الرئيسية + النشرة + اعتقال الحقوقيين: المكان والزمان والأشخاص الخطأ!

اعتقال الحقوقيين: المكان والزمان والأشخاص الخطأ!

في أول يوم من شهر رمضان الكريم، فاجأنا محمد بن سلمان بحملة اعتقالات طالت ناشطات حقوقيات، ومحامين، فيما فرض على العديد من الناشطات والناشطين حظر السفر،،،

محمد شمس

من بين المعتقلات: لجين الهذلول، التي اشتهرت بقيادة سيارتها من الإمارات الى الحدود السعودية، حيث جرى اعتقالها هي وسيارتها، وحرمت فترة من الزمن من اكمال دراستها الجامعية في الإمارات، كما منعت مؤخراً من السفر قبل ان تُعتقل.

ومن بين المعتقلات، الناشطة الحقوقية عزيزة اليوسف التي لعبت دوراً محورياً في تنظيم الحراك النسائي المطالب برفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة؛ وعائشة المانع، البالغة من العمر سبعين عاماً، والتي اعتقلت اكثر من مرة بتهمة قيادة السيارة، ومنعت من السفر اكثر من مرة، وقيل ان اعتقالها الأخير كان عند جسر البحرين ـ السعودية. والمانع، كانت احدى اللواتي قدن سياراتهن تحدياً في ١٩٩٠، وشاركت في تسجيل تلك التجربة في كتاب (السادس من نوفمبر ـ المرأة وقيادة السيارة).

الدكتور القانوني والمحامي، خريج هارفرد، إبراهيم المديميغ، أُخرس صوته في حسابه بتويتر، تحت وطأة التهديد بالإعتقال. وها نحن بعد سنة يتم اعتقال المديميغ، لمجرد أنه كان محامياً لعدد من معتقلي الرأي.

ومن المعتقلين محمد فهد الربيعة، وإيمان فهد النفجان، وعبدالعزيز محمد المشعل. وهناك توقعات باعتقالات أخرى قادمة، يروج لها رجال المباحث على مواقع التواصل الاجتماعي، مع تهديدات متوالية باعتقال الحقوقيين والحقوقيات بأثر رجعي.

لماذا اعتقل هؤلاء؟

الحكومة تقول لأنهم «خونة»، و»عملاء للسفارات الأجنبية»، وقد أنشأ الذباب الإلكتروني السعودي هاشتاقا في اللحظة: (# عملاء السفارات). وبذا يكون المعتقلون وفي أقل من اربع وعشرين ساعة، قد تم التحقيق معهم، وحوكموا، وصدرت احكام تؤكد خيانتهم، في ظل القضاء السعودي العادل.

توقيت الاعتقالات غريب. ليس فقط كونه الأول من رمضان المبارك، والذي اعتاد المواطنون الأمل باطلاق سراح المعتقلين بهذه المناسبة، وليس اعتقالهم.. وانما لأن المعتقلات بالذات هنّ ممن أيدن محمد بن سلمان، بشأن قيادة السيارة، وهنّ ينتظرن تصرّم شهر رمضان المبارك، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ المملكة! مرحلة السواقة في الأسبوع الأول من شوال.

سنضع المعتقلين الرجال جانباً. بمن فيهم النبيل المحامي إبراهيم المديميغ.

لكن بالنسبة للنساء، فإن أول ما يلفتنا، هو أن محمد بن سلمان لم يحقق حتى الآن أي منجز، وكل المنجز الذي يريده سيأتي عبر (حقوق النساء). ولأنه يكاد يكسب بعض الاعلام الغربي، كمدافع عن حقوق المرأة، او كمحرر لها، يقوم وبعكس ما يتوقع أي أحد، باعتقال النسوة اللاتي ناضلن من أجل حقوقهن، وفي مقدمة ذلك، قيادة السيارة.

لماذا يقلب ابن سلمان على نفسه ظهر المجن؟

لماذا يفرط ببعض السمعة الإيجابية التي حصل عليها؟

وما هي الفائدة، والغرض الحقيقي وراء فعلته الطائشة باعتقال الحقوقيين والحقوقيات؟

في حين تقول الإعلامية السعودية ايمان الحمود، بأن سبب الاعتقالات هو محاولة بعض النسوة تشكيل جمعية نسوية لحماية المعنّفات باسم (آمنة)، حيث تقدمن بكافة المستلزمات بهدف اشهار الجمعية عبر الطرق القانونية، واذا بهن (عملاء السفارات).. يعتقد الدكتور المعارض حمزة الحسن بأن هناك ربطاً بين الاعتقالات وإرضاء مشايخ هيئة كبار العلماء، ويشير الى زيارة محمد بن سلمان الأخيرة الى بيت الشيخ صالح الفوزان، حيث كانت بغرض استرضاء المشايخ الغاضبين من قراراته، بما فيها قيادة السيارة. ولذا جاءت الاعتقالات التي قد تمهد لقرارات أخرى، تسترضي التيار الوهابي.

وهناك سبب محتملٌ آخر، ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال، وهو أن الاعتقالات تهدف منع أي شخص من سرقة منجز قرار قيادة المرأة للسيارة. فالمنجز ـ حين يبدأن بقيادة السيارة ـ لابن سلمان وحده، وهذا ما يختلف بشأنه الكثيرون.

وتذكر وول ستريت جورنال، بأنه يوم أعلن خبر السماح للمرأة بقيادة السيارة، وجهت السلطات عبر مواقع التواصل لـ ٢٤ ناشطة بأن لا يغردن، ولا يؤيدن القرار، وان لا يتحدثن مع وسائل الاعلام.

نتذكر الآن، ان النسوة اللاتي اعتقلن بسبب قيادة السيارة في ١٩٩٠ والى ما قبل اعلان ابن سلمان السماح لهن بذلك، والنسوة اللاتي صادر ابن سلمان سياراتهن، ومنعهن من السفر لمطالبتهن بمجرد قيادة السيارة. هؤلاء النسوة تحولن الى ايقونة محلية. فبعد جهد جهيد، وعنت من السلطات، ومكافحة مستديمة على مواقع التواصل، انتصرت النسوة، وحققن ما يردن، وحين اعلن ابن سلمان تراجعه، طفقت الناشطات تبارك احداهن للأخرى، وتذكّر بجهودها، والتي لولاها ما ظهر قرار السماح بقيادة المرأة.

ولهذا دعا كثيرون الى تكريم النسويات اللاتي عانين واعتقلن ومنعن من السفر وحتى طردن من الوظيفة بسبب دعواتهن لرفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارة، واقترح احدهم تسمية الشوارع باسمهن، وذكرهن في مناهج التعليم، وغير ذلك.

لكن يومها كان ابن سلمان وذبابه الالكتروني مستاءً جداً: كان مستاءً من أن المنجز لم يُنسب له بشكل كامل، وإنما أُشرك فيه ضحاياه السابقات! او ضحايا عائلته غير الكريمة.

الآن تقول لنا وول ستريت جورنال، انه وبعد أسابيع ستقود المرأة فعلياً سيارتها، وابن سلمان لا يريد نسويات حاضرات يتلقين التهاني والتبريكات والنصر.

يريد ابن سلمان ان يُنسب المنجز له وحده.

لكن ان كان هذا هو ما يريده حقاً، أي احتكار المجد المزعوم؛ فقد أخطأ الطريق، بل عاكس الاتجاه تماماً.

ان اعتقال الناشطات الحقوقيات المعروفات عند القاصي والداني، وبتهمة الخيانة وزعزعة الأمن، وما أشبه، انما يمثل طعنة لنفسه، ولغروره، ويؤكد بأنه شاب أرعن، وانه لا يؤمن بحقوق امرأة ولا غيرها، وانما يريد ضرب القوى الاجتماعية بعضها ببعض من اجل السيطرة على السلطة في نهاية الأمر.

وفي الحقيقة فإنه من الصعب تسويق ما قام به ابن سلمان لدى حلفائه الغربيين ايضاً.

فالسفارات المعنية بالاتهام، هي سفارات غربية.

ورغم ان المزاعم كاذبة جملة وتفصيلاً، فإنه ـ كما قال احدهم ـ حريّ بابن سلمان ان كان ما يزعمه حقاً، ان يجرجر سفراء الدول المعنية، ويحذرهم من التدخل في الشؤون الداخلية، او يطردهم حتى!

الخونة: لا مكان للخونة!

لاقى اعتقال الناشطين والحقوقيين في السعودية استنكاراً، وصدرت بيانات من منظمات حقوقية تندد بما قام به أمن ابن سلمان.

المحامية والباحثة في امنستي ماي رومانوس تدعو الى عدم خلط الأوراق: (اذا كانت المطالب الحقوقية تهز أمن الدولة، فاعرف ان السلطة مهزوزة أصلاً). ورأى عبدالله الزهوري ان وصم الناشطين بالخيانة قبل الشروع في إجراءات قضائية يشير الى العبثية والإرتجالية وخفة العقل التي يدار بها كل شيء في هذا النظام.

المحامي الحقوقي طه الحاجي، كتب من المنفى أن الناشطين في السجون والمنافي وممنوعون من الكتابة، وأضاف: (الآن نرى المتردية والنطيحة تشكك في وطنيتهم وتصفهم بعملاء السفارات. زمن أغبر). وأضاف: (الأبواق التي أزعجتنا بانفتاح الحكومة السعودية، وتغير نهجها، واستبشارها بها، هل تصدر منهم كلمة حق في حق المدافعات اللاتي بذلن الكثير؟). واستغرب ضياء سعيد من سرعة اتهام المعتقلين بالخيانة (للتو تم القبض عليهم، وأمامهم مرحلة التحقيقات وبعدها القضاء، ومحاكمات يدافعون فيها عن أنفسهم. فعلى أي أساس جزمتم بأنهم خونة، وجهزتم لهم المقاصل؟!).

نايف العساكر، شقيق مدير مكتب محمد بن سلمان، لا يقبل حتى (النأي بالنفس)، حيث يقول: (الذي يصمت عن تأييد وشكر ولاة الأمر، بعد القبض على عملاء السفارات، هو خائن لدينه ووطنه، ومحل ريبة وشك، اما كونه شريك مستتر لهم، او جاهل لا يعرف ديناً ولا وطنا).

انها حملة ترهيب وترويع يشارك فيها داعية مزعوم يحرض المواطنين على تأييد الظلم والظالمين.

المحامي في المنفى عبدالعزيز الحصان، يخاطب آل سعود ونخب الحكم النجدية: (والله انني لكم ناصح، ومنذ ست سنوات أدفع ثمن النصيحة في المنفى. يا قوم الظلم مهلك، والاعتقال التعسفي ظلم، وتشويه السمعة ظلمات فوق الظلم. أي عقول هذه التي تظن أنها تحمي الوطن، وهي تهدّه بالظلم؟). وأضاف: (لا يوجد أحد يحب الوطن أكثر منا، دفعنا سنين عمرنا ما بين المعتقلات والمنافي. اقولها بحرقة قلب: هذا ليس الطريق ايتها الحكومات المتعاقبة. هذا ليس الطريق).

الحجاز

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك