشر لأول مرة في عهد محمد بن سلمان وثائق سريّة عن السياسة السعودية وشهدنا برامج تلفزيونية ابتزازية وصحف عالمية تهاجم النظام”. ثم جاءت قضية مقتل الصحفي خاشقجي لتكن بمثابة القشّة التي قسمت ظهر البعير، حيث أكدت هذه الحادثة أن الغطاء الغربي الإعلامي على النظام السعودي لم يعد موجوداً، وللمصادفة بحسب الباحث، تزامن حادثة خاشقجي مع ارتفاع وتيرة الخلافات داخل الإدارة الأمريكية ما جعل تلك الخلافات تطفو على السطح أمام الجميع، فضلاً عن أن تركيا لديها أدوات إعلامية وسياسية مؤثرة في الوسط السني، ومتحفّزة أيضاً ضد محمد بن سلمان لأنه خرّب مشروع أردوغان السياسي مع الإمارات خلال ثورات الربيع العربي، ولذلك كانت قضية خاشقجي بمثابة إنعطاف قوي في علاقات الدول مع السعودية.

النظام السعودي وإنتاج الوهابية

وفي معرض الحديث عن الوهابية المناهضة للوجود الشيعي في البلاد، قال المحلل والباحث السياسي أن السعودية هي مصنع الفكر الداعشي المنتشر في العالم، منوّهاً إلى أن معظم رؤوس الدواعش المُنظّمة والمُدبّرة أُنتجت وأُعدت داخل السعودية، ذلك أن “السعودية تنظر إلى التنظيمات الإرهابية على أنها جيشها لإنها فعلياً لا تملك جيشاً حكومياً، وهم يمثلون الوهابية في كل تحركاتهم، فحينما سيطرت الوهابية على بلاد الجزيرة العربية كانت تفعل تماماً ما تفعله داعش وأخواتها في الشرق الأوسط، كالنحر بالسكاكين والرمي من الأسطح والحرق والنهب وما إلى ذلك.. كل هذا كان موجود وموثّق في التاريخ”.

التطرّف الداخلي في السعودية، وفق الحسن، كان مضبوطاً إلى حد ما، أي كان يتمثّل بالتحريض الطائفي ضد الطائفة الشيعية في المناهج المدرسية ودور النشر والرسائل الجمعية، لكن بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 جهدت السعودية في وضع حواجز لتجنّب تأثيرها على المكوّن الشيعي في الداخل، ومع ذلك كانت هذه الثورة بمثابة قفزة لجميع الحركات والثورات في ذلك الحين، وشديدة التأثير على الشعوب.

تحريض طائفي لمواجهة إيران

“من الأدوات التي استخدمتها السعودية لمواجهة تأثير الثورة الإسلامية في إيران هو تعزيز الطائفية وشيطنة الشيعة، فقد فتحت السلطات السعودية مكتب مكافحة التشيّع، وأيضاً كان هناك مئات الكتب والمنشورات ضد الشيعة التي لا تزال قائمة حتى الآن. خطة السلطات كانت تقوم على اصطفاف الناس الى جانب النظام ضد الشيعة الذين عملت على تحويلهم إلى خلايا منظمة هدفها ضرب الاستقرار الداخلي بدعم إيراني، ولا تزال هذه الدعاية سارية حتى يومنا هذا، فما دام النظام السعودي يكمن العداء لإيران لن ينفك عن محاربة التشيّع”، يورد المعارض السياسي.

الوهابية مناهج ثابتة في النظام السعودي

رأى الحسن أن الطائفية ركن أساس في أيديولوجيا النظام ولن يتخلّى عنها، مبيناً أن السياسة الطائفية التي جاءت بوصول آل سعود إلى البلاد من الصعب جداً أن تُزال من نفوس أتباعها بعدما صارت مناهج ثابتة في المدارس والجامعات بل هناك جامعات قائمة بحد ذاتها لهذا الغرض، وأضاف: “الطائفية سرطان مُزمن يفتك أولاً في المعتقدين بالوهابية وثانياً بضحايا الوهابية، لإن المروّجين للوهابية لديهم جمهور يقع ضحية أفكارهم المتطرفة في كل مكان، وأتباعها إما أن يخرجوا من البلاد ليتحوّلوا إلى دواعش أو يبقون دواعش في الداخل ويحميهم النظام، على سبيل المثال قضيّة نحر الطفل زكريا الجابر هي أكبر دليل على الروح الوهابية المتفشية في البلاد، في حين أن النظام حاول تبرئة المجرم الوهابي بالقول أنه مختل عقلياً، وواقعاً المختل الحقيقي هو من يصدّق هذا الكلام”.

بالنتيجة، يخلص الدكتور حمزة الحسن إلى أنهم “كما كفّروا الشيعة جاء من يكفر ابن باز، وكما مارسوا العنف ضد الآخرين ارتدّ عليهم داخل البلاد، ومثلما أرادوا إسقاط الأنظمة الأخرى جاء من يطالب بإسقاطهم ومن نفس المؤسسة.. الوهابيّة كالنار تحرق كل من اقترب منها”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك