الرئيسية - النشرة - سياسة محمد بن سلمان: شراء الذمم وعلمنة المجتمع بالقوّة

سياسة محمد بن سلمان: شراء الذمم وعلمنة المجتمع بالقوّة

اشتهرت العصور الملكية السابقة، بما يُسمّى شعراء البلاط، ولو كانت المهمة ظاهراً أدبية إلا أنها في حقيقة الأمر كانت سياسية بحت، الملك الفاسد الذي ينهب أموال دولته ويشرب دماء شعبه كان يرغب بإضفاء نوع من الشرعية لممارساته تلك، وفي مثل هذه الحالة لا يكون له ذلك إلا بالترغيب والترهيب، فيأتي بالشاعر المستعطي ليطربه أمام الملأ عبر بث الإدعاءات الباطلة ثم يُغدق عليه حفنةً من الدراهم والدنانير، أما من لا يُحسن الزحف لدى الملك فلا شك أن مصيره القتل ثم الفرم ثم النثر في الهواء.

زينب فرحات – خاص مرآة الجزيرة

اليوم، وفي مطلع القرن الواحد والعشرين، يُعيد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إنتاج تلك الممارسات بحلّة جديدة، فصحيح أن ضيق صدره لا يتّسع لاستقبال الشعراء في قصره غير أنه يدعم سياسة التطبيل كأساساً لشرعنة ممارساته السيئة، حتى بات هناك ما يُعرف برؤساء البلاط ووزرائهم وكُتابهم ومُدوّنيهم الذين يُطبّلون للأمير من خلف شاشاتهم فتأتيهم الريالات من كل حدب وصوب.

اقبض واخرس

“إنه قائد التغيير”، “سيد البلاد”، “محارب الإرهاب”، هي بعض من العبارات السمجة التي يضجون بها أولئك المرتزقة فتحسب للحظة كما لو أنهم يتحدثون عن محمد بن سلمان غير الذي تعرفه، عن آخر ليس بمجرم حرب ولا ديكتاتوري فتنوي، لتعلم إذ ذاك كم أن المال يجعل الإنسان رخيصاً، حتى يصبح أرخص من الريال الذي يتقاضاه مقابل الإدلاء بتّرهات لا يصدقها هو.

كم هي مقزّزة إنسانية الأنظمة الغربية ومنظماتها عندما تذرف دموع التماسيح على المعارك الوهمية في سوريا، وتنوح على الحرية في إيران ثم تبكي الحجارة التي تلامسها شرارة الصواريخ اليمنية بالسعودية، وتجعل من رجل الإستخبارات الأول رمزاً لحرية الصحافة، بيد أن مئات آلاف الضحايا اليمنيين وملايين الجياع والمرضى المهددين بالموت بالكاد يُشعرون المجتمع الدولي بالقلق المؤقت هذا ولم يثبت لديهم بعد أن السعودية ترتكب فعلاً جرائم حرب في اليمن.

لقد كشفت حرب اليمن النقاب عن وجوه الأنظمة الغربية المشوّهة وعن الكثير من تلك العربية والآسيوية أيضاً كما عرّت إنسانية المنظمات الحقوقية العالمية التي تدور في فلك الأنظمة الغربية وتُدار من قبلها، نعم لقد حشا ابن سلمان أفواه الكثيرين بالأموال فعميت عيونهم قبل أن يروا جرائمه لكنه اللعاب الأحمر سيظل يسيل من أفواههم إلى أبد الآبدين.

الحريات المفروضة

لا يقتصر إرهاب محمد بن سلمان على حرب اليمن فحسب، بل إنه يستفحل في الداخل السعودي تحت مسميات أخرى كـ “الإصلاح” و”التغيير” و”مكافحة الإرهاب”، وما سوى ذلك من البرامج السياسية التي طبختها الولايات المتحدة وروّجت لها جماعات الضغط العالمية.

المضحك المبكي في حرية محمد بن سلمان، هو واقع القمعية المطلقة بوجه الحرية الحسن، ذلك أنه يحمل سيفاً حاداً ويدور به الزقاق صائحاً: “هنا افتحوا مرقصاً وهناك خمارة ثم اجعلو ذلك المسجد داراً للرذيلة”، وإذ ما مر به أحدهم فاعترض.. احتزّ رأسه وعلقه على أقرب عامودٍ للكهرباء ثم دار فيه البلاد وهو يقول: “لقد قتلت تكفيرياً متطرفاً”، والدليل على ذلك هو أن كل من يُبدي رأياً مهما كان بنّاءاً سيصبح في خبر كان، إذا لم يسعفه اللجوء السياسي لدولة أخرى، فها هو خطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة الداعية صالح آل طالب، يقبع في السجن لإنه تحدث مرة واحدة عن ضرورة إنكار المنكرات بالرغم من أنه محسوباً على النظام ومن عائلة عُرفت بدعم الملك السعودي المؤسس لكن ذلك لم يشفع له حتى يكلف محمد بن سلمان نفسه ليتحقق من الأمر فدخل السجن تخميناً بأنه هاجم “الأمير المعظم”.

طرفة الإصلاح

ومن مأساة الحريات المفروضة إلى مزاعم الإصلاح الوهمي في ظل تناقض المفاهيم وتصادمها مع الواقع، سواء على صعيد الترويج للإصلاحات الإقتصادية أو الإجتماعية، يُثبت محمد بن سلمان أنه يُعيد إنتاج إرهابه بصورة تبدو وكأنها شرعية، فماذا يعني أن يزج الرجل المدافعات والمدافعين عن حقوق المرأة في السجن قبيل فترة قصيرة من منح المرأة حق قيادة السيارة؟ هذا الحق ليس انتصاراً للمرأة بل هو إعادة استعبادها من جديد، كالذي يعطي طفلاً حبة حلوى في يد ثم يبتر له يده الأخرى دون شفقة.

ماذا يعني أن يتشدّق الأمير الشقي بالتعايش السني الشيعي في بلاده في الوقت الذي تواجه فيه الناشطة الإجتماعية إسراء الغمغام عقوبة الإعدام إلى جانب زوجها موسى الهاشم وخمسة آخرون، لإنهم شاركوا بالمسيرات السلمية التي تطالب أولاً بالمساواة بين جميع فئات المواطنين، وفي الوقت الذي يُقبض فيه على الشيخ السني حسن فرحان المالكي المعروف بتضامنه مع الشيعة ودعمه لقضاياهم؟، ماذا يعني أن تُداهَم الأحياء والمنازل بشكل شبه يومي في القطيف والقرى المجاورة لمطاردة وقتل المعارضين أو ذويهم افتراءاً دون سبب؟ أين هي عيون “المنفحطين” بحريات ومواقف زائفة لا أصل لها، فذاك الذي يشرب دماء اليمنيين منذ سنوات دون ارتواء كيف له أن يعرف الرحمة؟ ومن لا يعرف الرحمة كيف يُعوّل عليه في الإصلاح؟

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك