الرئيسية + النشرة + بعد ثلاث سنوات من اختطافه.. المعارض أحمد المغسل لا يزال مصيره مجهولاً في السجون السعودية
المعارض السياسي المغسل الذي أختطف من قبل فرع المعلومات التابع لتيار المستقبل في مطار بيروت

بعد ثلاث سنوات من اختطافه.. المعارض أحمد المغسل لا يزال مصيره مجهولاً في السجون السعودية

1058 يوماً، وأحمد إبراهيم المغسّل المعروف بالحاج “أبو عمران” لا أحد يعلم مصيره. ثمة شائعات وأخبار عن استشهاده تحت التعذيب. لا أحد من أسرته أو معارفه يستطيع نفي الشائعة أو اثباتها. فطوال سنوات ثلاث ومنذ لحظة اختطافه لم يسمع صوته أو يره أحد، فهو مقطوع عن العالم كله عدا سجانيه ومسؤولي السلطات السعودية. ابتلعته غياهب السجون السعودية، بعد عملية أمنية أدت إلى اعتقاله من على أرض مطار بيروت الدولي وتم نقله إلى الرياض وأخفي أثره منذ تلك اللحظة؛ اخفائه وانقطاع أخباره أثارت الريبة والخوف على مصيره المجهول، الذي ارتسمت معالمه بشكل مخالف للأصول القانونية والأخلاقية ومعاهدات حقوق الإنسان، ومخالف حتى لقوانين السلطات في الرياض،،،

مرآة الجزيرة ـ سناء إبراهيم

نحو 20 عاماً من الملاحقة الأمنية احتاجتها السلطات السعودية لتتمكن من اعتقال المعارض السياسي أحمد المغسل، (مواليد القطيف 26 يونيو 1967)، وذلك بالتواطؤ مع جهاز فرع المعلومات المحسوب على الموالين للرياض في العاصمة اللبنانية بيروت. ملاحقة “مخابراتية” أدت إلى اعتقال المحكوم بالإعدام والمطلوب أيضاً لدى مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي أحمد المغسل، المتهم بالمسؤولية عن تفجير أبراج إسكان مدينة الخبر في 25 يونيو 1996، الذي راح ضحيته 19 جندياً تابعين لسلاح الجو الأمريكي، فيما جرح 372 آخرين، وجاء اتهام المغسل رغم تبني تنظيم “القاعدة” على لسان زعيمه حينها أسامة بن لادن عملية التفجير، غير أن السلطات السعودية أصرّت على توجيه الاتهامات في وقت متزامن لجماعات القاعدة وآخرين من الشيعة واعتقلت العشرات من الجانبين فيما وجهت الاتهام لآخرين ووضعتهم على قائمة المطلوبين أمنياً بينهم أحمد المغسل.

بحسب المعلومات المتوافرة، فإن المعارض الخمسيني انقطعت الأخبار عنه منذ اللحظة الأولى لاعتقاله، ولم يتواصل مع ذويه، انقطاع يؤكد أن السلطات السعودية تخفي أثره وتمنع الإدلاء بمعلومات عنه، فيما عمد بعض منسوبي وزارة الداخلية في المباحث العامة إلى تسريب وبث شائعات عن تصفيته، ما أثار الريبة والشكوك والمخاوف لدى أسرته ومعارفه، وتشتد المخاطر التي يواجهها المختطف المغسل بالنظر إلى سجل الرياض الحقوقي سيء السمعة، إذ تمارس في السجون السياسية أشد العقوبات بحق النشطاء دون أن يخضعوا لمحاكمات عادلة وعلنية، وقد تنهي حياتهم بحدّ السيف ومقصلة الأحكام القضائية المسيسة، وهي سيناريوهات تطرح تساؤلات عن أسباب الإخفاء القسري للمعتقل المغسل والغموض الذي يلف مصيره، خاصة بعد أن تجاوز اعتقاله المدة القانونية للتوقيف أو التحقيق أو الاحتجاز، بحسب ما ينص عليه نظام الجزاءات السعودي، والقانون الدولي والمعاهدات الحقوقية.

أسرة المغسل تسعى للاتصال به

بعد اختطاف المغسل في بيروت وقبل الاعلان عن ذلك، أوقفت السلطات السعودية شقيقه الشاعر فاضل المغسل وزوجته على جسر البحرين الدولي وأخضعوهم للتحقيق قبل ان يفرج عنهم دون الإفصاح عن المبررات، وبعد نحو 3 أيام داهمت فرقة من المباحث بصحبة عمدة تاروت منزل والده وافتادته و2 آخرين من أشقاء المعتقل المغسل إلى مقر المباحث حيث تم استجوابهم وسحب عينات دم منهم جميعاً، وحتى اللحظة لم تكن أسرته تعلم عن خبر اختطاف ابنها, الأمر الذي انكشف لهم لاحقاً بعد إعلان السلطات السعودية عن خبر تسلمه رسمياً.

وعلى مدار الشهور التالية استمرت أسرة المغسل تراجع كافة الدوائر الحكومية المعنية وبينها أمارة المنطقة الشرقية ومحافظة القطيف والشرطة والمباحث محاولة تقصي أخبار ابنها ومعرفة مصيره والاطمئنان على صحته وظروفه، غير أن جميع محاولاتها باءت بالفشل ما تسبب في انتكاسة صحية لوالده الذي أصيب بجلطة قلبية لم يتعافى منها حتى اليوم فتوقفت الأسرة عن متابعة قضية ابنهم، وبعد فترة نحو 3 أشهر، عاود أشقاء المعتقل محاولات البحث والتقصي وطرق أبواب الدوائر الرسمية، ولم تكلل جهودها بالنجاح أمام إصرار المسؤولين السعوديين على نفي علمهم عن الحاج المغسل ومكان اعتقاله.

وفي شهر مارس 2018 حاولت أسرة المغسل الحصول على أية معلومات عن مصير ابنها المعتقل “الحاج أبو عمران” فعادت تطرق أبواب مكاتب الأمارة والمحافظة والشرطة والمباحث وبعد إصرارهم على معرفة أي خبر عنه واجههم أحد الضباط بعبارة واحدة “اعتبروه هلك”!!

الإصرار السعودي على إخفاء المغسل وتغييب مصيره ومنع اسرته من الاتصال به منذ اعتقاله في بيروت، أثار الخشية على حياته، ومما ضاعف المخاوف عدم سماح السلطات السعودية له بالتواصل مع أيّ أحد من عائلته وعدم السماح له بتوكيل محام لتولي مهام الدفاع والترافع عنه. انقطعت كافة المعلومات والأخبار عن مكان وظروف اعتقاله وعن وضعه الصحي نفسياً وجسدياً، إذ اكتفت السلطات بالتباهي باعتقاله كانجاز أمني وعمدت إلى إخفاء تفاصيل مرحلة ما بعد الاعتقال بشكل تام، ما يجعل مصيره على المحك، خاصة مع ممارسة السلطة السعودية عقوبة الإعدام والقتل خارج نطاق القانون بشكل متكرر ومتواصل، مضافاً إلى أن عشرات السجناء قد لقوا حتفهم تحت التعذيب وتكتمت السلطات على مصيرهم طوال 100عام من قيام العرش السعودي، فيما أعدمت عشرات النشطاء والمعارضين من شيعة “القطيف والأحساء” خلال السنوات الـ7 الماضية وامتنعت عن تسليم جثامينهم إلى ذويهم، دون الاكتراث إلى المطالبات المحلية والدولية، كما تنتهك سلطات الرياض حقوق الإنسان ومعايير المحاكمة العادلة، وفق ما يؤكد الناشط الحقوقي المحامي طه الحاجي في حديثه لـ”مرآة الجزيرة”.

الإخفاء القسري والاحتجاز يخالف مواد القوانين بالسعودية

المحامي طه الحاجي وفي حديث خاص مع “مرآة الجزيرة”، حول الاختفاء القسري للمعارض أحمد المغسل، يرى أن الرياض انتهكت الأنظمة التي سنّتها بنفسها وخالفت قوانينها الموضوعة، إذ تناقض حالة اعتقال وإخفاء المعتقل وعزله عن العالم الخارجي لمدة طويلة ما نصت عليه المادة الثانية من نظام الإجراءات الجزائية، والذي يحظر إيذاء المقبوض عليه جسدياً ومعنوياً ويحظر كذلك تعرضه للتعذيب والمعاملة المهينة للكرامة، ويضيف الحاجي: بحسب النظام نفسه لا يجوز القبض على أي إنسان أو تفتيشه أو توقيفه أو سجنه إلا في الأحوال المنصوص عليها نظاماً، مشيراً إلى أن إخفاء المعارض أحمد المغسل طوال هذه المدة يُعتبر صنفاً من صنوف التعذيب المعنوي، الذي يمتدّ ليطال عائلته التي لا تزال لا تعلم ما مصيره وتُحرم من التواصل معه، بل تعرّض بعض أفرادها للاعتقال.

ويذهب الحاجي للقول بأن السلطة السعودية باحتجازها المغسل قرابة 3 سنوات من دون معرفة أي معلومة عنه، تخالف ما نصّت عليه المادة الرابعة من نظام “الإجراءات الجزائية”، والتي تنص على حق المتهم بالاستعانة بوكيل أو محام للدفاع عنه في مرحلة التحقيق والمحاكمة، ويؤكد إن “هذا خلاف ما يحدث على أرض الواقع حيث يُحرم المعتقل في مرحلة التحقيق من الاستعانة بأي شخص كان سواء وكيل أو محامٍ”، ما يُعد انتهاكاً صارخاً وفاضحاً وينافي تصريحات السلطة في كل المحافل الدولية والإعلامية بأنها تكفل هذا الحق للمتهم.

المعارض المعتقل أحمد المغسل، المنقطعة أخباره، يشكل حرمانه من حقوقه القانونية المكفولة في القوانين السعودية، التي تخالفها السلطات، تجاوزاً على كل القيم والمبادئ الإنسانية والدينية, إذ يُشدد الناشط الحقوقي الحاجي على أن استعانة المعتقل بمحام حق ثابت وأصيل ومنصوص عليه في النظام بغض النظر عن الاتهامات الموجهة إليه، وبغض النظر عن الشخص ومدى خطورته وأهميته ومهما كانت قضيته، ويُعد هذا تفسير لادعاءات السلطة بوصف المغسّل بأنه “أخطر مطلوب” ومن أبرز الأفراد القياديين في تجمع سياسي برز نشاطه المعارض للنظام السعودي، أواخر التسعينيات الميلادية وعُرف باسم “حزب الله الحجاز”، وقد تزعم السلطة أن سبب إخفائه يعود لهذه الأسباب ولعمله المعارض، إلا أن قوانينها الموضوعة تنص على أنه مهما كان الاتهام الموجه للمعتقل، يجب على السلطة السماح له بالاتصال بعائلته وبالاستعانة بمحام.

يختتم المعتقل المغسل العام الثالث في غياهب الاخفاء القسري، من دون محاكمة، وهو أمر مخالف لنص المادة 114 من نظام “الإجراءات الجزائية” السعودي، التي حددت المدد النظامية للاحتجاز بحيث لا تتجاوز 180 يوماً كحد أقصى، حيث يتعين بعدها إما الإفراج عن المعتقل أو إحالته للقضاء، وهو ما لم تلتزم به السلطات في حالة المعتقل المغسل كما في عشرات الحالات الأخرى، على الرغم من أن المادة 114 تنص على مدة احتجاز طويلة جداً وقد واجهت انتقادات حقوقية شديدة، “إلا أن الحكومة في تعديلها الأخير للنظام أصرّت على إبقائها وإضافة فقرة تطلق يدها في رفع مدة الاعتقال بلا سقف معين”، يقول الحاجي، مضيفاً أن “السلطة اشترطت أن يتم تمديد الاعتقال بأمر قضائي وفي حالات استثنائية”.  يؤكد المحامي الحاجي أنه في ظل الغياب التام للشفافية وانعدام عدالة واستقلال القضاء تكون المادة المذكورة مشاركة أصلاً في الانتهاك”، مستدركاً بالقول “هذا في حال فرضنا جدلاً التزام الجهات الأمنية بها”.

عشرون عاماً على الملاحقة الأمنية

السلطات السعودية سجلت انتهاكات جسيمة بحق المعتقل المعارض أحمد المغسل، الذي عانى على مدى 20 عاماً من التضييق والملاحقة الأمنية، لتمعن بعدها السلطة في انتهاك حقوقه وتوسع مروحة الإيذاء لتطال ذويه بعدم السماح لهم بالتواصل معه ومعرفة مصيره.

ويصف مصدر أهلي عملية اختطاف المغسل بأنها “استمرار لسياسات القمع واستهداف المعارضين والنشطاء، فالمغسّل اعتقل بموجب قرار سياسي استغلت الرياض علاقاتها ونفوذها مع فريق الرابع عشر من آذار في لبنان المسيطرين على جهاز فرع المعلومات المسؤول عن اختطاف المغسل وتسليمه للرياض دون أية ضمانات لحمايته من التعرض للتعذيب ودون اعتبار للمخاطر المحدقة بحياته في السجون السعودية”.

وكان المغسل قد اختطف من مطار بيروت الدولي، بعدما حطّت الطائرة التي كانت تقلّه من إيران، ولم يكن اسمه معمماً على جهاز أمن المطار بوصفه مطلوباً أو ما شابه، إذ كان يستخدم جواز سفر إيرانياً باسم مختلف، واستُمِع إلى إفادته لساعات معدودة، قبل أن يجري تسليمه للسلطات السعودية بموجب قرار أمني سياسي اتخذ على عجل ودون علم السلطات القضائية اللبنانية.

وفي أعقاب اعتقال المغسل كشف النشطاء الشيعة في القطيف والأحساء عن مستوى متزايد من القلق على حياته أكثر، مستذكرين توجه السلطات السعودية خلال الأعوام 1996 /1998 إلى تصفية عدد من المقربين من “حزب الله الحجاز” داخل سجون المباحث السرية، بينهم الشهيدين ميثم البحر ومحمد الحايك، وهي ترفض حتى اليوم  تسليم جثمان الأخير لذويه أو الكشف عن مكان دفنه، وهو ما فعلته مع جثامين عدد كبير من الشهداء، بينهم الرمز الشيعي البارز الشهيد الشيخ نمر باقر النمر؛ إذ يريط المصدر الأهلي الذي فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، بأن “الخوف على مصير الحاج المغسل يتأتى من المصير الذي لاقاه نشطاء ساروا على دربه كان مصيرهم الإعدام والاغتيال” وما يلبث أن يستدرك: ” الحاج أبو عمران يمثل صيداً ثميناً للسلطات السعودية وقد تستخدمه كورقة لتأمين مصالحها الداخلية والخارجية، وقد تلجأ إلى تصفيته إرضاء لرغبة الانتقام والتشفي من الشيعة أو من الجمهورية الاسلامية في إيران أو بهدف إرضاء الإدارة الأميركية”.

الجدير بالذكر، أنه في 2 يناير 2018م، اعتقلت السلطات السعودية شقيق المعارض المختطف أحمد المغسل، الشاعر فاضل المغسل من مركز عمله كمعلم في مدرسة “النجاح” بمحافظة القطيف، دون مذكرة اعتقال، وهو الآخر لم يُسمح له بتوكيل محامي للدفاع عنه، كما مُنعت أسرته من زيارته ولم تمكنه السلطات سوى من إجراء اتصال واحد خلال الأسبوع الأول من اعتقاله، ثم انقطعت أخباره حتى اللحظة.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك