الرئيسية - النشرة - خاشقجي مسيرة الولاء للعائلة الحاكمة تنتهي بالقتل (2/1)

خاشقجي مسيرة الولاء للعائلة الحاكمة تنتهي بالقتل (2/1)

لم يدر في خلد الكاتب الصحافي جمال خاشقجي ٥٩ عاماً أن رحلته من مطار دالاس في واشنطن سوف تكون الأخيرة حيث كان يتردد على تركيا مُنذ خروجه من السعودية. لم يكن يشعر أن حياته مُهددة من قبلِ من يُعلن لهم الولاء السياسي وأنه لا يُصنف نفسه بالمعارض السياسي إلى العائلة الحاكمة ( آل سعود ) بل دائما ما يصف نفسه بأنه صحافي مستقل ولا يُمثل الحكومة السعودية وقد قال ذلك لي شخصياً، حينما كان ضيفاً مُشاركاً في ندوة أقيمت تحت قبة الكونجرس قبل ما يقارب شهرين وكُنت حينها أقوم بالتغطية الصحفية للندوة التي تتناول الحرب على اليمن والحل السياسي،،،

هاني العبندي ـ خاص مرآة الجزيرة

ونظراً إلى أن هُناك ثمة متغيرات جرت في الآونة الأخيرة جعلته يتحدث بشكل صريح مع صحفي ال بي بي سي قبل خروجه على الهواء مُباشرة في حوار إذاعي وذلك قبل ثلاثة أيام من اختفائه داخل القنصلية السعودية في تركيا . المخاوف التي عبر عنها خاشقجي لم تكن كما يصفها بأنها ”صورة جديدة للوضع في السعودية“ حيث تنعدم حرية التعبير إلى أدنى مستوياتها، ربما الشيء الوحيد الذي أتفق معه فيه أننا في مرحلة من القمع غير مسبوق في تاريخ الحكم السعودي، حيث أصبح الصمت جريمة يُعاقب عليها المواطن من قبل العائلة الحاكمة..

ومع تموجات القضية التي لا تزال مُستمرة نشر الأمير خالد بن عبد الله آل سعود تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر يصب فيها غضبه وتهديده على مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي بسبب صمت البعض عن التغطيات الصحفية لقضية خاشقجي التي أزعجت العائلة الحاكمة ” عزيزي المشهور المستحمر: سالفة إنك ساكت عشانك ” ما تحب السياسية“ ما راح تمشي علينا، إحنا ما طلبنا منك تشارك في انتخابات، افهم يا بهيمة أننا في معركة وجودية وأن هذا الوطن الذي جعل لك قيمة مُستهدف ليل نهار لابوكم لا بو من جمعكم.“ هذا الخطاب المتشبع بلغة الاستعلاء والغرور والذي طالما روجت له العائلة الحاكمة منذ سيطرتها على مناطق البلاد أن الوطن يساوي الحاكم ، فإذا رحل الحاكم لم يعد للوطن أي وجود.! ولهذا كان يجب على المواطن أن يدافع عن ما نشرتها وسائل الإعلام التركية والأمريكية بل كل الجهات الصحفية والإعلامية الدولية على اختلافها.

وهذا ما يُفسر دور الجيش الإلكتروني على ” تويتر“ حيث كان يُهاجم خطيبة خاشقجي بأبشع العبارات والأساليب إضافة إلى مُهاجمة كل المؤسسات والأفراد الصحفيين الذين يتحدثون عن قضية اختفاء خاشقجي حتى تكشفت الأمور التي تؤكد على مقتله منذ الأيام الأولى من حادثة الاختفاء.

ومن خلال متابعة مُكثفة مًنذ البداية لم أجد اهتماماً إعلامياً أو صحفياً حول اختفاء خاشقجي بعد دخوله القنصلية، فيما وزير الخارجية عادل الجبير لم يتحدث حتى الآن بأي تصريح ، بل تم تجاوزه وتجاهله عبر تصريح وزير الداخلية عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز آل سعود نافياً بشكل كلي أي صلة بالجريمة علماً أن العرف السياسي أن المسؤول عن هكذا تصريحات وأدوار هو وزير الخارجية وليس الداخلية، مما يعكس مستوى التخبط السياسي والخوف من انكشاف المزيد من الحقائق، هذا بالإضافة إلى مُغادرة السفير السعودي في واشنطن خالد بن سلمان إلى الرياض قبل أربعة أيام مما يُعطي مؤشرات ودلالات على حجم الكارثة السياسية والإعلامية التي مُني بها النظام السعودي بسبب استخفافه بحياة المواطن الصحافي خاشقجي ومُمارسة التظليل الإعلامي.

ثمة الكثير من الأسئلة التي لم يتم الإجابة عليها أو في أحسن الأحوال لم تجد طريقاً إلى طرحها على الجهات الأمريكية باعتبار أن خاشقجي كان مُقيم على أراضيها بالقرب من عاصمة القرار السياسي واشطن، ولعل أهم سؤال ينبغي تداوله هو عن مدى مصداقية ودقة المعلومة التي تم نشرها على موقع سي إن إن الذي يُشير إلى علم المخابرات الأمريكية سي آي أيه عن اتصالات سعودية تُخطط إلى الإيقاع بخاشقجي والعودة به إلى البلد واعتقاله، دون الإفصاح عن أي معلومات تفصيلية عن طبيعة المعلومات التي تمكنت من الحصول عليه، إضافة إلى عدم معرفتنا بتاريخ وتوقيت عملية الاعتراض وإذ ما كانت أخبرت خاشقجي بالأمر قبل سفره إلى ترُكيا من أجل إنهاء أوراق مدنية داخل القنصلية السعودية في اسطنبول. وانطلاقاً من ما نص عليه الدستور الأمريكي في حق السماح للوصل للمعلومات وحرية الصحافة، يجب أن يتم إيضاح هذا الأمر وإن الصمت يُعد مُشاركة بالجريمة وضد حماية حرية الصحافة والإعلام وأنه مع سبق الإصرار، والذي قد يُفسر أنها خُطة مُسبقة تأتي مُكملة لخطاب الرئيس ترامب في فترة الانتخابات النصفية والمُكرر ضد العائلة الحاكمة ” من دون حماية الولايات المتحدة الأمريكية لن تبقى في الحكم لمدة أسبوعين ”، في إشارة إلى الملك سلمان. ولتحقيق الحماية عليكم بدفع المزيد من الأموال وخفض أسعار النفط والخضوع السياسي الكامل إلى الإدارة الأمريكية.

كما لا ينبغي أن أتجاهل الدور التُركي المثير للريبة في القضية انطلاقاً من الموقع الجغرافي لجريمة مقتل جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول بينما كانت خطيبته تنتظره في الخارج. ومن علامات الريبة إطلاق القس أندرو برونسون قبل أربعة أيام بينما صرح الرئيس أردوغان في وقت سابق أنه لن يتم إطلاق سراحه وأن القضاء مُستقل. يأتي هذا الإفراج وعودة القس برونسون في وقت كانت الأنظار تتجه نحو ترُكيا جراء اختفاء الصحافي خاشقجي على أراضيها بعد دخوله القنصلية السعودية, هذا إذا ما أضفنا إلى الخطاب الإعلامي السعودي والتركي غير المُتزن والذي ينبأ بوجود حالة من التفاوض على إغلاق ملف الجريمة بنحو يضمن عدم توجيه اتهام إلى ولي العهد بأنه وراء إصدار أوامر بقتله، وإرضاء الإدارة الأمريكية. ولعلى ما نشرته وسائل الإعلام الدولية خلال هذا الساعات الأخيرة من مساء يوم أمس الخامس عشر من أكتوبر يؤكد مما لا يجعل مجال للشك أن دم خاشقجي أصبح محل مقايضة دولية وربما فخ أمريكي إلى الإيقاع في ولي العهد محمد بن سلمان وإخضاع تٌركيا إلى الاستجابة إلى المطالب الأمريكية والتي من بينها الإفراج عن القس وهذا ما يُسفر تصريح ترامب واصفاً أن إطلاق سراح القس أندرو برونسون خطوة مهمة لتحسين العلاقات مع تركيا.

فهل نُدرك كصحافيين مهمتنا في البحث عن الحقائق والقصص الصحفية وروايتها إلى الناس أن نعرف لماذا يجب أن نعمل أكثر من السابق لحماية حرية الصحافة والإعلام من المال السياسي وسيطرة الجهات الأمنية على مصادر المعلومات؟ وكم صحافي غربي يعلم أن السلطات السعودية قتلت إثنان من مواطنيها المصورين الصحافيين في الشارع؟ وهل وصلهم القصة الصحفية التي تتحدث عن وجود خطر حقيقي يُهدد حياة المصورة والحقوقية إسراء الغمام وزوجها بقطع رأسهما بسبب قيامهما بالتصوير والنشر على شبكات التواصل الاجتماعي إضافة إلى نشاطهما الحقوقي؟ وماذا عن المناضل السياسي الراحل ناصر السعيد الذي تم اختطافه من بيروت بالقرب من مبنى صحيفة السفير اللبنانية والذي قيل أنه تم رميه من الطائرة في الصحراء؟ أليس الحق لا يسقط بالتقادم؟ أليست الصحافة والإعلام في الغرب والشرق تواجه خطر حقيقي في تحويلها من وسيلة رقابية وثقافية إلى وسيلة تُدافع عن الدكتاتورية والظلم وتؤسس إلى التجهيل السياسي المُمنهج؟

يا ترى هل أصدقاء الصحافي جمال خاشقجي و وزملائه في الواشنطن بوست يعلمون مواقفه المُناهظة لحرية التعبير والعمل الصحافي والإعلامي الحر في داخل السعودية؟ المُطلع على تغريداته باللغة العربية تكشف له عن الحقيقة التي طالما كان لا يُشير لها في صحيفة واشنطن بوست أو حتى في حديثه مع أصدقائه وزملائه الصحفيين الأمريكيين والعرب في واشنطن، وإن شئتم أيها الزملاء الصحفيين ابحثوا عن مترجمين إن لم تكونوا تثقون بما أقول.

ومما يجب التأكيد عليه أنني أدين الجريمة البشعة والتي لا أعلم عن مدى صحة ما ورد في الصحافة التُركية أنه قطع بالمنشار بالرغم من تاريخ النظام السعودي الدموي ، كيف لا وهو المُتحالف مع المدرسة الوهابية التي تقوم على الكراهية وقتل الأخر تحت مُبررات دينية.!

مما لا شك فيه أن هناك الكثير من الدروس والعِبر التي ينبغي أن يُدركها المدافعون عن العائلة الحاكمة ” آل سعود“ وأن تكون نهاية خاشقجي بِمثابة جرس إنذار يؤكد على أن هذه العائلة لا أمان لها كما بحسب قول المعارض السياسي عمر عبد العزيز الزهراني في أثناء حديثه من خلال البث المُباشر عبر تويتر الذي يقيم في كندا. إن مصالح وكرسي الحكم والمناصب التي تتحكم فيها العائلة الحاكمة ” آل سعود ” أهم من حياة خاشقجي بل لا قيمة إلى المواطن ولا يُنظر له على أنه من جنس البشر له من الحقوق وعليه من الواجبات . مهما كان مستوى الولاء السياسي من قِبل المواطن فلا يمكن الثقة بِعائلة مُستعدة أن تتقاتل فيما بينها بالنار والحديد كما حصل في ٢١ أبريل لهذا العام. ومن أجل ذلك كله أطرح سؤال مفتوحاً بحجم وطن تم الإستيلاء عليه من قبل عائلة أقرب إلى قُطاع الطرق في سلوكها، هل تستيقظ ضمائر من شهدوا الجريمة بحق خاشقجي ويوثقون شهادتهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي وإن كلف حياتهم، أليس الاعتراف بالحقيقة خير من ركوب العار؟

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك