الرئيسية - النشرة - الجثامين المغيّبة..جريمة آل سعود المتمددة!

الجثامين المغيّبة..جريمة آل سعود المتمددة!

غابت الروح وغُيّب الجسد. ثلاثة أعوام يتواصل الألم من احتجاز السلطات السعودية لجثمان الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، الذي اغتالته بحدّ السيف في الثاني من يناير 2016، ومعه كوكبة من الشبان المعتقلين أضحوا شهداء. لم تكتف السلطات بقتلهم وحزّ نحورهم بل احتجزت جثامينهم، حارمة ذويهم من إكرامهم ودفنهم ومعرفة مكان قبورهم، في انتهاك صارخ لكافة الشرع الحقوقية والدينية، المحلية والدولية.

مرآة الجزيرة ـ تقرير سناء إبراهيم

عودة الشهداء الرمزية إلى الحياة من خلال حديثنا عنهم وتذكرنا أسماءهم ونضالهم أهميّة عن عودة جثامينهم إلى ذويهم، حيث تهدف الاستعادة الرمزية إلى إحياء الشهيد في الأدبيات الاجتماعية والخطاب السياسي والموروث الشعبي، إذ يصبح الرمز والقدوة لفئات الأحرار في العالم من جهة، ومن جهة أخرى، تنشغل استعادة الجثمان المادية في دفن جسد الشهيد وإسدال الستار على آخر فصول الحكاية وتوفير قسط من الراحة لعائلته.

تتعنت سلطات النظام السعودي بتطبيق سياسة احتجاز جثامين ودفن الشهداء في “مقابر المسلمين”، كما تسميها من دون الإفصاح عن المكان، في سياسة ترمي إلى الانتقام من عائلات الشهداء وحاضنتهم الشعبية وزيادة الكلفة النفسية التي يضطرون لتحملها، إذ أن السلطات لم تستوعب حتى اليوم الصمود والإباء الذي يعيشه عوائل الشهداء، على الرغم من كل ما يكتنفه التغييب من ألم الفراق وبشاعة التنكيل الممارسة من قبل السلطات.

مع استمرار الرياض بالتمسك بسياسة احتجاز الجثامين التي لم تنته عند شهادة الشيخ نمر باقر النمر، كما أنها لم تبدأ عنده، فهذه السياسة ابتدأتها الرياض من عدة عقود، إلا أن الخوف من الحاضنة الشعبية للشهداء لهو سبب أساس في اعتقال الأفراد مرتين، أحياء وأمواتا، حيث أن مشاركة الأهالي في التشييع الذي لطالما كان مهيبا في كل مرة في تحتضن القطيف شهيدا، فهذه المشهدية الكبيرة والحشود التي تغطي الشوارع والأحياء بصورة موحدة، لا شك أنها تسببت ببث الرعب في نفوس السلطة، التي تحاول استخدام سياسة التفرقة من أجل التمكن من القضاء على الروح المطلبية بين الأهالي.

ولئن كان الشيخ الشهيد النمر رمزا أساسيا في المنطقة، وكان القدوة لأبناء الجزيرة العربية، فلا شك أن السلطات تتخوف من ردة فعل المواطنين في حال تسليم الجثمان والسماح بتشيعه، إضافة إلى التعمية وعدم السماح بمعرفة ما وقع على الشهيد من فصول التنكيل والتعذيب، حيث اعتادت الرياض وأروقة زنازينها المظلمة أن تخفي خلفها أبشع أنواع التعذيب والتنكيل، ولذا تعمل على اعتقال الجثامين وإخفائها، وفي حال اضطرت لأسباب معينة تسليم جثمان الشهيد فهي دوما ما تضع شروطا ومحظورات على العوائل، أولها عدم الكشف عن الجثمان أو تصويره وما شابه، وذلك لدرء الغضب الشعبي عنها.

إلى جانب جثمان الشيخ الشهيد النمر تحتجز السلطات أكثر من أربعين جثمانا لشهداء كانوا معتقلين خلف القضبان؛ ومع الرأي الشرعي الرافض للسياسة الاعتقالية للجثامين، يؤكد الرأي الحقوقي أن انتهاكات صارخة ترتكب في تنفيذ هذه السياسة.

المحامي الناشط الحقوقي طه الحاجي

الناشط الحقوقي المحامي طه الحاجي وفي حديث خاص مع “مرآة الجزيرة”، يبدأ من التأكيد أن “السعودية” هي من أكثر الدول تنفيذا للإعدام وأغلب هذه الاعدامات هي إعدامات تعزيرية، تخضع لتقدير القضاة، مشيرا إلى أنه “معروف عن القضاء السعودي أنه غير مستقل وخاضع لسلطة الحكومة بل إنها تستخدمه كأداة للمعاقبة والتخلص من منتقديها ومعاريضي سياساتها القمعية والمنفلته بلا حسيب أو رقيب”.

يضيف المحامي الحاجي أن “أغلب هذه الإعدامات لا تخص الجرائم الأشد خطورة مثل القتل العمد، لذا فإن أحكامه هي أحكام سياسية بحتة، وعليه فإن المحاكم فاقدة للشرعية من الأساس وأحكامها باطلة بعيدة عن العدالة والنزاهة”.

وحول انتهاكات تغييب الجثامين، يشدد الحاجي على أن “احتجاز الجثامين انتهاك صارخ من ضمن سلسلة الانتهاكات التي تمارسها السلطة ليس فقط بهدف التخلص والانتقام ممن يعارضها ويصدح بكلمة الحق بوجهها، بل لتبث الرعب وتنشر الخوف في نفوس من يحاول أو يفكر بانتهاج المنهج الذي سلكه الشيخ نمر في إعلان المواقف بكل شجاعة وجرأة من دون مجاملات أو تتردد”.

يرى الحاجي أن “سلسلة الانتهاكات تبدأ بتقييد الحريات والتضييق ثم إرهاق الناس بالإستدعاء والملاحقة ثم الاعتقال والتعذيب والعزل عن العالم، ولا تنتهي الانتهاكات بمحاكمات هزلية بعيدة عن الإنصاف وتحقيق العدالة بل تستمر حتى بعد تنفيذ تلك العقوبات وحرمان الضحية من حق توديع أهله وإخفاء وصيته، وكذلك إخفاء جثمانه وحرمانه من الصلاة عليه وتشييعه ودفنه في مقبرة البلدة”.

ويشير إلى مخالفة كل القيم والمبادىء والأعراف الإنسانية والدينية الاي فيها مخالفة وتحدي صارخ للإتفاقيات والعهود الدولية، “ومنها المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وعدم تصديق السعودية عليه لا يعني ولا يخلي مسؤوليتها، ولأن في ذلك تعارض قطعية القانون الدولي كما جاء في الفقرتين 10_1 من قرار اللجنة المعنية بحقوق الإنسان الصادر في نوفمبر 2012”.

ومع الصمت الدولي وصم السلطات لآذانها عن المطالبات المتواصلة لتسليم جثمان الشيخ النمر، يبين المحاكي الحاجي، أن إعراض وتجاهل السلطات للمطالبات المستمرة بتسليم جثمان الشيخ النمر وجثامين الشباب الذين قتلوا معه ورهانها على الوقت، وأن المجتمع سينساهم ويتخلى عنهم رهان فاشل”، مشددا على أن “ها هي الذكرى الثالثة لاستشهادهم ومازالت الناس تطالب وستبقى ولن تيأس”.

ويكشف الحاجي عن أن “موضوع المطالبة باسترداد الجثامين مطروح الآن على طاولة الأمم المتحدة لدى المقررين الخاصين، وحتى لو تجاهلت السلطات ما سيصدر منهم سيبقى المجتمع والنشطاء يلاحقونها في كل واد ولن يهدأ لهم بال”.

قبل 105 سنوات (1914) غيّبت السلطات السعودية جثمان الشهيد عبد الحسين بن جمعة الذي يعد أول شهيد أخفي جثمانه، وكان دمه فداء لمنع احتلال آل سعود للقطيف. اليوم، النظام عينه (آل سعود) يغّيب جثمان الشهيد الشيخ النمر ومعه عشرات الشهداء، ولا يجد ضيراً في انتهاكه للشرعات الدولية والدينية والمواثيق الموضوعة والمهمورة بتوقيعه، وذلك إرضاءً لاستبداده واستئثاراً بثروات البلاد والعباد. إخفاء جثامين الشهداء تحيل مجدّداً إلى وضع انتهاكات الرياض تحت مجهر الأمم المتحدة والحقوق الإنسانية والدولية التي تدّعي حماية الحقوق والإنسان في شرعاتها الموثقة المتوجب عليها إخضاع الرياض والحد من انتهاكاتها، ولكن يبقى السؤال هل بالإمكان ذلك؟أم أن للشعوب الدور الحاسم أكثر من السياسات؟.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك