شهداء الصلاةمقالات

حول المجلس العلمائي الشيعي في السعودية!

تكرر الحديث مؤخرا حول انشاء مجلس علمائي شيعي في المملكة في أعقاب الاعتداءات الانتحارية التي ضربت القديح والدمام وقبلها الدالوة. ويمكن القول -من حيث الأصل- ان التوجه نحو مأسسة أي عمل تعد فكرة معقولة، والجسم الديني شأنه في ذلك شأن أي تجمع نوعي آخر -أدبي او عمالي أو طلابي- يستحق الانتظام ضمن إطار او مؤسسة ترعى شئون أعضاءه.

وعلى اعتبار ان التشخيص السليم للمشكلة يمثل نصف الحل، يبدو من المناسب هنا مناقشة ما اذا كان انشاء مجلس علمائي شيعي في هذا الوقت يمثل الاستجابة السليمة للتطورات الأمنية والسياسية الأخيرة أم لا!.

من المهم بداية، أن نضع الاعتداءات الإرهابية الأخيرة ضمن إطارها الصحيح. فالاعتداءات تمثل في جوهرها تحديات أمنية في المقام الأول، وهي تحديات سياسية بالضرورة. إن فهم هذه البدهية البسيطة يفترض أن يقودنا تلقائيا نحو النقاش في ضرورات الأمن والسياسة بالدرجة الأساس، ثم يأتي بعد ذلك النقاش في القضايا الأخرى، ذات الطابع الثقافي والديني والإجتماعي. ان هذا الكلام ليس دعوة لتنحية قضايا الدين والاجتماع والثقافة جانبا، بقدر ما يشير إلى أهمية ترتيب سلم الأولويات تبعا للظروف الحساسة “الأمنية والسياسية” التي أعقبت الاعتداءات الآثمة، بخلاف ما كان الأمر سابقا.

من هنا يأتي السؤال بشأن ما اذا كان انشاء مجلس علمائي ديني، يمثل اطارا مناسبا لتمثيل المجتمع بكل تنويعاته. فليس خافيا أننا بإزاء مجتمع متنوع يعج بالنخب الفكرية والثقافية والسياسية وحملة الشهادات العليا من الجنسين!، وعليه؛ ما الميزة المفترضة التي تجعل هذا المجلس مقتصرا على فئة أو طبقة اجتماعية معينة دون غيرها، وهو المفترض به تمثيل الجميع!. نعم، قد يصح مثل هذا لو كنا في زمن الأمية والجهل التي كانت تغرق المجتمع قبل عقود، أما اليوم فنحن في زمن انقلبت فيه الصورة!، وعليه ينبغي تناول مسألة تشكيل الأطر والمؤسسات من زوايا عديدة، أبعد من الزاوية الدينية والمذهبية الضيقة.

في هذا الصدد، أجد من المناسب التنويه سريعا إلى تجربة انشاء المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، وهي التجربة التي تطرح باستمرار كمثال نموذجي ينبغي الإحتذاء به. ولنا أن نعلم هنا، بأن ظروف النشأة التي لازمت ظهور المجلس الشيعي الأعلى، مختلفة كل الاختلاف عن الظرف الذي نعيشه اليوم! فقد جاء تشكيل المجلس استجابة لتحدي التهميش الذي طال الطائفة الشيعية في لبنان، في وقت كان جلّهم قرويون غارقون في الجهل والفقر والتخلف والأمية، فيما عدا فئتين صغيرتين؛ الاقطاعيون ورجال الدين، ولذلك عندما همّ الإمام موسى الصدر بتشكيل المجلس، كان من الطبيعي أن يجعله اطارا علمائياً، لأن رجال الدين كانوا يمثلون الفئة المتعلمة. أما اليوم -بعد انقلاب الصورة- فالجميع يرى كيف بات يقتصر دور المجلس الشيعي الأعلى على التمثيل الروحي والمعنوي للطائفة الشيعية في لبنان، فيما باتت القيادة السياسية للطائفة تكمن في مكان آخر، وتحديدا عند الحركتين السياسيتين الأكبر؛ حزب الله وحركة أمل.

وعلى غرار ما سبق، يمكن النظر لتجربة المجلس العلمائي الشيعي المنحل في البحرين. فقد ظل المجلس منذ لحظة إنشاءه اطارا روحيا للطائفة الشيعية، حتى مع وجود قيادات سياسية معروفة بين أعضاءه، غير ان المجلس لم يكن يمثل بأي حال قيادة سياسية فعلية للشيعة هناك، بل ظلت القيادة السياسية الفعلية للطائفة الشيعية في البحرين بيد حركة الوفاق أكبر الأحزاب السياسية الشيعية هناك.

من هنا، نحن معنيون جميعا بضرورة تشخيص واقعنا الراهن على نحو سليم ودقيق حتى تأتي خطواتنا استجابة لمشكلاتنا الفعلية، لا ردات فعل لمشكلات متخيلة!. وبعبارة أدق ودون مواربة نقول، اذا كنا بصدد النقاش في تشكيل إطار يرعى الجوانب الروحية للطائفة فهذا شأن، أما اذا كنا بصدد تشكيل إطار سياسي فذلك شأن آخر مختلف تمام الإختلاف، ويتطلب إنشاؤه الأخذ في الاعتبار طبيعة الظرف السياسي والتنوع الاجتماعي والتداخل المذهبي، والأهم من ذلك يتطلب خطوات أبعد وأوسع بكثير من مجرد الحديث خلف الميكروفونات.

حسين العلق

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى