النشرةتقاريرسينالهم غضبوما قتلوه

إضاءات على حياة الشاهد الشهيد آية الله النمر

زينب العلي ـ خاص مرآة الجزيرة

يمثل الشيخ الشهيد آية الله نمر باقر آل نمر (رضوان الله تعالى عليه) رمز قيادي عالمي جسَدَّ الإمام الحسين (عليه السلام) سيرةً ومنهاج، فاختار مبدأ الأحرار الذي يرفض لباس الذل والخوف ويُلْبِس الحياة رداء الكرامة والقسط، ولو كان الثمن الشهادة حتى آخر رمق من الموت وأول مسيرة التخليد الأبدي.

أضافت الهجرة المبكرة لآية الله الشهيد النمر من بلاد القمع وتكبيل الحريات ودراسته في الخارج مستوى مختلفاً من التبحر في العلوم ونطاق أوسع من الحرية، وأتاحت له غزارة المكتبات ودور النشر المتنوعة ما لم يوجد في البلاد من فرص استغلها للإنتهال من الكتب المختلفة والاغتراف من معين المعرفة في شتى المجالات، فكانت مكتبته المتنوعة خير دليل على التنوع المعرفي الذي تمتع به وحصيلته الضخمة الدينية والثقافية والمعرفية، وكان يميز كتبه الخاصة منذ شبابه ختم أسود يشير لكون ملكيتها تعود إلى “نمر باقر أمين النمر” من “شبه الجزيرة العربية”.

وهكذا ومنذ عودة الشيخ الشهيد رضوان الله تعالى عليه من المهجر عام 1414 هـ دأب بروحه العالية على نشر الوعي والمعرفة وتثقيف المجتمع بحقوقه والإشارة لإمكانيات الأفراد وتعزيز الطاقات وتوجيهها للعمل التنموي الإيجابي، وهو ما بدت جلية ثمراته على مدى السنوات في تخريج شباب وشبائب على مستوى عالي من المسؤولية والطاقة والوعي الرسالي والاسهام الاجتماعي.

العقل أساس الاستناد

ولذلك عمل على تعزيز فكرة أهمية استخدام العقل ودور التفكير في جميع مجالات الحياة بعيدا عن البساطة والجهل بل بالأخذ بالمسببات وعرضها على ميزان العقل ونور العلم والدلائل، مؤكداً أن “وحي السماء يحتاج لعقلاء يفهموه ويسمعوه ويطبقوه”، ومستشهداً بالآية القرآنية (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).

فقام بإلقاء ما يقارب 200 محاضرة قصيرة تتعلق بـ “بحوث العقل” مدتها لا تتجاوز 12-15 دقيقة، تناول فيها أهمية ترجيح العقل للنجاة من مصايد الأهواء والاستكبار والخضوع للظلم أو ممارسته، السلوكيات التي تنتج نفس ميالة لإنكار الحقيقة وبالتالي الانقياد نحو ما لا يتناسب مع القيم الإنسانية التي تسير بالمجتمعات نحو التقدم، كالاحترام والحرية والاخلاص والحقوق والعدالة وحسن الخُلق.

مصالح البشر أم قيم السماء

ولفت الشيخ الشهيد آية الله النمر (رضوان الله عليه) في عدد من خطاباته إلى مسؤولية الأفراد والمجتمعات في اتخاذ موقف حاسم فإما ترجيح كفة مصالح البشر ورضى المجتمع وقبول ظلم الحاكم أو اختيار قيم السماء والصبر، خصوصاً فيما يتعلق بتوعية المجتمعات حول بعض الممارسات المغلوطة ونشر الروايات المكذوبة وبعض التقاليد والحزبيات والمصالح والخرافات التي لا أساس لها من الصحة، مما يؤدي لاتساع الخرق على الراقع وتقويض طريق الإصلاح والحرية، ويؤدي للتراجع وتخلي الإنسان عن مسؤوليته بسبب إما الخوف والرهبة أو المصالح والوجاهة.

وكان في مقاله (أيّها الوجهاء!! … مَنْ منكم وجيهٌ حقاً؟) رسالة موجهة للوجهاء لإعادة مراجعة الذات وكذلك رسالة موجهة للمجتمع لإعادة تقييم بعض الأفكار البالية التي تساهم خفية في نصرة الظالم والشد على يد مساعديه من أبناء المجتمع الواحد، فيقول: “من حق المجتمع ومن الرشد والحكمة والعقل أن يسأل المجتمعُ هل هذا الإنسان وجيهٌ حقاً؟ وهل هو لسانُ المستضعفين؟ أم هو بوقُ زورٍ، وعبدٌ ذليلٌ، وذيلٌ حقيرٌ للطاغي؟. ولكنه يستضعف المجتمع، ويتسيَّد على المستضعفين، فكثيرٌ – وليس الكل – ممن يدَّعي ويزعم الوجاهة ما هم إلا أبواقُ زورٍ للطغاة، وعبيدٌ لهم، حيث اتخذوا الطغاة آلهة لهم لعلهم بعزة الطغاة – كما يتوهمون – يتسيدون على المستضعفين من المجتمع، ويحققون تطلعاتهم الوهمية، وطموحاتهم الشيطانية، وينتصرون على مَنْ ينافسهم الزعامة والتسلط على الناس، ويتغلبون على أزمات ومعوقات الحياة التي يصنعها الطاغي. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ (44) سورة الشعراء. والحال والحقيقة أن العزة لله جميعاً، وليس للطاغي فيها ذرة من خردل. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا﴾ (139) سورة النساء.”

الدين الحق يتسع للجميع

وعمد الشهيد على تسهيل أمور الدين ليكون في متناول كافة طبقات المجتمع، وكان من المعروف عنه إصراره على عدم التطرف مثلاً في تثبيت بداية شهر رمضان أو نهايته وهي من الممارسات المعتادة في البلاد التي يقوم فيها علماء الدين بسؤال الشاهد عن تفاصيل دقيقة عن الهلال ورفض العديد من شهادات العدول.

كما حارب الخرافات السائدة في المجتمع مؤكداً أهمية “وجود قيادة تُؤمن بكل ما في القرآن، قيادة تملك روحَ التجديد، تتصدى للمجتمع، تواجه كل سلبيات المجتمع، لا تخشَ أحداً، لا تخاف أحداً، تناقش التراث بكل جرأة، تناقش الأفكار، تتكئ على الدليل والبرهان: “نحن أصحاب الدليل” هذه عقيدتنا، هذه هي الإنسانية؛ بل هي الحجة”.

الكرامة هي الوقود.. والمسؤولية للجميع

وهكذا عمل الشيخ الشهيد على غرس قيم أساسية من خلال خطاباته ومقالاته وحواراته وهي الكرامة والعدالة والحرية التي يقودها ويغذيها سراج العقل والعلم والرشد. واعتبر أن “من يستشعر الكرامة لا يمكن لقوة أن توقفه” عن المطالبة بحقوقه أو الاحتجاج ضد الظلم في حال وقع عليه، مشيراً لكون ممارسة هذا الحق يُجَرم ويُحَرم ضمنياً في الأوطان العربية إجمالاً، حيث يصادر حتى الحق في التفكير فما بالك بممارسة ما لا يتفق مع أهواء السلطة. وحين يكون الحاكم في أعلى برجه لا يدرك مدى مصداقية المطالب الشعبية وأحقيتها وبالتالي قوتها، فمن يعاني من البطالة من حقه المطالبة بالوظائف ومن لديه سجين من حقه المطالبة بالعدالة ومن تُسلب إنسانيته من حقه المطالبة بالكرامة وكل ذلك يجب أن يجري بشكل طبيعي دون خشية السجن أو التنكيل. 

ورفض الشهيد (رضوان الله عليه) استخدام بعض الوجهاء ورقة الأمن والاستقرار لدفع الناس عن مطالبهم المحقة وتخويفهم من الدفاع عن حقهم الطبيعي في الحصول على الكرامة والقسط، وخلط جميع الأوراق وتجميل الواقع المظلم باسم المواطنة، كما أشار لاستخدام الإعلام لنشر رسالة الطاغوت وتروجي أفكاره المتطرفة والمتحيزة، مؤكداً أن جمال المجتمعات يأتي من اختلاف مكوناتها وهو ما لا يتناسب مع أجندة الأنظمة الاستبدادية.

وفي ذات الوقت الذي تحدث فيه عن وقود الإصلاح الاجتماعي والسياسي نادى لرفع سقف المطالب بالحقوق بدءاً بالكرامة التي تمثل قيمة الحياة الحقيقة وتُعد النبع المغذي لجميع الحريات و”الحقوق الإنسانية من العدالة والحرية والأمن والرفاه”، مشيراً إلى بعض التكتيكات التي يستخدمها الطغاة لتخدير المجتمعات الممنوعة من حقها في “الكلمة الحرة” كإشغال الأفراد والطوائف بالسهي وراء أهداف وهمية والركض خلف “فتات” الحقوق عوضا عن المطالبة بالحقوق الأساسية الكبرى.

وركز الشهيد آية الله النمر على مفصلية قيام العلماء بدورهم الحقيقي حيث أن “الطغاة من حكام ومعممين يقتلون الكفاءات الاجتماعية والأطفال “عبر تدمير المجتمعات تحت مسميات مختلفة تتلون وفقاً لأهواء المصالح أو الأعرف دون تحمل المسؤولية سواء في الفعل أو الكلمة أو في الصمت.

بصائر رسالية

وخلال مسيرته تناول مواضيع تتعلق بشمولية العمل الرسالي ونشر ثقافة أهل البيت وغرس القيم الإنسانية العظيمة عبر نقل الصورة التاريخية الإنسانية للأحداث وانعكاساها على الواقع الحالي وبالذات خلال المناسبات الدينية كالمبعث ومواليد الائمة واستشهادهم (صلوات الله وسلامه عليهم)، وذلك حتى تكون صورة القدوة للشباب مستبطنة من سير أهل البيت (عليهم السلام) كخطوة أولى للعيش وفقا لقيم سماوية عظيمة ورواسخ إنسانية عالية.

وكان التدبر في القرآن والبصائر القرآنية جزء من برنامجه التوعي لإعمار الأرض، فقام بعمل حلقات التأمل في القرآن وربط الآيات بالإنسان وتهذيبه الأخلاقي والروحي وربط الفكر القرآني بالواقع المعاصر من ناحية فلسفية هدفية. لينعكس بذلك الخطاب القرآني على سلوك الأفراد والمجتمعات، فالقرآن يدعو إلى تهذيب النفس وتعزيز احترام وتقدير الآخر وبالتالي يؤدي إلى بيئة تنموية وإنتاجية أعلى واستعدادية أكبر للعمل.

المرأة ..الفقيهة، العالمة، المكتشفة

وأكد الشهيد آية الله النمر في عمله الدؤوب على دور المرأة في المجتمع رافضاً أن يكون لطموح المرأة حد أو إطار سوى الدين وشرع السماء، بل ودعا لسعيها للوصول إلى “درجة عليا من الكفاءة تمكنها من التنظير والتفكير العميق لتطوير مجتمعاتنا وقيادتها، في الدين لا بد أن تبلغ درجة الفقاهة، في مجال الطب لا بد أن تبلغ مقام القدرة على الإبداع والاكتشاف لمعالجة كثير من الأمراض لا أقل ما يرتبط بالمرأة، وكذلك في المجال الاجتماعي لا بد أن تبلغ المرأة درجة عليا من فهم المجتمعات ونتطلع لأن يكون للمرأة دوراً صفاً مع الرجل كما كانت فاطمة صفاً مع علي وزينب صفاً مع الحسين، لا بد أن تكون المرأة صفاً مع الرجل، ومن يرفض ذلك لا بد أن يرفض موقف وموقع فاطمة وزينب.”

الصبر والبشرى والشهادة

واعتبر الشيخ الشهيد النمر الصبر مفتاح الخير، وأن العمل لله يمثل معنى الحياة، فهو من واسى والدته حين بُشر بالشهادة بقوله الصلب: “تقدير الله خيرٌ من تقديرنا، واختياره خير من اختيارنا، نحن نختار شيئاً ولكن اختيار الله هو الأفضل لنا، ونحن نطلب شيئاً ونقول لله أختر لنا ما فيه خير عندك، الله سبحانه وتعالى له الأمر وله الخلق، لا أحداً يقدر أن يحرك ساكناً في هذا الكون إلا بمشيئة الله، لا شيء خارج عن عين الله، عن إرادة الله، وهذا يكفي يا أمي؛ ما دامت كل الأمور تحت عين الله، تحت إرادته، هذا يكفي، هذا يكفينا، أمانة الله عليكِ”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى