الرئيسية - النشرة - الحكومة اللبنانية أمام تحدّيات خطيرة.. وواشنطن عازمة على استنزاف السعودية حتى آخر قطرة نفط  

الحكومة اللبنانية أمام تحدّيات خطيرة.. وواشنطن عازمة على استنزاف السعودية حتى آخر قطرة نفط  

يقفُ اللبنانيون على بُعد قاب قوسين أو أدنى من الحكومة الجديدة التي دأبت العرقلة والتعطيل منذ أعوام، العيونُ شاخصةٌ نحو الأعلى بإنتظار صعود الدخان الأبيض من مبنى السراي الحكومي، آمال وأحلام في إصلاح ما أفسده الدهر لا بل السّاسة أنفسهم حاملةً معها الكثير من التساؤلات عن هذا التحوّل المُريب وكأن النداء الإقليمي أو الدولي جاء ليلاً على عُجالة “شكّلوا الحكومة حالاً”، وهو ليس بالأمر البعيد. بلدٌ أغرقته الأيادي الخفيّة بالفوضى والفساد عبر بعض المرتزقة المنتفعين سعودياً لضرب المقاومة والتصدّي لإيران في خضم المعركة السياسية، وها هي الدولة التي لم تحمل إسماً حتى الآن تقع في شباك سياسات ولي عهدها المتهور، فبعدما كان أمس يحقنُ مرتزقته بالنفط لإشعال الساحة اللبنانية، يحترق اليوم والنار آخذة فيه بلا هوادة. في هذا الإطار كان ل “مرآة الجزيرة” حوار مع مدير مركز “دال” للإعلام، الأستاذ فيصل عبد الساتر.

مرآة الجزيرة – حوار زينب فرحات

انطلق الكاتب والمحلل السياسي اللبناني الأستاذ فيصل عبد الساتر من تفسير أسباب المضي قدماً في تشكيل الحكومة اللبنانية إثر التلويح الفرنسي لحرمان لبنان من قروض “سيدر”، إذ أكد أن تأخير تشكيل الحكومة في لبنان بات تقليداً موروثاً في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد 2005 نتيجة الإنقاسمات السياسية الحادة في لبنان منذ تلك الفترة، لافتاً إلى أنها ليست المرة الأولى التي يتأخر فيها تشكيل الحكومة نتيجة العقبات والعراقيل وبسبب البنية الطائفية للنظام اللبناني الذي يرمي للحفاظ على حصص وزارية بإسم الطائفة تارةً وبإسم المذهب أو الحزب تارةً أخرى.

الوزارات اللبنانية في امتحان عسير

العرقلة الحاصلة، كما يرى الأستاذ عبد الساتر تأتي نتيجة سببين إما لتحصيل حصص وزارية أفضل أو تنفيذاً لأجندات خارجية، الحدث المفاجئ هنا هو ليونة بعض القوى السياسية التي كانت سبباً أساسياً بالتعطيل، وعلى ما يبدو أدرك الجميع أنه لا منفعة من تلك اللعبة الممقوتة من قبل اللبنانيين، هذا وإن الأزمات التي تهدّد لبنان هي أكبر بكثير من المكاسب السياسية التي يمكن أن يحققها أي فريق سياسي، بإعتبار أن أي حكومة ستُشكّل هي حكومة مخاطر بكل ما للكلمة من معنى نسبةً للأزمات التي استفحلت بالداخل اللبناني، وبالتالي لا تُحسد أي حكومة الآن على مهامها الوزارية، وكل وزارة تُسند إلى جهة سياسية معينة هي بلا شك في امتحان عسير.

عهد رئيس الجمهورية تهدد بالشلل

من ناحية أخرى، لا يمكن تجاوز ارتباط لبنان بمؤتمرات دولية وخصوصاً مؤتمر “سيدر” الذي حدّد شروط معينة للإستفادة من القروض (الميسّرة) التي اشترطت بعض الإصلاحات في الداخل اللبناني يضيف المحلل اللبناني، موضحاً وبالتالي فإن أي تأخير بتشكيل الحكومة هو مخاطرة كبيرة بالنسبة للبنان قد تحرمه من تلك القروض وهو الأمر الذي لا خلاف فيه حتى عند المتحفّظين على “سيدر” ومنهم حزب الله على سبيل المثال. وتابع “عهد رئيس الجمهورية أصبح أيضاً مهدداً بالشلل في حال لم يتم تشكيل الحكومة بأسرع وقت ممكن، لذلك سارع الرئيس ميشال عون إلى تشكيل الحكومة حفاظاً على عهده وفقاً للثوابت الوطنية”.

لا مجال لمحاربة الفساد في لبنان

الكاتب والمحلل السياسي استبعد إمكانية القضاء على الفساد في لبنان، إذ اعتبر أن موضوع الفساد قضية معقّدة، لا يمكن اختصارها بجهة فاسدة وأخرى تعمل على الإصلاح، الأمر أعقد من ذلك بكثير، بحسب تصوّره.. ذلك أن البنية اللبنانية أُصيبت بالفساد الشامل نتيجة انتشار الفساد على كافة المستويات، بدءاً من المناصب العليا والحساسة في الدولة وصولاً إلى أصغر مؤسسة عامة وخاصة أيضاً، “ولذلك ليس هناك قدرات فعلية تمكّن أي طرف سياسي من محاربة الفساد، حزب الله أخذ على عاتقه هذا الملف، وتلك مبادرة جيّدة، لكن السؤال مع من سيتحرك؟ وفي أي بيئة؟ وهل أن الظروف الحالية ستخدمه للتحرّك في هذا الإتجاه؟ جميعها أسئلة مطروحة وليس لها أجوبة حتى الآن نتيجة عدم إجماع القوى السياسة على محاربة الفساد”.

النزول العشوائي إلى الشارع سيضاعف الأزمة

وعن التظاهرات التي بدأت تلوّح في الأفق، استدرك الأستاذ عبد الساتر أن لبنان سبق وأن مرّ بتجربة مماثلة لتلك التي يُدعى لها اليوم، أي التظاهرات والتحركات، وأضاف: “الجميع رأى كيف أن تلك التظاهرات ساعدت في تقوية الجهات الفاسدة في لبنان لإن القيّمين عليها كانوا جزءاً لايتجزّأ من الفساد الذي ادّعوا محاربته بفعل ارتباطهم بجهات خارجية ولنكن منصفين نقول الأغلبية منهم وليسوا جميعهم، الجزء الآخر كان من الفئة المغرّر بها والطامحة لتكون صاحبة شهرة على المستوى الإعلامي أو لديها رغبات بالوصول لمنصب سياسي، وأيضاً كان هناك الأبرياء والمتضررين الذين تحركوا وفقاً لأهواء الغير من دون أن يعلمون كيف تسير بهم الرياح، وبكل صراحة أقول أنه ما دام ليس هناك سقوف تحمي أي تحركات من هذا النوع مصيرها الفشل بلا نزاع، ذلك أن تركيبة لبنان الطائفية تبتلع كل ما هو غير طائفي”.

في هذا السياق، يورد الكاتب أن القوى والأحزاب والجهات النافذة في لبنان لديها الخطط الجاهزة لإفشال أي تحرّك مطلبي، عبر توزيع عناصر (مندسّة) حتى تتلاشى التجمعات الشعبية بسرعة، تركيبة لبنان السياسية المعقدة كفيلة بإفشال التظاهرات، يعني بطبيعة الحال معظم الفئات الشعبية في لبنان محزّبة متسائلاً “وبالتالي ضد من سيتظاهر الشعب وفي وجه من سيقف؟”

آل سعود سيدخلون كتاب “غينيس” بالإجرام

الأستاذ عبد الساتر وفي معرض الحديث حول تداعيات قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، اعتبر أنه من السذاجة الظن أن الولايات المتحدة قد تذهب إلى قطع العلاقات مع السعودية، مشيراً إلى أنه بالرغم من أن النظام السعودي هو سبب الحرب والتدمير في العراق واليمن وسوريا ولبنان، غير أن العالم اهتزّ مؤخراً بعد مقتل خاشقجي لوقوع هذه الجريمة في مكان دبلوماسي وهو سابقة خطيرة جداً لم تسجل في مكان آخر بالعالم، لكن يبدو أن آل سعود مصرّون على دخول كتاب “غينيس” في تسجيل أرقام قياسية على مستوى تقطيع الجثث بالمنشار أو التذويب بالأسيد وإخفاء معالم الجثث، وتابع “حتى لحظة إجراء هذه المقابلة لم يصدر أي بيان سعودي رسمي للقول نحن قتلنا أو لم نقتل، تركيا بدورها تخرج كل يوم لتقول أن لديها أدلة وتسجيلات لكنها حتى الساعة لم تكشف شيء، فعلاً الأمر تحوّل إلى دعابة”.

“الولايات المتحدة دخلت اللعبة وصرّحت مؤخراً أن كل شيء مسجّل لديها حول كيفية حصول الجريمة، غير أنها لم تظهر أي وثائق عبر وسائل الإعلام، هذه المراوغة المفتعلة لها أسباب، والمرجّح هنا إيجاد مخرج للسعودية لإخراجها من التداعيات القانونية والسياسية لهذه الجريمة أو لإيجاد كبش فداء ومن ثم تسوية الأمر”، يقول الأستاذ عبد الساتر.

واشنطن تستنزف السعودية سياسياً ومالياً

واشنطن لن تتخلى عن السعودية اليوم، وذلك لارتباطها ارتباطاً وثيقاً بتنفيذ أجنداتها ومشاريعها في المنطقة، يرى المحلل السياسي الذي بيّن أنه في الوقت الحالي ستحافظ الولايات المتحدة على علاقاتها بالسعودية لسببين رئيسيين أولهما مواجهة إيران في المنطقة خصوصاً أن الأخيرة أمام حزمة عقوبات أمريكية جديدة في الشهر المقبل، والمطلوب من السعودية هو تغطية نقص المشتقات النفطية عبر ضخ كميات كبيرة في الأسواق العالمية، بالإضافة إلى أن الثروة النفطية السعودية لا تزال موضع اهتمام من قبل الأمريكي أو بتعبير آخر لا يزال الرئيس دونالد ترامب مصرّ على استيلاء المزيد من أموال السعوديين.

الولايات المتحدة تمتلك مخزوناً كبيراً من النفط الصخري، فيما يرى خبراء أن بدء العمل على هذا الأمر لن يكون قبل عام 2020 أو 2022 كأقل تقدير بحسب المحلل السياسي، لكن “عندما تكون إحدى الدول تمتلك إحتياطاً نفطياً كبيراً وفي المقابل لديها حليف غني وغبي في الوقت نفسه، لن تضطر لإستنزاف نفطها الخاص، بل من الطبيعي أن تستفيد من النفط السعودي إلى حد بعيد ثم تعود لنفطها في حال صحّ استخدامه وجرى ضبط تكلفة استخراجه، وعليه قد يكون النفط هو أحد أسباب تمسك الولايات المتحدة بدول مثل السعودية لكن السبب الأهم هو مشروع الكيان الإسرائيلي في المنطقة”.

إيجاد بديل عن محمد بن سلمان

ومضى يقول “هناك طرح لتعيين بديلاً عن محمد بن سلمان، الصحافة الأمريكية مضت في الترويج لخالد بن سلمان على سبيل المثال، وهذا بالطبع لن يغيّر شيء في قواعد اللعبة، نعم ليس من الصعب أن تضحّي السعودية بمحمد بن سلمان لكن الأمر القطعي هو أن البديل لن يكون أقل سوءاً إذ ما طُرح من قبل الأمريكيين، وبالتالي مكسب الإدارة الأمريكية في رفع الغطاء عن محمد بن سلمان لإمتصاص الغضب الدولي من سجلّه الحقوقي سيء الصيت، لكن بطبيعة الحال لن يقدم إلى محاكمة ولن يخضع لأي عقوبات قضائية وسينتهي الأمر هنا”.

خاشقجي فتح أبواب جهنم على النظام السعودي

الإعلامي اللبناني، أكد أن جريمة خاشقجي فتحت أبواب جهنم على النظام السعودي من كل الجهات، سواء على المستوى الإقليمي والدولي وعلى مستوى منظمات حقوق الإنسان، أما عن تداعيات هذه القضية وجد الكاتب أن الأمر مقترن بالدرجة الأولى بتحرّك الداخل، ذلك أنه إذا تحرك الداخل وحصل عراك بين الأمراء من المرجّح أن تكبر الكرة وتؤثر دراماتيكياً على العائلة الحاكمة، في حين إذا لم يتحرك الداخل، يعني ذلك أن النظام السعودي سيبقى بحماية الولايات المتحدة حفاظاً على مصالحها الخاصة في النفط ومواجهة إيران وتعبيد الطرق للكيان الإسرائيلي.

من جهة أخرى، إذا أوكلنا الأمر إلى حسابات إلهية وغيبية انتقاماً لدعوات المظلومين الذين يفتك بهم النظام السعودي منذ عقود، هو بلا شك شأن آخر ننتظره جميعاً فكما لم يتوقع أحد حادثة اغتيال بهذا الشكل تهدّد وصول محمد بن سلمان للحكم، لا أحد يعلم ما الذي يأتي مع قادم الأيام ويكون من شأنه أن يلهب النظام السعودي بالكامل، يختتم الإعلامي والمحلل السياسي الأستاذ فيصل عبد الساتر حديثه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك