الرئيسية - إقليمي - سياسة الانفتاح أم تسويق سياسي!

سياسة الانفتاح أم تسويق سياسي!

مرآة الجزيرة

في حين سوقت كل من وسائل الإعلام العربية والعالمية لسياسة الرياض الجديدة وتحدثت عن العهد الذهبي الذي يعد بالمزيد من “الانفتاح” والمدنية، غابت الإصلاحات الحقيقة المنتظرة عن المشهد الإقليمي وزُج بالنشطاء والحقوقيين والمعارضين ومطالبهم في داخل السجون وخلف القضبان. لتبقى الساحة خالية للمصفقين وأبواق السلطة للاحتفال بهذه “الانتصارات”.

وتجد المفارقة كبيرة جداً والمسافة واسعة بين المطالب التي رفع الإصلاحيون في البلاد رايتها، وبين رياح التغيير الموسمية التي تصب في مصلحة السلطة ولا تمثل تغيير حقيقي أو محوري في المفاهيم السياسية والثقافية والدينية في البلاد.

التنمية أو الترفيه؟

تم افتتاح وتشغيل دار العرض السينمائي الأول، بعد منع دام لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن، وذلك في الرياض في 30 أبريل/ نيسان 2018، وهو ما شهد إشادة عالية كخطوة إيجابية ستسهم في توسيع أفق المجتمع عبر عرض محتوى عالمي فني وثقافي متنوع. وصرح المسؤولين في البلاد عن الأثار والأهداف المنشودة من هذه الخطوة الإيجابية سواء على “تحسين جودة الحياة” أو على تعزيز وإنعاش اقتصاد البلد.

في المقابل نجد غياب وتجريم لتأسيس المراكز والديوانيات الثقافية ومؤسسات المجتمع المدني كما حدث في قضية المحامي والناشط الحقوقي المعتقل وليد أبو الخير مؤسس مرصد حقوق الإنسان في “السعودية”.

كما يتم إغلاق وتقليص حجم عدداً من المكتبات العامة، ويهمل إنشاء وتجديد المؤسسات التعليمية والجامعات والمراكز التدريبية مع الحاجة الملحة والمتنامية إليها لمحاكاة متطلبات سوق العمل العالمي، لتؤهل الشباب لخوض غمار المستقبل بتنافسية عالية تتناسب مع مستوى الكفاءات ومنزلة البلاد.

تقليص حجم المكتبة التراثية

في الوقت ذاته يحرم الشعب من وجود منظمات ومؤسسات المجتمع المدني المستقلة التي تسهم في صقل وتحسين وتطوير المؤسسات التعليمة والصحية والحقوقية المختلفة وتعمل على تحسين مستوى حياة المواطن، وتتصدى للمشاكل وتراقب التجاوزات وتحافظ على الحق العام تحت إطار قانوني مصرح به.

المرأة بين الحق والاستحقاق

وانفردت البلاد بكونها الوحيدة التي منعت المرأة من حقها في القيادة حتى 24 يونيو/ حزيران من العام الحالي، وفي خطوة اعتُبرت تاريخية على مستوى البلاد بدأت النساء بقيادة السيارة جنباً إلى جنب مع الرجل.

ولكن تزامناً مع الحملات الإعلامية التي نقلت “النصر التاريخي” لحقوق المرأة شهدت البلاد حملة اعتقالات واسعة شملت عدة ناشطات عرفن بدفاعهن عن حقوق المرأة فيما مُنعت أخريات من السفر، وهو ما أدانته المنظمات الحقوقية العالمية، كمنظمة هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، وأكد النشطاء والحقوقيون أنه يتناقض كلياً مع وعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الإصلاحية. وفي هذا الصدد أطلقت منظمة العفو الدولية عدة مناشدات وحملات تدعو “لوقف قمع السعودية للحريات”، و”الحرية للمناضلات السعوديات”، كما علقت سارة ليا ويتسون المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط في منظمة هيومن رايتس ووتش: “تبدو الحكومة السعودية عازمة على ألا تترك لمواطنيها أي فرصة لإظهار مجرد الدعم الخطابي للناشطين المسجونين في حملة قمع المعارضة، التي لا ترحم”، مشيرة لاعتقال ناشطات أعربنّ عن دعمهن وتضامنهن مع زملائهم من النشطاء والناشطات المعتقلين في السجون السعودية، مثل نوف عبدالعزيز ومياء الزهراني.

أما الأبعاد الحقيقية لتحسين وضع المرأة في البلاد، فلم يرصد تغير يذكر. حيث لا يزال موضوع “الوصاية” قائما ولا تزال أبواب الحريات تخدم أجندة السلطة وتوجُهها وحدها ويعاقَب من يخالف ذلك. فترى النيابة العامة السعودية تطالب بعقوبة الإعدام بحق الناشطة الحقوقية إسراء الغمغام على خلفية نشاطاتها المطلبية السلمية ومشاركتها في المسيرات، فيما تتهم حقوقيات أخريات بالتجسس وتواجهن “التخوين”.

كما تُستَخدم منصات التعليم لتهميش دور المرأة وذلك عبر المناهج الدراسية المسيئة للمرأة ودورها المهم في المجتمع والتي من شأنها تربية جيل على مفهوم “غير إسلامي” لا يحترم النساء. فترى النصوص تُدعم أن المنزل هو المكان المناسب للمرأة ووظيفتها هو “حسن التبعل”.

مناهج مسيئة للمرأة- مواقع التواصل

فترى مناهج التربية الأسرية تخل بمفهوم التربية وتشوه قيمة الأسرة في أذهان الأجيال الناشئة عبر استدلالات خاطئة.

انفتاح ديني أم ..!

جرى الحديث في الأيام السابقة عن إقامة أول قداس للأقباط في “السعودية” يوم السبت الماضي، في الوقت ذاته الذي غابت فيه الحريات الدينية الأساسية عن المنطقة وتم تهميش الطوائف وتجريم الإنتماء وممارسة الشعائر عبر كافة المنابر الإعلامية والقضائية والتعليمية، وهو ما كان له انعكاس سلبي شديد على شريحة واسعة من المجتمع.

فبالإضافة لحملات الاعتقالات الممنهجة والاستهداف الطائفي الذي لا يزال موجوداً في المناهج الدراسية، شهدت مناطق القطيف المزيد من التضييق منذ مطلع العام الهجري الجاري، فحيث قامت السلطات السعودية بمنع عدة أنشطة تُقام لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، كما قامت باستدعاء وتهديد العديد وتم توقيعهم على تعهدات بعدم إقامة الأنشطة من جديد. وشملت قائمة التضييق منع المواكب، وهدم الخيام والمضائف الحسينية، ومنع الأنشطة الثقافية والفنية كمعارض التصوير والتمثيليات التي تتعلق بالمناسبة.

هدم المضائف الحسينية بالقديح- أرشيف

وهو ما اعتبره أهالي المنطقة مناقض لما تحاول السلطات ترويجه من انفتاح ديني، كما رفض العديد من الأقباط تسييس السلطات السعودية للقداس واستخدامه لتحسين صورة المملكة الحقوقية، وأعربوا عن خشيتهم من ملاحقة المتطرفين لهم في “السعودية” بسبب تداول الإعلام الواسع للحدث.

إقامة أول قداس للأقباط في “السعودية”- مواقع التواصل

التطرف منهج وفكر

في مقابل تقليص صلاحيات هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ووعود السلطات السعودية وابن سلمان نفسه بالقضاء على التطرف، استُخدام الفكر المتشدد والتفسيرات المتطرفة للنصوص والأحكام الدينية لإطلاق أحكام سياسية قاسية لتجريم النشطاء والمصلحين والمعارضين وإنزال أشد العقوبات بهم، حيث تستخدم العقوبات “التعزيرية” استنادا على فكر متشدد دون أدلة يعطي صلاحية للقضاء بإطلاق أقصى العقوبات على تهم كـ” الخروج عن طاعة ولي الأمر” أو “خلع البيعة” وصلت لإعدام الأطفال والأبرياء عبر قطع الرؤوس.

إصلاح اقتصادي

وحتى في مجال الإصلاحات الاقتصادية المزعومة ومحاربة الفساد والاحتكار المالي، تم تجنيب دور القضاء كلياً فيما تمت تصفية الحسابات داخلياً، ولم يطال المواطن من ذلك كله سوى “ضريبة القيمة المضافة” التي أتت فوق الفقر والبطالة وغلاء المعيشة لترهق أفراد الشعب أكثر وأكثر. وذكرت التقارير الرسمية “السعودية” وجود ما يزيد عن مليون مواطن يبحث عن عمل، واقترنت ظاهرة البطالة بالفقر، فوفقاً لبحث أجرته صحيفة “واشنطن بوست” فإنه يوجود حوالي 2 مليون و400 ألف مواطن في “السعودية” يعيشون على أقل من 530 دولاراً / 1988 ريالاً شهرياً (بمعدل 17 دولار / 64 ريال كل يوم).

الانفتاح الحقيقي يبدأ بإجراء إصلاحات جذرية تعمل على تعزيز مكانة المواطن وتحفظ حقه وكرامته، عن طريق احترام الأسس الإنسانية وسن القوانين المدنية وتفعيل دور الدولة والمجتمع في هذه العملية. فمشاركة المواطن من مختلف أطياف المجتمع على كافة الأصعدة يعد حاجة ماسة سواء في الإنماء التعليمي أو القانوني أو الاقتصادي أو الديني أو الصحي أو الحقوقي.

وحين يكفل القانون للمواطن القسط والعدالة، ويعزز حقه المتساوي في الفرص الاقتصادية والتنموية، ويسن احترام الأديان والمعتقدات ويكف عن استهداف التغيير الذي هو من سنن الحياة سيؤدي لمشروع بلد ناهض ومواطن حر ومنتج ومتسامح يواكب العصر والمستقبل.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك