الرئيسية + النشرة + اليمن وآل سعود.. حرب وجود!

اليمن وآل سعود.. حرب وجود!

مصيران يحتدمان في العدوان على اليمن، وفي كل الاحوال هي حرب وجودية بكل معنى الكلمة لطرفين هما: النظام السعودي والشعب اليمني، ممثلاً في قوته الضاربة حركة أنصار الله،،،

يحي مفتي

لمن يعتقد بأن الحرب محض عسكرية، ويمكن إنهاؤها بتفاهمات ثنائية، أو حتى عبر وساطة دولية يجهل كنه الحرب، وأسبابها، والمطلوب فيها ومنها.

السعودية ترى في الحرب على اليمن قضية وجودية، أي باختصار: أن تكون أو لا تكون. ولذلك، فهي توظّف كل إمكانياتها في الحرب دون النظر في قوانين الحرب، وإمكانيات الخسارة. هي ليست في وارد الانشغال بلعبة الحسابات، بأن تحسبها وفق منطق الاستراتيجيين أو الخبراء العسكريين، ولو فعلت ذلك لأوقفت الحرب مع نهاية الشهر الأول من الحرب. على العكس، هي لا تجد بديلاً عن خيار تقويض اليمن وتهديمه، والأهم إعادة الهمينة عليه كما في السابق.

لقد عملت السعودية منذ بدء العدوان في 26 مارس 2015 على خطة واحدة تقوم على الوصول الى العاصمة صنعاء وتالياً إعادة عقارب الساعة الى الوراء. هي لا ترى في جنوب اليمن هدفاً لها، ولا هو يحظى بأهمية اليمن الشمالي في رؤيتها الاستراتيجية.

عين آل سعود على اليمن التاريخي، بثقله السكّاني وبحضورهم المذهبي فيه والذي عملوا عليه لعقود طويلة وحقّقوا حضوراً في بعض محافظاته مثل تعز، والجوف، ومرّان، وعمران واخترقوا حصن الزيدية، فيما لم يكن اليمن الجنوبي يعني لها كثيراً، برغم من سيطرتهم العسكرية عليه بالشراكة مع الامارات، مع حضور ايديولوجي رمزي.

في المقابل، هناك حركة أنصار الله التي تكتسح الشارع اليمني وتكتسب مشروعية شعبية بمرور الوقت، خصوصاً بعد الوهن الذي أصاب حزب المؤتمر الشعبي العام برحيل مؤسسه وزعيمه علي عبد الله صالح، وقدرة الحركة على إدارة شؤون البلاد بكفاءة واقتدار، برغم الحصار، والتجويع، والقتل، والانقسام الداخلي.

في قراءة قيادة الحركة، أن ما بنته الحركة على مدى أكثر من عقدين، وتحديداً منذ العام 1996، حين بدأت (حركة الشباب المؤمن)، وتنامت لتعيد تشكيل المجتمع الزيدي على أسس حركية، واستعادة الدور التاريخي لتيار الزيدية.. يُراد تهميشه بقرار إقليمي وحتى دولي (فقد ذكّر الاميركيون نظرائهم السعوديين بأنهم في العام 2004 اقترحوا عليهم القضاء على حركة أنصار الله قبل أن تصبح قوة غير قابلة للكسر).

مهما يكن، فإن حركة أنصار الله التي خاضت ستة حروب مع نظام علي عبد الله صالح، ثم دخلت في تحدٍّ كبير داخلي وخارجي باعلان حركة تصحيحية في سبتمبر 2014 لثورة مارس 2011، نجحت في تثبيت شعبيتها في قلب العاصمة.

مذاك، شعرت السعودية بأنها أمام متغيّر استراتيجي كبير. وبرغم من تطمينات قيادة أنصار الله للرياض بأنها لا تستهدف أمنها، ولا تشكل أي مصدر تهديد لأي من دول الجوار، وأنها تطمح نحو تحقيق الاستقلال الوطني وبناء اليمن الحر المستقل، لم تقبل السلطات السعودية رواية أنصار الله، بل طالبتها بأمرين: قطع العلاقة مع ايران، وتسليم شؤون الدولة الى عبد ربه منصور هادي والخروج من العاصمة.

بدت الفوارق جوهرية بين النظام السعودي وحركة أنصار الله، وتباعدت المسافة بينهما، وتعاظمت الخصومة. أصبح الطرفان أمام معركة وجودية. لن تقبل السعودية الا بالهيمنة على اليمن، ولن يقبل أنصار الله الا باستقلال اليمن. ففي الهيمنة بقاء واستقرار النظام السعودي، وفي استقلال اليمن بقاؤه ورفاهه، وحكماً بقاء أنصار الله واحتفاظهم بمكاسبهم، وقوتهم ومنعتهم.

لم تكن سوى الحرب طريقاً وخياراً بالنسبة للسعودية، ولم يكن سوى الصمود والدفاع خياراً بالنسبة للشعب اليمني.. وهذا معنى أن تكون حرباً مصيرية.. وهكذا فهمها السعودي واليمني سواء بسواء.

الخطة العسكرية السعودية في الحرب على اليمن تتلخص في السيطرة على نقاط استراتيجية في الشمال اليمني تؤدي الى انهيار النظام في صنعاء. ولذلك اختارت النفاذ عبر مديرية نهم على بعد 40 كيلومتراً من حدود العاصمة صنعاء، والتي بدأت المعارك فيها في منتصف ديسمبر 2015.

جبهة نهم مثّلت البوابة الشرقية لصنعاء العاصمة، وهي ذات موقع استراتيجي وتطل مباشرة على العاصمة، وتبعد عن وسطها نحو 60 كيلومتراً. ولذلك كان ينظر الى معارك نهم بأنها مفتاح السيطرة على صنعاء. ولكن النتائج كانت صادمة لقوى العدوان، لكثرة سقوط القتلى في صفوفها، ولا سيما من الجنوبيين والسودانيين والكولومبيين (في السودان بدأت ردود الفعل الشعبية تتصاعد وتطالب بارجاع الجنود السودانيين الى البلاد، فيما شكى المقاتلون الكولمبيون بأنهم جاءوا من أجل المال وليس الموت) وكان آخرها المعارك الأخيرة في مايو الماضي.

بعد فشل معارك نهم، اختارت السعودية الساحل الغربي بديلاً للوصول الى صنعاء، حيث وضع هدف احتلال الحديدة لتأمين الطريق الى صنعاء (برغم بعدها نحو 271 كم عنه). هي ترى في الهيمنة على ميناء الحديدة تأميناً لحدودها، كما يسقط رمزية الدولة اليمنية. ولذلك رمت بكل ثقلها العسكري، وأفرغت كل مخازنها من العتاد من أجل تحقيق هذا الهدف، وكادت أن تفعل ذلك بوصولها الى قرب الحديدة بمسافة 11 كم، وفي الطريق البحري المطلّ على المدينة، مستغلة الغطاء الجوي الذي يؤمّن الحماية لجنودها ويسهّل وصولهم الى الهدف.

أسقط ميناء ميدي الصغير في توطئة لاجتياحات واسعة النطاق، ولكن فوجئ المقاتلون الجنوبيون ومن المرتزقة من السودان وكولومبيا وأريتيريا وغيرها بعملية التفافية مباغتة أدت الى سقوط المئات من القتلى، الأمر الذي أثار فزعاً لدى المقاتلين على الأرض وسرى ذلك للسعوديين والاماراتيين برغم من نزول ضباط أميركيين وبريطانيين على الأرض لقيادة غرفة العمليات.

وبحسب خبير استراتيجي فإن أهمية الحديدة تكمن في رمزيتها أكثر من أهميتها العملانية، فالميناء لم يعد يستخدم بسبب الحصار، إلى جانب سيطرة الامم المتحدة عليه، وهي الشريك الفعلي مع قوى العدوان. وفي الأصل، بحسب الخبير، لا يستفيد أنصار الله ولا حلفاؤهم من هذا الميناء.

وحتى في حال سقوطه عسكرياً، فإن لا تغيير حقيقياً سوف يطرأ على طرق الإمداد، والأمر الآخر وهو المهم أن كلفة البقاء في الحديدة باهظة للغاية، إذ لا يمكن الاحتفاظ بها فيما تبقى المواقع المطلّة عليها بيد أنصار الله، ما يجعلها ساقطة عسكرياً.

وعليه، فإن السعودية تقوم بعملية خاسرة عسكرياً، ولكنه القلق والخوف على المصير يدفعان بها الى ارتكاب هكذا أخطاء عسكرية غبية. ولم يعد سراً، واليمنيون يدركون تماماً ما تفكّر وتخطط له السعودية من أجل تأمين وحماية ظهرها، وتمهيد الوصول الى صنعاء. ولكن هذه عملية دونها خسائر فادحة بشرية وعسكرية، وتتطلب إمكانيات ضخمة وجبّارة، وربما هذا ما تنبّهت له السعودية والامارات مؤخراً الامر الذي دفع بهما لطلب التدخل الأميركي لمساعدتهما في إنجاز معركة الحديدة.

سوف يكون من الغباء أن ينساق الأميركي وراء رغبة السعودي والاماراتي، إذ حينئذ على القيادة العسكرية الاميركية أن تجهّز آلاف التوابيت لجنودها.

تزداد المعارك تعقيداً، ويزداد اليمنيون صلابة وصموداً، ليس لأن المعارك سهلة دائماً، فهي في نهاية المطاف حرب شاملة. وليتخيل المرء أن سلاح الجو السعودي وحده يقوم في بعض المعارك بـ 200 غارة جويّة في اليوم الواحد، ويشارك في بعض الطلعات الجوية سرب من الطائرات. يقول أحدهم بأن الجنون السعودي بلغ في بعض الأحيان أن تقوم طائرة حربية بإفراغ حمولتها وتوجيه صواريخها على طفل كان يركض هرباً في الصحراء فتصيبه وتمزق جسده.

من يراقب الأداء العسكري السعودي في الحرب لن يصدّق مقولة أن السعودية تدافع عن حدودها، أو تحمي نفسها من خطر أمني، فهذا لا يتطلب كميّة هائلة من الصواريخ والعتاد والبشر والأموال، ولو كان كذلك لكان معشار ذلك يكفي. ولكنّها حرب الوجود الذي يجعلها تضع كل ما تملك، وتوظّف كل تحالفاتها، وأموالها، وحتى سمعتها من أجل تربحها.

نصائح العسكريين الإقليميين والغربيين، لا قيمة لها ولا تسمع لا في الرياض ولا حتى في أبوظبي، برغم أن قرار الحرب كما يقول اليمنيون هو أميركي بامتياز. في المقابل، قرّر اليمنيون على الأقل هذا ما تسمعه منهم منذ أكثر من عام أن السعودية تريد استعبادنا، أو بكلمة أحدهم يريدوننا «أقناناً» وهذا ما لا يقبله حر وكريم. ولذلك سوف نقاتل، حتى النهاية مهما كلّف الأمر.

يقول خبير استراتيجي أنه في ظل الاستقطاب الحاد والتنافر المبدئي على قاعدة الاحساس بالخطر الوجودي لدى كل منهما، ليس هناك سوى عوامل ثلاثة يمكن أن تغيّر في مسار الحرب الدائرة في اليمن.

الأول: انفراط عقد التحالف العربي بقيادة السعودية.

الثاني: تخلي الولايات المتحدة عن السعودية.

الثالث: دخول روسيا على خط الحرب في اليمن.

لا يستبعد هذا الخبير أي من العوامل، ولا يقلّل من أهميتها، بل يرى بأن كل عامل منها قابل لأن يكون واقعاً. وكلما طال أمد الحرب، وتفاقمت التناقضات بين أطراف التحالف، وبين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وكذلك الاشتباك الروسي الاميركي، بتداعياته الإقليمية، يجعل من كل عامل ممكناً عملياً.

في النتائج، فإن السعودية بقدر ما تستعجل الحسم، فإنها تدرك تماماً صعوبة المعارك إن لم يكن استحالة التوصّل فيها الى نتائج فارقة وكاسرة. بعد خسائر معارك الحديدة، حيث تراجعت القوات بمسافة أربعين كيلومترا من المدينة، وبدأ التذمر يسود صفوف المقاتلين في تحالف العدوان أصبحت فكرة الحسم مستبعدة.

الآن هناك تهويل باحتلال الحديدة، وقد بدأت عملية عسكرية سعودية إماراتية جديدة، مدعومة من أمريكا وبريطانيا.

ليس من المرجح تحقيق نصر سعودي اماراتي، حتى لو أدى ذلك الى تدمير الميناء نفسه.

على صعيد آخر.. يشير الخبير الاستراتيجي الى أن السعودية راهنت طويلاً على قبائل الشمال، ولا سيما في الطوق الشرقي بالتمرّد على أنصار الله وقتالهم. ولكن في حقيقة الأمر ما حصل كان عكسياً تماماً، فقد بقي الشيخ ولكن من دون قبيلة، ماعدا نفر قليل يتبعه من كبار السن، أما الشباب فقد باتوا ضمن الطوفان البشري الذي يقاتل في صفوف الجيش واللجان الشعبية. يقول أحد قادة أنصار الله بأنه بعد بدء الهجوم على الحديدة دعا عبد الملك الحوثي، زعيم أنصار الله، الشعب اليمني لرفد الجبهة، فزحف نحو عشرون ألفاً في غضون ثلاثة أيام، حملوا بنادقهم وقادوا سياراتهم باتجاه الحديدة، وهذا في حد ذاته يشكل عاملاً حاسماً في الحرب، إذ لا يزال تدفق المقاتلين قوياً وفارقاً.

لا شك أن معارك الساحل الغربي بالغة الخطورة، ولكن الميزان العسكري لا يزال لصالح الجيش واللجان الشعبية. مزاعم الانتصارات في اعلام السعودية والامارات لا تتوقف، وتضخيم الانتصارات بات ديدن بيانات التحالف، في وقت تكشف خارطة المواجهات العسكرية عن تراجع في مواقع استراتيجية وحيوية وانكسارات كبيرة لزحوفات جرى الاعداد لها على مدى أشهر.

هي مرحلة قد تكون مفصلية، ولكن ليست حاسمة، وأن المحاولات السعودية الاماراتية سوف تتواصل على أمل أن تمهد لأي خرق ميداني لاستدراج القوات الأميركية للتدخل المباشر، فهي لن تغامر في الاشتباك الأرضي ما لم تلمس نتائج محسوسة على الأرض. يعلّق الخبير الاستراتيجي على الأميركيين الانتظار طويلاً حتى يحقّق السعودي والاماراتي عبر جيش المرتزقة فروقات ميدانية.

يقول الخبير بأن أقسى مافي المعارك أن يوضع اليمني في مقابل اليمني، حيث يقف المقاتلون الجنوبيون في الصف الأول في المواجهة ضد الجيش واللجان الشعبية، ثم يأتي من بعدهم السوداني والكولومبي والاثيوبي في الصف الثاني، ويليهم السعودي والاماراتي ثالثاً ثم الاميركي والبريطاني رابعاً.

خلاصة نهائية، إن الحرب في اليمن ليس مقدّراً لها أن تتوقف في أي وقت قريب، وإنها سوف تتواصل حتى حصول فارق ميداني كاسر لصالح أي من الطرفين: السعودية أو الشعب اليمني وتحديداً أنصار الله، أو حصول متغير في أحد العوامل المذكورة أعلاه، ودون ذلك فإن الحرب لا نهاية لها قريبة.

الحجاز

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك