الرئيسية - تحليلات - الوهابية وآل سعود: امتحان الدولة بلا أيديولوجيا

الوهابية وآل سعود: امتحان الدولة بلا أيديولوجيا

لم يواجه الإتفاق التاريخي بين آل سعود والوهابية تحدياً جدياً أبداً، وقد أعيد تفسيره وتصميمه في أوقات التحوّل أو الأزمة لإعادة إنتاج القوة


محمد شمس

جدلية العلاقة بين الدولة والايديولوجية لم تفقد صلاحيتها، وإن بدا أن هذه الايديولوجية مستترة في أحيان كثيرة، لا سيما في الدول التي تغلب فيها عناصر أخرى (اقتصادية، وثقافية، وتكنولوجية..) على العنصر الايديولوجي المباشر. مع التأكيد الآن، وفي كل مرة، على أن تلك العناصر ليست مقطوعة الصلة عن أيديولوجية الدولة.

نعم، من الصعوبة بمكان النظر الى الايديولوجية المشرعنة للدولة بصورة نمطية كلاسيكية، فقد وهبت الموجات التكنولوجية الثلاث (التناظرية، والرقمية الأولى، والرقمية الثانية) دلالات جديدة ومتطوّرة لأيديولوجيات الدول، ولم تعد منحصرة في الدلالات الدينية، أو التاريخية، أو الاقتصادية، أو حتى الكاريزمية. فثمة عوالم متشابكة تتداخل فيه الابعاد القومية والثقافية للدول مع الأبعاد الكونية، وتنصهر فيها الهوية المحلية مع الهوية العالمية، والوطني بالعالمي، في وقت تفقد فيه الدولة خاصية احتكار التوجيه والتعبئة العامة، بالمعنى المضطّرد للكلمة.

مقالة نبيل مولين، المتخصّص في تاريخ المؤسسة الدينية الوهابية والنظام الملكي السعودي، المنشور في صحيفة (نيويورك تايمز) في 3 يوليو الماضي تعيد تجديد السؤال الذي طرح أكثر من مرة، ويزداد طرحه إلحاحاً الآن وأكثر من أي وقت مضى، في ضوء التغييرات الجوهرية التي يقوم بها محمد بن سلمان، والتي تدكّ صميم ثوابت المؤسسة الوهابية، وتصل الى حد السؤال عن مصير العلاقة بين الإيديولوجية الوهابية والدولة السعودية.

ينطلق مولين من تسارع وتيرة التغيير وحجمه في المملكة السعودية بشكل كبير منذ تعيين ابن سلمان ولياً للعهد. ومن أجل إضفاء الشرعية على صعوده لهذا المنصب، ولتحقيق طموحاته ومواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، قدّم إبن سلمان نفسه على أنه بطل «التحديث”.

أطلق إبن سلمان العديد من التصريحات والمبادرات ودعا الى ما أسماه «الإسلام المعتدل»، والسماح للنساء بقيادة السيارة، وإعادة فتح دور السينما – وتمّ تفسير ذلك على أنه رغبة في كسر الاتفاق التاريخي بين آل سعود والمؤسسة الدينية الوهابية. فقد تكفّل الاتفاق بإضفاء مشروعية دينية على السياسة التوسعية لآل سعود، وخلق دولة ممتدة وراسخة في أوائل القرن العشرين، احتكرت فيها الملكية السعودية العمل السياسي والعسكري، في حين تولى رجال الدين الوهابيون المسؤولية عن المجالات الدينية والقانونية والاجتماعية.

من وجهة نظر مولين، فإن من غير المحتمل أن يكون محمد بن سلمان قد انفصل عن المؤسسة الدينية الوهابية، لأنه أثبت قدرته على التكيّف مع التحولات وتقلبات السلطة. محاولات تهميش رجال الدين تعود إلى أوائل القرن العشرين، وقد استعاد ابن سلمان سيرة جدّه عبد العزيز الذي قام بتدابير مماثله لإضعاف نفوذ المؤسسة الوهابية من أجل تسيير نظامه الناشيء حديثاً.

فعندما تولى عبد العزيز، مؤسس المملكة، والذي حكم في الفترة ما بين 1902-1953 عمل مع الشركاء الغربيين، وكان يبحث عن تقدير من العالم الإسلامي الكبير، وقال انه يرى ضرورة لتطوير خطاب اسلامي إصلاحي لإضعاف الوهابية.

في فترة ما بعد النفط في الخمسينيات وفي منتصف السبعينيات، أي في عهد سعود وبعد ذلك فيصل، شهدت المملكة السعودية وتيرة تحديث بشكل سريع جداً. وجرى العمل على تطوير هياكل المملكة التي كانت قديمة جداً وشخصية على نحو يسمح بالسيطرة على البلاد بشكل فعال، ولتلبية شروط النمو، والسكان غير المتجانسين، ولخلق مصادر جديدة للشرعية، ولاحتواء المطالب المتنامية للأنظمة القومية العربية.

كانت المؤسسة الدينية تنظر الى بناء الدولة والتغييرات المصاحبة لها على أنه تهديد لها، ولكن لم تعارض السماح لدخول البنات المدارس أو إدخال التلفزيون والسينما. بدلاً من ذلك، أفاد رجال الدين من الصراع السعودي مع القومية العربية في الخمسينيات والستينيات ووفرة عائدات النفط لتحديث المؤسسة الدينية، من خلال إنشاء مؤسسات جديدة مثل مكتب المفتي العام، وجهاز بيروقراطي للإفتاء، والمدارس الدينية، والجامعات مثل الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

كما أنشأ رجال الدين المحاكم الإسلامية، والمنظمات الإعلامية، والمنظمات الإسلامية مثل رابطة العالم الإسلامي. لقد ساعدت الحداثة البترولية في الحفاظ على نفوذ المؤسسة الوهابية داخل المملكة وتصدير نظرتها الكونية.

متغيرات متوالية ساهمت في تعزيز دور المؤسسة الوهابية من بينها: الثورة الإسلامية في إيران 1978، الهجوم على المسجد الحرام في مكة 1979، وغزو أفغانستان من قبل الجيش السوفييتي في عام 1979، حيث أعاد النظام السعودي نفخ الروح في الجسد الوهابي. ومن أجل استعادة مصداقيته وسط جمهوره ووسط العالم الإسلامي السني، لا سيما بعد حركة التمرّد التي قادها جهيمان العتيبي في مكة، إلى جانب بطبيعة الحال احتواء التحدي الثوري الشيعي ومحاربة الشيوعية.. أعلنت المملكة السعودية ارتباطها بالإسلام من خلال تطبيق الشريعة بشدة – وإلحاق العقاب البدني، وفرض الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة، وإغلاق دور السينما، وزيادة قوة الشرطة الدينية، وتقديم الدعم المالي والإيديولوجي للجماعات الجهادية في أفغانستان، والحركات الإسلامية السنية في جميع أنحاء العالم.

وفي المقابل، أيّد رجال الدين آل سعود لمناهضة أعداء الداخل والخارج مثل آية الله روح الله الخميني، وصدام حسين، وجماعة الإخوان المسلمين.

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وثبوت ضلوع 15 سعودياً من أصل 19 خاطفاً في الهجمات، خضعت الوهابية مجدداً للامتحان، واضطرت المملكة السعودية لأن تميّز نفسها عن الحركات الجهادية، والسماح بنقد الوهابية، وتبدأ بطرح مشروع الحوار بين الأديان، والحد من سلطات الشرطة الدينية ورجال الدين، وكذلك – بإدانة الجهادية والإخوان المسلمين بشدة من خلال الفتاوى، ونشر مقالات في الصحف وعلى شبكات التلفزيون.

رغم ذلك تحدث بعض المراقبين عن المملكة السعودية في مرحلة ما بعد الوهابية. كما تم سؤال عبد الله بن عبد العزيز عن المشكلة، فطلب ملك المملكة السعودية المساعدة من الأمم المتحدة. وقد ساعده رجال الدين على تطبيق الشريعة في الأماكن العامة، وتعزيز الخطاب المعادي للشيعة، وتكميم الأفكار العلمانية.

وحين وصل سلمان إلى العرش في العام 2015 أدى ذلك إلى صعود نجله محمد.

ومنذئذ تمّ تفسير شجب ابن سلمان العلني للأفكار المتطرفة، والوعود بتشجيع الإسلام المعتدل، على أنه رغبة في الانفصال عن الوهابية. أظهرت القراءة المباشرة بأن محمد بن سلمان قرّر إدانة الاخوان المسلمين والجهاديين في المقام الأول، وتبرئة المؤسسة الدينية الوهابية.

قدمت المؤسسة الدينية دعماً لا يلين للأمير محمد، وصادقت على قراراته بإصدار فتاوى مثل تلك التي تسمح للنساء بقيادة السيارات. وأفاد رجال الدين من الموضوعات التي اعتبروها ثانوية، عندما ترك توازن القوى لديهم القليل من الخيارات وتمكنوا من الحفاظ على سلطتهم.

من وجهة نظر نبيل مولين، فإن من المرجّح أن تظل الوهابية دعامة للمملكة على المدى المتوسط. ويؤكد ذلك من خلال سيطرة المؤسسة الدينية على موارد ضخمة، وكذلك منظومة مدارس، وجامعات، ومساجد، ووزارات، ومنظمات دولية، ومجموعات إعلامية، للدفاع عن موقفها. ما يجعل أي مواجهة بين آل سعود وورثة ابن عبد الوهاب مدمرة لكليهما.

لم يواجه الاتفاق التاريخي بين النظام الملكي والمؤسسة الدينية تحدياً جدياً أبداً. وقد أعيد تفسيره وتصميمه في أوقات الانتقال أو الأزمة، لتعكس بشكل أفضل العلاقات المتغيّرة في القوة وتمكين الشركاء من التعامل مع التحديات بكفاءة. ومن أجل كسر الاتفاق الحقيقي بين النظام الملكي السعودي والمؤسسة الدينية الوهابية، من الضروري أن يكون هناك مشروع اجتماعي بديل، والدعم الثابت من النخب والسكان، وقاعدة اقتصادية سليمة، ومناخ موات للغاية. الآن، لا يمتلك محمد بن سلمان تلك المعطيات على الرغم من ميله الشخصي.

في النتائج، فإن نزوع ابن سلمان ناحية التحرر من قيود الايديولوجية الوهابية لا تنطوي على رغبة “خلاصية” في إحداث قطيعة بين الايديولوجية والدولة. مع غياب البديل الذي ذكره نبيل مولين، لا يبدو أن النظام السعودي في وارد طي صفحة الايديولوجية الوهابية من سيرته، والتنكّب الى صفحة أخرى، لما تنطوي عليه من مخاطر تهدد الكيان. ببساطة، لأن البدائل شبه معدومة: المنجز الاقتصادي، القيادة الكاريزمية، الحق التاريخي (الذي يفقد زخمه بفعل التحطيم الذي مارسه ابن سلمان للروابط العائلية).

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك