الرئيسية - النشرة - المعارض للنظام السعودي د. حمزة الحسن لـ”مرآة الجزيرة”: انتفاضة 1400هـ المجيدة هبّة غير مسبوقة ضد التمييز والإضطهاد الطائفي

المعارض للنظام السعودي د. حمزة الحسن لـ”مرآة الجزيرة”: انتفاضة 1400هـ المجيدة هبّة غير مسبوقة ضد التمييز والإضطهاد الطائفي

لن تكون إنتفاضة المحرم المجيدة لعام 1400 للهجرة التي سجلها تأريخ “القطيف والأحساء”، مجرد حدث عابر أو ذكرى يتم إحياؤها. ثمة معالم وفوارق بثتها روح الثورة التي غيرت مسار التسلط المفروض من آل سعود مذ نشأة حكمهم على الدم وبحد السيف. إنتفاضة ليست صغيرة الحجم وسط الظروف التي كانت تحيط بها؛ خروج الأهالي من رحم المعاناة والكبت والحرمان، بعد صمت لعقود طوال، كان على شاكلة إنفجار ثوري استلهم معانيه وأهدافه وشعاراته من ثورة الإمام الحسين (ع) على الظلم والإستبداد وبذل الدم من أجل إعلاء صوت الحق مهما بلغت التضحيات، فكانت أيام عاشوراء من عام 1400 للهجرة، أيام مفصلية قلبت موازين الواقع وبدلته إلى جعل سلطات آل سعود في مهب الخوف والحذر الدائم من أبناء المنطقة، فهؤلاء يأبون الضيم والذل والإستبداد مهما بلغ القمع أشده، ومع مرور الزمن، يتأكد دور إنتفاضة المحرم في رسم معالم ترسيخ دور المعارضة لنظام الحكم السعودي، معارضة يشتد عضيدها وتتفعل أدوارها منذ أربعة عقود حتى اليوم، لمواجهة محصلة عقود من الإضطهاد والتمييز الطائفي، وهذا ما يؤكده المعارض للنظام السعودي وأحد كوادر انتفاضة المحرم الدكتور حمزة الحسن، في حديث مع “مرآة الجزيرة”، حيث يقارب بين أحداث الإنتفاضة المجيدة والواقع المعاش اليوم، ليصل إلى تأكيد أن النظام السعودي لا مشكلة له مع المعارضة بحد ذاتها، بقدر ما مشكلته الكبرى مع الشيعة.

مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

قبل أربعة عقود، سجل التاريخ هبة غير مسبوقة في منطقة “القطيف والأحساء”، إذ يروي د.الحسن عن تفاصيل وأسباب الثورة التي قامت، ويقول “النظام السعودي، وحكم الأقلية النجدي الوهابي، لم يكتفيا بالسيطرة على مفاصل الدولة، واحتكار خيراتها، بل سعى إلى حرمان الآخرين من أبسط حقوقهم، ليس هذا فحسب، بل أنه عمد إلى تغيير عقائد المواطنين، وإجبار الأكثرية (صوفية، شيعة، اسماعيلية ومذاهب المسلمين الأخرى) إلى تبنّي الوهابية، باعتبارها أيديولوجية الحكم، وباعتبارها المشرعن لبقاء الحكم السعودي الأقلوي، وباعتبارها توفر الضمانة المستدامة ـ من وجهة نظره ـ أمام المعارضين له”.

يقول المعارض للنظام السعودي إن “الأكثر ولاء واقتراباً من الوهابية، ومن المحيط النجدي وثقافته، هو الأكثر ولاءً وضماناً في عدم انقلابه على حكم سعودي هو بكل المقاييس فاسد ومفسد، بمقاييس الأرض والسماء”.

“هبّة غير مسبوقة في تاريخ معارضة هذه المنطقة. كون الجمهور قد دخل وشارك فيها بحجم مهول عددياً، كما أن المرأة شاركت فيها بشكل غير مسبوق”، بهذه العبارة يبدأ د.الحسن حديثه عما حدث في محرم 1400 هجرية، وبصفته أحد كوادر الإنتفاضة المجيدة، يثني د.الحسن على أهمية دور المرأة فيما حدث في الأحساء والقطيف، حيث شاركت المرأة في التظاهرات، وفي إعداد قنابل المولوتوف، وفي التحريض على النظام، والتشجيع على مواجهته.

المشاهد كثيرة ولا تُنسى

تستعيد ذاكرة د.الحسن، مشهدية الإنتفاضة المباركة، ويحاول اختيار مشهد من ذاكرة الأحداث التي عايشها، ويقول “ما رسخ في ذاكرتي عن تلك الإنتفاضة المباركة شيءٌ كثير. لكن المشهد الأكبر، هو طوفان بشري تجمّع تلقائي على أبواب مقبرة مدينة صفوى، عند سماع المواطنين باستشهاد سعيد مدن في القطيف في مظاهرات ليلة التاسع من المحرم. وكان الجميع بانتظار جثمان الشهيد، وكانت مئذنة المسجد المجاور تلهج بذكر الله، والطعن في نظام آل سعود الفاسد”. ويتابع الوصف “حين جيء بجثمان الشهيد، لم يؤخذ إلى داخل المقبرة، وإنما حُمل على الأكتاف والأعناق. آلاف النساء والرجال كانوا يهتفون ضد آل سعود وسياسات التمييز والقتل التي ينتهجونها. كان الشارع الرئيسي يومها يكاد لا يتسع للبشر المتدفقين من الشوارع الفرعية والمنازل القريبة، حيث التحقوا بالتشييع الذي أشبه ما يكون بتظاهرة كاملة المعالم”.

“صوت الرصاص الذي وُجه به المواطنون، وسقوط عدد من الشهداء وعشرات الجرحى، مشهد لا يمحى من الذاكرة”، يقول د.الحسن، ويضيف مستعيداً صور الشهداء، “أتذكر أمامي ثلاثة من المصابين أُخذوا إلى أحد المنازل المجاورة. كان أمام ناظري، الشهيد مالك عبدالرزاق، وقد فارق الحياة برصاصة في الصدر. وكان الى جانبه مكي على ناصر دخيل، وكان زميلاً قديماً في الدراسة الإبتدائية، وكان وحيد أمّه، رأيته يبصق دماً، ولم أكن أتوقع أنه سيعيش إلا لحظات”.

بعد الإنتفاضة التي استمرت لخمسة أيام اشتعلت فيها مواجهات بين الشعب الأعزل، وقوات الحرس الوطني بأسلحته وذخائره والقناصة والهراوات وسقوط الشهداء والجرحى، يروي د. الحسن، كيف كان المشهد بعد نحو أسبوع من حدث يوم التاسع من المحرم، حيث زار بيوت المصابين، وبعضهم نجا من الإعتقال، وبعض آخر أُخذ الى بلدان أخرى للعلاج”، يقول “يومها زرت الشهيد مكي دخيل، فرحّب بي، وسألته عن حاله، قال إن هناك رصاصة في رقبته، وأن إخراجها صعب وقد تودي بحياته”، يضيف وبكثير من مشاعر حزن الذكريات وقول “لم يمض الوقت طويلاً حتى أعلن استشهاده رحمة الله عليه، وكان يتيماً ووحيد أمّه أيضاً”.

كما يبرز المعارض للنظام السعودي، الدور الذي لعبته الإنتفاضة في تحول المجتمع، يؤكد “الإنتفاضة المباركة شكلت تحولاً نوعياً في المجتمع، وصدقاً أقول بأن ما قبل الإنتفاضة شيء، وما جرى بعدها من شيء آخر، سياسياً وثقافياً واجتماعياً”.

انتفاضة محرم المجيدة التي تشابهت في كثير من فصولها في العام 2011م، فتكثر الأسئلة عما إّذا كانت المشهدية الثورية قد تتكرر، يعتبر د.الحسن، أن “مبررات الإنتفاضة قائمة، ولم يتغير شيء كثير إلى الأحسن، بل يمكن القول إن التغيير في أكثر الجوانب الثقافية والسياسية والأمنية هو الأسوأ”، ويوضح أن “الشعوب عامة، لا يمكن حصر ردات فعلها في طريقة مواجهة واحدة.

تماماً مثل أنظمة الطغيان، فهي لديها “إبداع” أيضاً في وسائل مواجهة الجمهور المعارض”، ويشير إلى أنه النظام يتمرّس في قمع المعارضين، بدلاً من البحث عن أخطائه وإصلاحها أو تعديل بعض سياساته على الأقل، يتمرّس المعارضون في التغلّب على وسائل القمع”.

ما أراده النظام في انتفاضة المحرم إرتدّ عليه!

كما يقول إن “النظام في انتفاضة المحرم كان يبحث عن مواجهة تشكل درساً للمواطنين الشيعة لا ينسونه، وتجعلهم راضخين لعقود، لهذا استخدم الرصاص بكثافة، وقتل حتى النساء في المنازل (الشهيدة فاطمة الغريب مثالاً)؛ كما استخدم طائرات الهيلوكبتر في الضرب بالرصاص، واستدعى قوات البحرية الى جانب قوات الحرس الوطني، وجيء أيضاً ببعض من القوات البرية وأسلحة أخرى. وهذا موثق عموماً”، يقول، ويضيف “أن النظام كافأ هذه القوات المشاركة، برواتب إضافية ورتب أعلى، وما أراده النظام في مواجهة كسر العظم يومئذ، ارتدّ عليه”.

أما عن نتائج الإنتفاضة وقربها من الواقع القائم اليوم، يشدد د. الحسن على أن “مشهد الصراع تغيّر، ولكنه ليس فقط لم ينته، بل تصاعدت المعارضة، وأصبحت أكثر رسوخاً وتنظيماً، واستمرت الى هذا اليوم”، ويرى أن أشكال المعارضة والمواجهة تغيرت أيضاً، في الحراك الثوري الذي بدأ في 2011م، رأينا أشكالاً جديدة وقديمة. رأينا تظاهرات بأعداد مهولة أيضاً، خاصة في التشييع للشهداء، ورأينا تثقيفاً بشكل غير مسبوق، واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي”.

المعارض للنظام السعودي يستفيض في أوجه المقاربة بين انتفاضة 1400هـ و2011م، يقول “رأينا تجمعات تُعقد رغم أنف النظام وتحت طائلة رصاصه في أكثر من مكان، وكان يشرف على مجملها ائتلاف الحرية والعدالة. النظام أيضاً صعّد من جانبه، ولعل الاعتقالات كانت أهونها، الرصاص من المنصات العالية والتي استهدفت في بادئ الأمر حملة كاميرات الفيديو، توسعت فقتلت عدداً من الشهداء، ثم تطور الأمر بإطلاق الرصاص ترهيباً، في الليل أو حتى في وضح النهار، ومن سيارات أمنية وليس فقط من المدرعات”، ويضيف “حوّمت طائرات مقاتلة، وطائرات هيلكوبتر على رؤوس المواطنين، إلى أن وصلنا إلى تدمير المنازل واستخدام أسلحة متوسطة”.

النظام السعودي عدوّ الشيعة

“في كل الأحوال، تبقى إبداعات الشعوب أكبر من إبداعات الأنظمة، ومن لا يتعلم دروس الماضي ويعالج المشاكل من جذورها، فإنه يقامر بالمستقبل”، يؤكد د. الحسن، ويعتبر أنه “إذا كان هناك من دروس للنظام ـ الذي عودنا على عدم التعلم من أخطائه، فأهمها إصراره على سياسة التمييز الطائفي في كل شيء، وعدم تخلّيه عن سياسة الضرب على وتر الهوية الشيعية الحساس، مثلما يجري هذه الأيام في محرم”، حيث مارست السلطات السعودية انتهاكات طالت المواكب الحسينية والمضائف، واعتدت عليها بالضرب والتكسير واستدعاء أصحاب المضائف والتحقيق معهم، والتضييق عليهم، لمنعهم من الخروج بالموكب الموحد يوم العاشر من المحرم 1440 هـ.

يشدد د.الحسن، على أن “هذا الأسلوب، لا يفيد النظام ويرتد عليه، أسلوبه في الحقيقة يزيد في اليقين بأن هذا النظام ليس عدواً لك لأنك معارض، بل لأنك مواطن شيعي فحسب، المعارضة مع النظام تتراكم، كما هي الحال في كل الدنيا. ولا أشك مطلقاً بأن الغلبة في يوم من الأيام ستكون لصالح الشعوب وقضيتها”، ويقول “نحن أمام نظام ليس فقط ديكتاتوري يحرمك من حقوقك السياسية، بل هو يحرمك حتى من حقوقك المدنية، وحتى من حرية العبادة، ومثل هذه السياسة الرعناء لا يمكن أن يتحملها بشر، ولا بد أن المواطنين والمعارضة ستبدع وسائل جديدة في مسيرة صراع مستمر مع الشر والعدوان السعودي”، يختتم د. الحسن.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك