النشرةدراسات وبحوثسينالهم غضبوما قتلوه

دراسة: الشيخ النمر والحراك المطلبي.. قراءة وتطلعات

السكوت عن إعدام رمز ديني كالشيخ النمر، هو تأسيس وتعميق لسياسة تكميم الأفواه، ورضا بهيمنة مدرسة دينية في التشريع والتشخيص بطريقة إقصائية جبرية سياسياً واجتماعياً، وهو انتهاك واضح لحق المواطنة الذي تدعيه سلطات الرياض بحق شعبها.. الشيخ نمر النمر كان سجين رأي يوعالم دين، ومواطن من الجزيرة العربية “السعودية حاليا”، وقف أعزلاً أمام قضاء جائر وواجه الموت ظلما فقط لأنه واجه ظلم السلطة وطالب باصلاحات سياسية ومطالب حقوقية مشروعة،،،

إيمان شمس الدين* ـ خاص مرآة الجزيرة

تعود المواطنة نسبة إلى الوطن، وهو مولد الإنسان والبلد الذي هو فيه، ويتسع معنى المواطنة ليتمثل التعلق بالبلد والانتماء إلى ثراته التاريخي ولغته وعاداته. يشكل مفهوم المواطنة في سياق حركة المجتمع وتحولاته، وفي صلب هذه الحركة تنسج العلاقات وتتبادل المنافع وتخلق الحاجات، وتبرز الحقوق وتتجلى الواجبات والمسؤوليات، ومن تفاعل كل هده العناصر يتولد موروث مشترك من المبادئ والقيم والعادات والسلوكات، يسهم في تشكيل شخصية المواطن ويمنحها خصائص تميزها عن غيرها. وبهذا يصبح الموروث المشترك حماية وأمانا للوطن والمواطن.

فالمواطنة حقوق وواجبات، وهي أداة لبناء مواطن قادر على العيش بسلام وتسامح مع غيره على أساس المساواة وتكافؤ الفرص والعدل، قصد المساهمة في بناء وتنمية الوطن والحفاظ على العيش المشترك فيه1.

أما الانتماء فلقد وضح ” اريك فروم ” الحاجة الى الانتماء كأول وأهم الحاجات الى الارتباط بالجذور ، والحاجة الى الهوية والى أطار توجيهى كى تكتمل الحاجات الإنسانية الموضوعية التى أصبحت جزء من الطبيعة الإنسانية خلال عمليات التطور والارتقاء ، والتى يحاول كل إنسان فيها السعى نحو الكمال وتحقيق الذات.

ويمكن تعريف الانتماء بأنه العلاقة الايجابية والحياتية التى تؤدى الى التحقق المتبادل، تنتفى منها المنفعة بمفهوم الربح والخسارة ، وترتقى الى العطاء بلا حدود الذى يصل الى حد التضحية ، ويتجلى الانتماء بصورة عالية عندما يتعرض الوطن لأى اعتداء خارجى ، والانتماء قد يكون طبيعى فطرى خاصة عند الإنسان العادى، بفعل الوجود الانسانى واستمرار البقاء فى ظل الوطن وضمن النظام الاجتماعى ، وقد يكون انتماء عاطفيا تجاه موقف أو ظروف طارئة ، ولكن أرقى انتماء هو الانتماء المنطقى الناتج عن المعرفة وإعمال العقل ، ونسبة المنتمون منطقيا قليلة ولكنها دائما فاعلة ومؤثرة فى حركة المجتمعات2.

وقد وضع الاسلام حلا للتعايش مع التباينات العقدية ونظمها، طالما هي لا تضر بالأمن والاستقرار الاجتماعي ولا تقوض نظام الدولة وأسسها التي يفترض أن تكون مبنية على أساس التوحيد الالهي الجامع لكافة الاديان السماوية.

ففي صحيفة المدينة كفل رسول الله صلى الله عليه وآله حق المشرك- هذا فضلا عن أصحاب الديانات السماوية – في حرية اعتقاده على أن لا يمارس هذا الاعتقاد في المجتمع بشكل علني ولا يدعو إليه وأن يكون مواطنا داخلا في نسيج المجتمع المسلم له حقوق وعليه واجبات,وهو ما يوحي بضرورة الالتزام بقانون الدولة من جهة المواطن والتزام الدولة بحفظ حرية المواطن، طالما هي لا تضر بأمنها واستقرارها وتقوض مبناها,ومراعاتها لحقوق جميع مواطنيها دون تمييز عرقي أو ديني أو غيره.

وأي دستور دولة وفق القوانين العالمية ومقرراتها الحقوقية ومعاهداتها الإنسانية تدعم مبدأ المواطنة، وترسخ مواد تحفظ الحريات والحقوق والمساواة والعدالة وتضعها في تشريعات دستورية، إلا أنها على مستوى الممارسة في كثير من الدول بعيدة كل البعد عن ذلك، فهي تكرس للتمييز على أساس القبيلة والمذهب والفئة وغيرها, فإن ذلك يولد رد فعل من قبل الذين مورس عليهم التمييز ويجعلهم ينكفؤون على ذواتهم ويلجؤون إلى طائفتهم أو قبيلتهم لأخذ حقوقهم، واستراجاع ما سلب منهم رغم أن الدستور كفله لهم. فالدولة عبارة عن مكونات تقوم بينها اتفاقيات أو تعاهدات، فبين الحاكم والشعب بيعة أو عهد يتم خلاله قيام الحاكم بواجباته اتجاه شعبه من أداء حقوق تتعلق بالشعب ذاته من جهة، وبالدولة والتزاماتها الداخلية والخارجية من جهة أخرى، والشعب في قبال قيام الحاكم بواجباته وتحقيق مطالبه التي تحقق له العيش القويم بكرامة وعدالة، يقوم بدعم الحاكم من جهة ومراقبته من جهة أخرى حتى يتم ضمان تأديته لواجباته التي على أساسها بايعه كحاكم.

ولكن حينما تتم البيعة تحت الضغط وومارسة الإرهاب الديني والأمني، ومن ثم لا يؤدي الحاكم واجباته اتجاه شعبه، وينتقض حقوقهم ويمس كرامتهم، ويميز بين مكونات الشعب الدينية على أساس التعصب والتمييز، فإن ذلك سيخلق اضطرابات في العلاقة بين السلطة والشعب، وسيدفع هذه المكونات إلى التحرك للمطالبة باستعادة حقها، وهو أمر كفلته كل الحقوق والمعاهدات الدولية، بل كفله الله تعالى.

وهو ما يؤسس لدولة يحكمها العرقنة وليس دولة مؤسسات وقانون,لذلك تقع على الدولة المسؤولية الكبرى في ترسيخ مفهوم المواطنة من خلال المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وتطبيق القانون على الجميع, ومع وجود برلمان يقنن تشريعات تكون حافظة لحقوق جميع المواطنين، ومكرسة لواجباتهم دون تمييز, حتى لا يكون هناك فجوة بين التنظير والتطبيق تعمل على خلق ثغرات في جسد المجتمع، تضغط فيما بعد الأقليات المضطهدة إما للجوء إلى الخارج، أو للتواطيء معه من أجل تحسين ظروفها المعيشية .

ولبناء جسور ثقة بين السلطات والشعب بكافة أطيافه، ولإزالة الفروقات بين أطياف المجتمع خاصة تلك الدينية التي يمكن استغلالها كثوب تلبسه الصراعات السياسية في تفتيت المجتمعات.

الشيخ النمر وانتقاص الحقوق:

استقراء الواقع الشعبي المعيشي في السعودية يكشف أن كثير من المناطق تعاني ضنكا معيشيا حادا، بينما تتكشف يوما بعد اليوم الهوة الطبقية في المجتمع السعودي خاصة بين العائلة الحاكمة وبقية أفرادالشعب. وفكرة وجود حقوقيين في دول العالم، تعود إلى ضرورة وجود شخصيات محايدة تعمل على مراقبة الوضع الحقوقي بين السلطة والشعب، ومن ثم نقلها لمنظمات فاعلة قادرة على تشكيل ضغط على تلك الدول، لتقوم بتطوير أسلوبها، و النهوض بالمستوى الحقوقي بحق شعبها، وتحقيق العدالة الاجتماعية .

ولعل سجن الحقوقي وليد أبو الخير ومجموعة حقوقيات سعوديات مؤخرا، يدلل على الحساسية الشديدة لدى السلطة في السعودية من كل حراك مطلبي حقوقي يكشف حقيقة ما يعانيه أغلبية الشعب هناك ، كون السعودية دولة نفطية غنية .

إضافة لكثير من التقارير التي تنشرها المنظمات الحقوقية في الغرب حول السجون في السعودية، وحول الوضع الحقوقي فيها وأكثر من تقرير أدان السعودية ووضح بطريقة غير مباشرة من كونها دولة قمعية بوليسية.

منها التقرير العالمي في عام ٢٠١٢ الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش حيث قالت: صعّدت سلطات المملكة العربية السعودية خلال عام 2012 من حملات التوقيف والمحاكمة للمعارضين السلميين، وردت بالعنف على المظاهرات التي خرج فيها مواطنون. تستمر السلطات في قمع حقوق 9 ملايين سيدة وفتاة سعودية و9 ملايين عامل وافد، أو هي تخفق في حماية هذه الحقوق. كما حدث على مدار الأعوام الماضية، تلقى آلاف الأشخاص محاكمات غير عادلة وتعرض آخرون للاحتجاز التعسفي. شهد العام محاكمات لنحو ستة من المدافعين عن حقوق الإنسان والعشرات غيرهم ممن عبروا عن آرائهم سلمياً أو تجمعوا سلمياً للمطالبة بالإصلاحات السياسية والحقوقية.

وأضافت في بند حرية التعبير والمعتقد والتجمع: قبضت السلطات في عام 2012 على أشخاص على خلفية نشر الانتقادات السلمية والنشاط بمجال حقوق الإنسان. أدين محمد البجادي – رجل الأعمال والناشط الحقوقي – بتهمة تأسيس الجمعية السعودية للحقوق المدنية والسياسية، وأدين يوسف الأحمد، رجل الدين، بتهمة عصيان كبار رجال الدين بأن دعا للإفراج عن السجناء أو محاكمتهم. أصدر الادعاء صحف اتهام مسيسة، بينها التواصل مع منظمات حقوقية دولية، ضد عبد الله الحامد ومحمد القحطاني ووليد أبو الخير وفاضل المناسف.

وتمنع المملكة السعودية ممارسة الشعائر الدينية بشكل علني على غير المسلمين، وتمارس تمييزا متواصلا على الأقليات الدينية، وخاصة الشيعة والإسماعيليين. طالب المفتي في مارس/آذار بتدمير جميع الكنائس في الجزيرة العربية. في عام 2012 قامت السلطات باعتقالات لأفراد بسبب التعبير عن آراء دينية، بينهم في فبراير/شباط حمزة كاشغري، الذي سلمته ماليزيا إلى المملكة بسبب اتهامات بالازدراء متعلقة بحوار متخيل له على تويتر مع النبي محمد. في مايو/أيار قبضت السلطات في بلدة عرعر شمالي البلاد على شخصين بتهمة الردة، لأنهما تبنيا المذهب الأحمدي.

في يونيو/حزيران أوقف الادعاء رائف بدوي بتهمة إدارة موقع لليبراليين السعوديين، بوصفهأمرا مهينا للإسلام. بحلول أغسطس/آب كان قد تم ترحيل الرجال والنساء الـ 35 الأثيوبيين المسيحيين، الذين قُبض عليهم في ديسمبر/كانون الأول 2011 بتهمة “الاختلاط غير المشروع” أثناء عقد شعائر دينية. ويشمل التمييز الرسمي ضد الشيعة الممارسة الدينية، والتعليم، والمنظومة العدلية.

عادت الاحتجاجات الشيعية مرة أخرى في أكتوبر/تشرين الأول 2011 وتصاعدت وتيرتها في يناير/كانون الثاني ثم في يوليو/تموز 2012 عندما قبضت السلطات على الشيخ نمر النمر، رجل الدين الشيعي البارز. قتلت قوات الأمن ما لا يقل عن 11 شيعياً في مظاهرات منذ عام 2011. طالب المتظاهرون بالإفراج عن السجناء الشيعة وإنهاء التمييز.

وفي يوليو/تموز أفاد نشطاء بأن 100 سعودي في البريدة ونحو 12 آخرين في مول تجاري في الرياض تظاهروا للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين منذ مدة طويلة دون محاكمة. تدخلت قوات أمن الجامعة والأمن العام في مارس/آذار لوقف مظاهرة لطالبات بجامعة الملك خالد، مما خلف قتيلة واحدة على الأقل. حسب تقارير أصيبت السيدة بنوبة صرع سببها محاولة قوات الأمن إجبار الطالبات على التفرق.

لا تسمح السلطات السعودية بالجمعيات السياسية أو الخاصة بحقوق الإنسان. في ديسمبر/كانون الأول 2011 منعت السلطات الترخيص عن مركز العدل لحقوق الإنسان، ولم ترد على طلبات بتراخيص مقدمة من مؤسسة “مراقبة حقوق الإنسان” في السعودية التي سجلت في كندا في شهر مايو/أيار.

في يوليو/تموز أفرجت السلطات عن نذير الماجد المحتجز منذ أبريل/نيسان 2011 بسبب كتابات انتقادية، وأفرجت محكمة عن خالد الجهني، المحتجز منذ أن تظاهر وحيداً في يوم الغضب السعودي، 11 مارس/آذار 2011. في فبراير/شباط تم إخلاء سبيل هادي المطيف بعد احتجازه 18 عاماً، وكان أغلب هذه المدة على ذمة الإعدام، وقد أدين بالردة بتهمة إهانة النبي. قبل المفتي توبته3.

وفي تقرير أخر مرفق المصدر جاء فيه: “الانتهاكات بحق المطالبين بالحريات العامة وناشطي المجتمع المدني في السعودية تصل الى مستويات مرتفعة. والسلطات السعودية تأخذ من الحملة على الإرهاب أداة لتصفية حساباتها مع المعارضين والناشطين. هذا ما تخلص إليه تقارير لمنظمات حقوق الإنسان عرضت على هامش أعمال الدورة 27 لمجلس حقوق الانسان في جنيف.”4

هذه تقارير توضح الانتهاكات التي تقوم بها المملكة العربية السعودية في حق مطالبين سلميين من كافة المشارب الفكرية والعقدية ، تثبت أن أي حراك مطلبي حقوقي سلمي يطالب بحقوق المواطنة التي هي واجب على الدولة توفيرها لمواطنيها ليتحقق أقل قدر من الاستقرار الاجتماعي والطاعة ، هو محل اتهام وبالتالي اعتقال وقد يصل الأمر للاعدام كوسيلة لمنع أي جهة التفكير في تقليد الآخرين في تلك الحراكات ، أي وسيلة قمعية بعنوان ديني مشرعن.

ينتمي الشيخ نمر باقر النمر إلى قرية العوامية، في قلب القطيف من المنطقة الشرقية الغنية بالنفط في الجزيرة العربية، أو ما أطلق عليها لاحقا السعودية نسبة لآل سعود النظام الحاكم حاليا.

ومن المعروف حقوقيا وسياسيا مستوى التمييز العنصري الذي تمارسه السلطة اتجاه أبناء الشرقية بشكل عام وأبناء العوامية بشكل خاص.

فبالرغم من كونهم مواطنين سعوديون إلا أنهم يعاملون غالبا كخارجين دخلاء ، ويميزون غالبا عن نظرائهم في المناصب والحريات العقدية والتوظيف والخدمات ، رغم أنهم قاطني منطقة الشرقية التي تعتبر ثقل السعودية الاقتصادي ، فمنابع النفط موجودة في تلك المنطقة.

ونتيجة هذا التعسف والتمييز في حق أهل الشرقية فقط بسبب انتمائهم للمذهب الجعفري ، وأيضا للنقص الشديد في الخدمات الذي تعاني منه هذه المنطقة وخاصة العوامية ، تقوم من فترة لفترة حراكات مطلبية سلمية لكنها كانت تواجه بالعنف والاعتقال والقتل والسلاح.

وكان للشيخ نمر النمر حراكات عديدة سلمية ومطلبية لأجل إنصاف الشيعة ومعاملتهم كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات، منها خطب الجمعة التي كان يوجه فيها مطالبه مباشرة للسلطات الحاكمة ، ويدعو الشباب للتحرك السلمي لتحقيق مطالبهم والضغط باتجاه مزيد من الشراكة السياسية ، وهي المطالب ذاتها التي طالب بها النظام السعودي كلا من العراق وسوريا، وبذل في ذلك أموالا طائلة لدعم الحراك المسلح العنفي في سوريا والعراق تحت شعار حق الشعوب في التغيير ، إلا أنه دفع بجنوده لمواجهة شعبه في الداخل الذي لم يفعل شيء سوى المطالبة بنفس المطالبات التي انتفضت لأجلها الشعوب في سوريا ومصر وتونس ، وأيضا أرسل درعه العسكري لقمع ثورة البحرين السلمية التي أيضا طرحت مطالبات باتجاه الاصلاح السياسي وتوسيع المشاركة الشعبية.

ومنها نزوله بين الشباب في مسيرات مطلبية سلمية كانت تواجه أيضا بالقمع والاعتقال والقتل، ومنها في عام 1428 هـ قدم الشيخ لنائب أمير المنطقة الشرقية عريضة نموذجية غير مسبوقة تجسد المطالب الشيعية في المملكة، وقد أثنى على هذه المطالب المعارض السعودي السني: سعد الفقيه، بالرغم من أنه كان يحرض الحكومة في ثنايا مدحه، ويدين علماء السنة ويلفتهم للتعلم من الشيخ نمر كيفية المطالبة وفي أي أمر يطالبون به.

وفي ليلة العاشر من شهر محرم لعام 1429هـ نادى سماحته بتشكيل “جبهة المعارضة الرشيدة”، والتي من وظيفتها ومسؤولياتها -حسب ما ورد في محاضرته تلك- معارضة الفساد: الاجتماعي والكهنوت الديني والظلم السياسي الواقع على المواطنين الشيعة في السعودية.

لم يكن الشيخ نمر يحمل سلاحا في ساحات المطالبة السلمية ، غير عمامته التي كانت تجسد له مسؤولية كبيرة تلزمه السير قدما في نصرة المظلوم ومواجهة الظالم، بطريقة سلمية تكون فيها الكلمة و الموقف سلاحا سلميا ، يعبر فيها عن مطالب الجمهور المحقة، وقيام دولة مؤسسات وشراكة وطنية يمارس فيها الشيعة دورهم المواطني الذي حرموا منه عقودا من الزمن فقط لكونهم مختلفين عقديا مع النظام الحاكم الذي تحالف مع مؤسسة دينية يقوم فكرها على التكفير الممتدة جذوره لمدرسة محمد عبد الوهاب المتطرفة دينيا.

وقد تم اعتقال الشيخ نمر باقر النمر بطريقة عسكرية حيث تمت مطاردته وهو منفردا وأعزلا ، وحينما لم يستسلم لهم أطلقوا عليه النيران واعتقلوه مصابا وتم نقله لجهات غير معلومة، ثم تم سجنه بطريقة مخالفة للمعاهدات الدولية والأنظمة الحقوقية.

وقبل محاكمته بأسابيع قامت السلطات القضائية في المملكة السعودية ) الجزيرة العربية سابقا( بإصدار حكم بالإعدام على مجموعة من الشباب المتهمين بتهم أقل من تهم الشيخ نمر ، والذين جل ذنبهم هو التعبير السلمي عن مطالبهم كمواطنين، ووفق التحليلات أن هذه الأحكام جاءت ممهدة للحكم بالاعدام على الشيخ نمر النمر تعزيرا.

التعزير: وهو التأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود . ” الأحكام السلطانية ” للماوردي (ص/236) .

فإذا ارتكب أحدهم مخالفة شرعية لم يرد الشرع بتقدير عقوبة خاصة بها ، ورأى القاضي أنها من الخطورة بقدر بحيث تستحق العقوبة عليها ، فإن له أن يعاقب هذا المتعدي بما يراه مناسبا لجرمه وذنبه ، وهذا ما يسميه الفقهاء بـ ” التعزير “، وله أحكام وتفصيلات كثيرة مذكورة في مطولات الفقه .

ولما كان مقصد التعزير هو التأديب ، كان الأصل ألا يبلغ التعزير إلى حد القتل بحال من الأحوال ، لكن لما رأى الفقهاء أن بعض الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة تدل على إيقاع عقوبة القتل على هذا الوجه ، كانت لهم بعض الاستثناءات التي تجيز القتل كعقوبة تعزيرية وليست حدية ، وذلك لخطر بعض الجرائم العظيمة ، ولتحقيق المصلحة العامة للدولة والمجتمع الإسلامي5.

صدر حكم الاعدام تعذيرا بحق الشيخ نمر النمر في ١٥ أكتربر ٢٠١٤ ، وهو ما يعني:

أولا: تصنيف مواقف الشيخ النمر على أنها مواقف ترقى لمستوى جرائم تهدد أمن المجتمع والدولة وتسبب الفتنة وتضر بالمسلمين، بالتالي رفع الغطاء عن حق أصيل من حقوق المواطنين ، في التحرك للمالبة السلمية بحقوقهم في حال تم انتقاصها من قبل السلطة، وتجريم هذا العمل بجريمة تصل عقوبتها إلى الإعدام تعزيرا، وهو إرهاب تمارسة الدولة بحق مواطنيها فتمنع زي محاولات للمطالبة والتحرك باتجاه المطالبة، وهو ما يدع المواطن للرضوخ للظلم والخوف من السير في طريق مطالبة حقوقه التي كفلتها له شرعة الأمم،

ثانيا: إرجاء أمر إمضاء حكم القضاة بالاعدام لولي الأمر والمتمثل بالملك ، فهو الآن المعني الوحيد تقريبا وظاهريا في العفو من عدمه، وهو ما يعني خضوع حياة المحكومين للمعادلات السياسية، والمراهنات المذهبية والتوازنات الإقليمية دون أدنى مراعاة لحق الإنسان في الحياة.

سنقف بداية مع ما قام به الشيخ نمر النمر من أعمال اعتبرها القضاء السعودي أعمالا ترقى لمستوى جريمة تستحق الاعدام تعذيرا.

كان حراك الشيخ النمر حراكا سلميا لم يثبت إلى الآن وفق تتبعي استخدامه لأي وسيلة عنفية مطلبية، بل كان رأيه جلي في رفض العنف المطلبي، فكان يستخدم الوسائل السلمية في مواجهة تعسف السلطة السعودية في حق مكون من مكونات الوطن.

أدوات الشيخ النمر كانت:

١. الخطابة : حيث كان منبر المسجد منصة يقوم من خلالها بطرح المطالب الحقوقية لمواطنين لهم حق أن يعاملوا وفق مبدأ المواطنة بالتساوي مع نظرائهم في الوطن.
منها:
-حرية العقيدة وممارسة الشعائر .
– حق استلام وظائف متقدمة في الدولة وفق مبدأ الكفاءة لا الولاء المذهبي والقبلي.
– تحرير سجناء الرأي الذين يقبعون في السجون دون محاكمة منذ سنوات.

– تقديم الخدمات المعيشية اللائقة لأهالي الشرقية خاصة العوامية .
– حرية التعبير وحرية الرأي كما جاء في شرعة الأمم.

– المساواة والعدالة وفق مبدأ المواطنة الصالحة.
– رفع منسوب الحرية وتقليص القمع البوليسي.

– الدفاع عن العوامية بالذات لما تعيشه من عزل وحرمان وفقدان للخدمات المعيشية ومعاقبتها على مواقفها المناهضة للظلم والتمييز.

٢. المسيرات والاعتصامات السلمية الرافضة للتميز والمطالبة بنفس المطالبات السابقة. وهي مسيرات رفعت بها شعارات مطلبية وخلت من مظاهر العنف واقتصرت على الهتافات ورفعت يافطات تعبر عن رأي أصحاب الحراك.

لم يسجل ضد الشيخ النمر أي ممارسة خارج ذلك ، وتم اعتبار هذه الممارسات جرما يستحق الاعدام.

كانت خطابات الشيخ النمر والشعارات التي يتبناها خطابات تصعيدية ضد السلطة الحاكمة في السعودية ، فكان يقرن مواجهتهم وكشف ممارساتهم مع مطالباته الحقوقية ، مما تم اعتباره جريمة لتعديه على أولياء الأمر وفق منهج المؤسسة الدينية الحاكمة في السعودية.

هل أهل الشرقية فقط من يعاني من تمييز عنصري؟ وهل هم فقط منتقصة حقوقهم؟

استقراء الواقع الشعبي المعيشي في السعودية يكشف أن كثير من المناطق تعاني ضنكا معيشيا حادا ، بينما تتكشف يوما بعد اليوم الهوة الطبقية في المجتمع السعودي خاصة بين العائلة الحاكمة وبقية أفرادالشعب. وفكرة وجود حقوقيين في دول العالم، تعود إلى ضرورة وجود شخصيات محايدة تعمل على مراقبة الوضع الحقوقي بين السلطة والشعب، ومن ثم نقلها لمنظمات فاعلة قادرة على تشكيل ضغط على تلك الدول، لتقوم بتطوير أسلوبها، و النهوض بالمستوى الحقوقي بحق شعبها، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد ذكرت سابقا في تقارير لمنظمات عالمية حقوقية حول مستوى الانتهاكات داخل المملكة .

ولكن ما هي التهم الموجهة للشيخ نمر النمر؟

كما ورد في لائحة الاتهام فإن ما تم توجيهه للشيخ من تهم هو:

١- الدفاع عن المطلوبين في قائمة ال ٢٣ . وهي قائمة ضمت مجموعة أسماء لشباب اعتبروا خطرين على الدولة وأغلبهم من شباب الحراك المطلبي السلمي.
٢- إلقاء خطب تخل بالوحدة الوطنية ، وبمراجعة خطب الشيخ لايوجد فيها أي طرح مذهبي تمييزي بل جلها أطروحات مطلبية سلمية.

فالوطنية كي تتحقق لابد من إقامة لوازمها وهي أداء الدولة لواجبها اتجاه مواطنيها كي يحس المواطن بالانتماء لتلك الدولة فيؤدي بذلك حقها ، ومن حقوقها الوحدة الوطنية التي تحفظ الاستقرار الاجتماعي . فسلب الحقوق مدعاة للعقوق، وعدم توفير متطلبات المواطنة هو مدعاة للفوضى والخلل الأمني الاجتماعي.

٣- التجريح في ولي الأمر في خطب الجمعة .
٤- اعتبار أن الولاء لآل سعود يناقض الولاء لله ولرسوله .
٥-الاعتقاد بعدم شرعية نظام الحكم في البلاد.

والشرعية تكتسب من خلال عقد بين الحاكم والمحكوم تكون فيه مقبولية المحكوم للحاكم أحد شروط ذلك العقد وفق أسس الحكم العادل ، فهل هذا ينطبق على آل سعود الذين يطالبون اليوم بحق الشعوب في سوريا والعراق بالمشاركة في الحكم بينما

هم يرفضون أن يفعلوا ما يطالبوا به غيرهم؟

٦- دفاعه عن السجناء التسعة المنسيين وهم مجموعة تم اعتقالها بتهمة تفجير الخبر وإلى الآن لم تتم محاكمتهم .
٧- التدخل في شؤون دولة البحرين

وماذا نعتبر تشجيع السعوديين من قبل المؤسسة الدينية في السعودية ومن قبل جهات نافذة في الحكم للذهاب والقتال في سوريا والعراق ؟ وماذا نعتبر فتاوى العلماء في السعودية بحق دول وأنظمة مجاورة ؟ بل ماذا نعتبر ذهاب قوات سعودية إلى البحرين لقمع الثورة البحرينية قمعا عسكريا بينما الشيخ عبر سلميا عن رأيه في دعم الثورة وفق اسس حفظتها شرعة الأمم في التعبير عن الرأي .

٨- رفع خطبه على الانترنت .
٩- تأييد الهتافات التي تطلق ضد الدولة.
١٠- الدعوة لعدم نسيان الشهداء
١١- اتهام قوات الطوارئ بأنهم من قتلوا الشهداء ووصفهم بقوات إثارة الشغب.
١٢-تحريض الناس على الدفاع عن المطلوبين في قائمة ال ٢٣ .
١٣- التحريض على الخروج في التظاهرات .
١٤- وصف حكام الخليج بالظلمة .
١٥- التحريض على ضرورة إخراج درع الجزيرة من البحرين .
١٦- إظهار الفرح بعد وفاة وزير الداخلية نايف بن عبد العزيز.

وجلها تهم شخصانية تقع تحت حرية التعبير عن الرأي وحرية الاعتقاد ، مارسها بشكل سلمي لم يستخدم فيها أي عنف مسلح يهدد وجود الدولة واستقرار المجتمع أمنيا .

وتقع تحت حقه في المطالبات الحقوقية والدفاع عن المسجونين وفق أطر سلمية.
بل هي تهم لا ترقى لمستوى العقوبة التي يفترض أن تكون من جنس العمل.
هذا إذا تحدثنا من زاوية حقوقية صرفة.

أما لو سلطنا الضوء على موضوع إعدام الشيخ النمر من زاوية سياسية، فنستطيع القول أن الحكم سياسي تحول فيه الشيخ النمر لورقة ضغط إقليمية بيد النظام في السعودية للأسباب التالية:

١- الموضوع السوري وتداعياته حيث وضعت المملكة العربية السعودية ثقلها المادي والبشري والفتوائي في خدمة كل من يسعى لإطاحة النظام في سوريا.
٢- الملف اللبناني الذي خسر به حلفاءها وتم تحييدهم بالضربة القاضية من قبل خصومها في ٨ آذار.
٣- الملف البحريني وما تعنيه البحرين لها من حديقة خلفية تقع على حدودها الشرقية التي كانت تغلي بحراكات مطلبية متكررة ، وتاريخيا هناك تأثر وتأثير بين أهل الشرقية والبحرينيين سياسيا وحراكيا إضافة لروابط النسب والمصاهرة . وحيث أن الشرقية ثقل المملكة الاقتصادي حيث آبار النفط تقع غالبا فيها إضافة لأجود أنواع التمور يتم تصديرها من هناك وهي مصدر اقتصادي مهم جدا للملكة أيضا.
٣- الملف العراقي الذي غرقت في مستنقعه وخسرت فيه مواقع متقدمة بعد وصول نوري المالكي ، الذي وفق تقارير استطاع إبعاد العراق عن محور أمريكا – السعودية وأخذها لمحور الممانعة الرافض للتقسيم ولمشروع الشرق الأوسط الجديد.
٤- الملف اليمني وتداعياته وسيطرت الحوثيين الذين تعتبرهم السعودية ذراع إيران ، وحيث استطاع الحوثيين إسقاط المبادرة الخليجية التي صادرت الحراك الثوري فيها ، وتمدد الحوثيين ليصلوا إلى منفذ بحري مهم يطل على البحر الأحمر ، وهو ما يشكل خطرا يخنقها بحريا يضاف لمضيق هرمز.

والملاحظ أن هذه الدول: البحرين واليمن والعراق دول تشترك بحدود مهمة مع المملكة العربية السعودية وتؤثر بشكل كبير في الداخل السعودي من جهة، وفي الواقع الاقليمي من جهة أخرى نتيجة الدور الإيراني المتقدم فيها ، إضافة للأهمية السياسية المؤثرة في موقعها الجغرافي لكل من سوريا ولبنان في الصراع الممتد تاريخيا بين المدرسة الوهابية المتحالفة مع آل سعود ومدرسة الاخوان المسلمين المتحالفة حاليا مع الأتراك أصحاب الخلافة العثمانية التي واجهت آل سعود تاريخيا وحجمت من أدوارهم وتمددهم.

إذا مع هذه الظروف السياسية الإقليمية ، يتضح صراع الوجود والوظيفة الذي تخوضه السعودية ضمن محورها وتحالفاتها مع أمريكا والغرب ، ضد إيران وحلفائها كروسيا وسوريا والصين ، فحلف يناهض الشعوب رغم شعارات التحرر ويسعى للهيمنة وبسط النفوذ ، ويشيع الفوضى بكل مصاديقها وأخطرها الفوضى المذهبية من خلال الدعم اللوجيستي والمادي لداعش وغيرها من الحركات المتطرفة ، ويبتعد حتى عن الإدانة اللفظية للكيان الصهيوني حتى حينما يمعن في قتل الغزاويين ، وحلف يسعى للتحرر الحقيقي ويوجه بندقيته باتجاه الكيان الصهيوني ، ويرفض عمليا كل محاولات الاقتتال المذهبي بل يمضي في دعم حركات التحرر المقاومة والمنهاضة للامبريالية العالمية.

وأحد الأدلة على الضغط السياسي هو تصريح وزير خارجية السعودية سعود الفيصل ضد إيران المفاجيء ، رغم شياع جو إيجابي سابق بين الدولتين بعد إعلان زيارات متبادلة بين البلدين ، في ليلة سابقة ليوم الحكم على الشيخ نمر النمر ، ثم تلاه في اليوم التالي إصدار الحكم بالإعدام على الشيخ .

وهو ما يعتبر مؤشر مهم في تسيس الحكم وتحويله لورقة ضغط إقليمية تضاف للورقة النفطية التي استخدمتها السعودية من خلال إغراق السوق بالنفط ، للنزول بسعر البرميل لأسعار تشكل خطرا اقتصاديا ضاغطا على روسيا وإيران المحاصرة إقتصاديا .

فمذابح البشر باتت ثمنا لصفقات السياسة ، لذلك نحتاج حراكات حقوقية عالمية تضغط لتعديل الوضع الحقوقي في داخل الحجاز، ومطالبة السلطات السعودية بالنأي بالقضايا الإنسانية عن المساومات السياسية ، وحراك إقليمي ضاغط يمنع تحويل السجناء، خاصة السياسيين لورقة سياسية ضاغطة يساوم بها مع الآخرين ، وكأن حياة رموز كهؤلاء هي ملك لولي الأمر يفعل بها ما يشاء، وبتسهيلات فتوائية من المؤسسة الدينية من وجهة نظر مدرسة لا ينتمي لها أغلب السجناء، ويختلفون معها في تشخيص ماهية ولي الأمر أولا ، وشخص كانت تهمته حراكه المطلبي في الدفاع عن المظلومين والمطالبة بحقوق المواطنة ثانيا.

السكوت عن إعدام رمز ديني كالشيخ النمر ، هو تأسيس وتعميق لسياسة تكميم الأفواه ، ورضا بهيمنة مدرسة دينية في التشريع والتشخيص بطريقة إقصائية جبرية سياسيا واجتماعيا ، وهو انتهاك واضح لحق المواطنة الذي تدعيه المملكة بحق شعبها.

فلا طاعة لولي أمر لا يؤدي واجباته اتجاه شعبه،ولا طاعة لولي أمر لا يوجد له مقبولية ضمن عقد بين الحاكم والمحكوم ، في وقت يطالب به ولي الأمر ذاته بحق شعوب أخرى في اختيار حاكمها والنظام الذي يدير وطنها.

كان الشيخ نمر النمر سجين رأي ينتمي للمؤسسة الدينية، ومواطن من الجزيرة العربية “السعودية حاليا”، وقف أعزلا أمام قضاء جائر وواجه الموت ظلما فقط لأنه واجه ظلم السلطة وطالب باصلاحات سياسية ومطالب حقوقية ، دفعت في سبيلها السلطة في السعودية أموالا طائله في سوريا والعراق ومصر وليبيا، لو أنها أنفقت هذه الأموال على الاصلاح الداخلي في السعودية لكانت قدمت نموذجا في الديموقراطية ، بدل أن تكون طرفا في الصراعات الإقليمية بحجة الاصلاح السياسي ، بينما تمارس القمع والاعدام بحق شعبها لمجرد طرحه نفس المطالب التي تطالب بها هي لشعوب أخرى.


[1] محمد شخمان-المواطنة-جمعية المشعل للثقافة والفن

[2] فتحي سيد فرج-الحوار المتمدن-المجتمع المدني العدد 1588 – 2006 / 6 / 21

[3] http://m.hrw.org/ar/world-report-%5Bscheduler-publish-yyyy%5D/2013-2

[4]http://www.almayadeen.net/ar/news/gulf-tDvO6tE8VECPCKOkAIfSPg/تقاريرحقوقيةانتهاكاتالسعوديةتصلإلىمستوياتمرتفعة

[5] http://islamqa.info/ar/138334

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى