الرئيسية - إقليمي - بين “السترات الصفراء” والقطيف

بين “السترات الصفراء” والقطيف

مرآة الجزيرة

تُعد المظاهرات والاحتجاجات والمسيرات المطلبية وسائل ضغط شعبية تمارس على الحكومات لإيصال صوت المواطن ومطالبه الحقوقية والإصلاحية وتساهم في إيصال رفضه لوقوع الظلم وعدم تحقق العدالة في بلاده إلى أعلى المستويات. ومن المفارقة أن تجد الحكومات العربية تستخدم ذات الاستراتيجيات والتكتيكات لتجريم وتهميش الفئات التي تعمل لإصلاح حال الأفراد في المجتمعات أو الدفاع عن حقوقهم، كما تقوم بالتشهير بها واتهامها بـ”إثارة الشغب” و”الإخلال بالنظام” وتعمل على محاربتها عبر كافة الوسائل المتاحة في الأنظمة القمعية رافضةً رفع أيٍ كان لراية المطالب الحقوقية أو التغيير.

وأتى انتصار التظاهرات في فرنسا خلافاً لما اعتادته الشعوب العربية من قمع قاسي واستخدام أبواق السلطة لوصم الحراك المطلبي و كافة الأنشطة الحقوقية، رغم سلميتها، بتنفيذ “أجندات خارجية” واتهام الناشطين بـ”التجسس” أو “العمالة”، واستهداف الحقوقيين بتوجيه تُهم فضفاضة كـ”الخروج عن طاعة ولي الأمر” و”الإساءة لسمعة المملكة” لإصدار أحكام انتقامية بالسجن لفترات طويلة او حتى بالإعدام، تحققت إرادة الشعب في فرنسا وانتصرت حركة “السترات الصفراء” رغم محاولات الحكومة الفرنسية في البداية لإخماد الحراك، وبالرغم من الأضرار التي لحقت نتيجة حدة بعض المتحتجين لم يستطع أحد اتهام المتظاهرين بالعمالة أو الإرهاب أو التشكيك في أحقية مطالبة الشعب بحقوقه، فيما قوبلت عمليات القمع الأمنية بإدانة واسعة.

من؟

في فرنسا ضمت حركة “السترات الصفراء” شريحة واسعة من المتظاهرين على اختلاف أعمارهم ووظائفهم ومناطقهم، وشملت العاطلين عن العمل والمتقاعدين من ذوي المعاشات المنخفضة والموظفين من ذوي الحد الأدنى من الأجور، كما انضم فيما بعد العديد من الطلاب.

وفي القطيف خرج الأهالي عام 2011  في المسيرات الاحتجاجية السلمية في كافة مدن المحافظة، ذات الأغلبية الشيعية التي تضم حوالي 10 بالمئة من المواطنين في “السعودية” البالغ عددهم حوالي 20 مليون نسمة (وفقا للهيئة العامة للإحصاء في المملكة). وشاركت شريحة واسعة من أهالي منطقة القطيف، التي تعد محورية في شرقي “السعودية” لتركز آبار البترول والنفط فيها، في التظاهرات والاحتجاجات المطلبية.

لِمَ؟

في فرنسا طالبت حركة “السترات الصفراء” بإلغاء ضريبة الوقود، وتعديل رواتب التقاعد، وحل لمشكلة البطالة، بالإضافة لانضمام حركات طلابية محتجة على ارتفاع رسوم التعليم الجامعي. فكان المطلب الأساسي للحركة الاحتجاجية هو وقف ارتفاع تكاليف المعيشة وتعزيز القدرة المالية لدى الطبقة المتوسطة وعدم جر الشعب للفقر.

في القطيف طالب المتظاهرون بإيقاف التهميش والطائفية المقيتة ضد أفراد المنطقة، بالإضافة إلى المساواة الكاملة في الحقوق مع بقية المواطنين وإيقاف كافة أنواع التمييز. وإلى جانب ذلك طالب المحتجون بسن قوانين تكفل الحق في حرية التعبير عن الرأي سلمياً ورفع التمييز في تقلد الوظائف والمناصب والاعتراف رسمياً بالمذهب الشيعي وما يترتب على هذا الاعتراف من خطوات وإجراءات تعزز حق الطائفة في بناء المساجد والحسينيات والحوزات العلمية والسماح بالكتب الدينية وإنشاء المحاكم ذات الصلاحيات الكاملة وتعديل المناهج الدراسية وسن قوانين وعقوبات تجرم التطرف والتكفير والإساءة للشيعة وعقائدهم عبر الخطب والكتب ووسائل الإعلام.

كم؟

في فرسنا سقط 4 أشخاص قتلى منذ بدأ الاحتجاجات قبل 3 أسابيع وحتى الآن، وتم اعتقال ما يزيد عن 400 متظاهر، في حين شارك في الاحتجاجات حوالي 136 ألف شخص في كامل أنحاء البلاد.

في القطيف سقط ما يزيد عن 40 شهيد إثر احتجاجات سلمية واجه فيها المتظاهرون مدافع السلطات بالكلمة والشعارات، فقُتِلوا في الشوارع والسجون وعبر المحاكمات الصورية، كما تستمر السلطات السعودية بشن حملات الاعتقالات التي حصدت المئات من أهالي المنطقة واستهدفت جميع فئات المجتمع القطيفي نساءً ورجالاً وأطفالا.

النتيجة

في فرنسا تم تعليق رفع زيادة الضرائب على المحروقات لمدة ستة أشهر، بالإضافة لذلك تم تعليق زيادة أسعار الغاز والكهرباء خلال الشتاء المقبل، وقال رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب في تصريحه أن “لا ضرائب تستحق أن تعرض وحدة الأمة للخطر” وأن “أبناء الشعب الفرنسي الذين ارتدوا السترات الصفراء يحبون بلدهم، ويرغبون في ضرائب منخفضة ويريدون أن يكون راتبهم كافيا، وهذا ما نرغبه كذلك”.

وفي القطيف قامت السلطات السعودية بزيادة التضييق وتشويه الحراك، وفي الوقت الذي وعدت فيه بالجلوس لحل الأزمة والاستماع لمطالب الأهالي استهدفت قوات الأمن التابعة لها الشباب القطيفي في الشوارع بالرصاص الحي وأدت لسقوط العديد من القتلى والجرحى. كما استهدفت المنطقة بالاعتقالات والسجن وانتقمت بإصدار الأحكام القاسية عبر “قانون الإرهاب” وأجرت الإعدامات التعسفية وفقاً لقضاء مسيس خالي من أدنى معايير العدالة والشفافية. وأسفر القبول بتلك التجاوزات الحقوقية السافرة إلى حصول المزيد وارتفاع مستوى الانتهاكات والقمع سواء في المنطقة او في جميع أنحاء البلاد، ويشهد على ذلك استهداف الناشطات الحقوقيات والعلماء والمثقفين والحقوقيين في البلاد بالسجن أو بالاغتيال.

لماذا..؟

في فرنسا انتصرت الديمقراطية وتكاتف الشعب وصموده، ولم تُجرم المطالب لارتفاع نسبة الوعي الشعبي بالحريات والحقوق.

في القطيف تآمر النظام مع كافة مؤسساته لتشويه الحراك وإثارة الرعب للقضاء على الحراك وتغييب رموزه، ولعبت السلطات على وتر الطائفية لتعزيز الفجوة بين أطياف المجتمع وتغيير معادلة الحقوق وتغييب القضية الأساسية. كما استخدمت الإعلام التابع لها للتشهير بالأسماء وإطلاق قوائم المطلوبين مع الصور واتهامهم بالإرهاب على خلفية نشاطاتهم الحقوقية ومشاركتهم في المسيرات وتنظيمها من غير أي مراعاة لحقوقهم القضائية، وعملت على عزل المنطقة وترهيب ساكنيها بالتهديد والملاحقات والاعتقالات. أضف إلى ذلك خيانة الوجهاء والعلماء والمثقفين عبر ترجيح كفة المصلحة الخاصة أمام مصالح الأفراد.

وختاماً نقول كما قال التاريخ ولخص الشاعر أبو القاسم الشابي في أبيات قصيدته إرادة الحياة:

إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الـحيــاة                  فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ

ولا بــــدَّ للــيـــل أن ينجـــلـــي                  ولا بــــدّ للـــقيـــد أن ينكســـرْ

ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة                تبـــخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثـــرْ

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك