الرئيسية + النشرة + عام على اجتياح العوامية.. استهداف طائفي دموي والمسورة المهدومة مطوّقة عسكرياً!

عام على اجتياح العوامية.. استهداف طائفي دموي والمسورة المهدومة مطوّقة عسكرياً!

قبل 365 يوماً، حشدت السلطات السعودية قواتها العسكرية، وشدّت رحالها بكل ترسانتها العسكرية المتوّحشة باتجاه بلدة العوامية الغافية على شواطئ مياه الخليج الدافئة.. هناك على ناصية القطيف في أقصى الشمال حيث تمتد أنابيب النفط بمحاذاة مزراع الرامس الشهيرة وبجانب الطريق العام المتجه إلى شركة أرامكو في مدينة الظهران وشركات البتروكيماويات بمدينة الجبيل.. لتصب في مصفاة رأس تنورة.. هناك على أطراف العوامية حيث تتسامق أعمدة الدخان المشتعل من مداخن آبار الغاز، وحيث مخابئ المضادات الجوية في القاعدة العسكرية للدفاع الجوي.. في ساعات الفجر الأولى والناس نيام تسللت المدرعات والعربات المصفحة لتنفذ هجمة غير مسبوقة على المنطقة العائمة على كنوز الطاقة والثروة، وراح جنود غرباء عن اهل البلدة يقتلون أهلها، يشرد أبناءها، يعتدون على بيوتاتها، محالها التجارية، ومدارسها،،،

مرآة الجزيرة – سناء إبراهيم

مارست السلطات السعودية أقصى ما تملك من وسائل “أرهبة” السكان وإرعابهم، انتهكت كافة الأعراف والمواثيق المحلية والدولية، لتحوّل البلدة إلى ساحة حرب حقيقة. في سويعات وأيام كانت شديدة الأخوال وثقيلة الحركة فرضت معاناتها على المنطقة بكافة بلداتها. قبل عام، سُعّرت نيران الهجمة على المنطقة المحرومة من خيرات أراضيها، وراحت الآلة العسكرية تفرز المشهد تلو الآخر لملامح الكبت السلطوي الذي برز بنهجه المتلوّن عبر القمع والقتل والترهيب الذي لم تسلم منه الجدران والشوارع والمنازل، كما لم يسلم منه الشاب والطفل والكهل، نساء ورجالاً، أكانوا من الأهالي أم من المقيمين الأجانب، وانتهاء بارتكاب المجازر بحق الحيوانات في الزرائب والمزارع!

آلة التدمير تقتحم العوامية

على أجساد 31 شهيداً وعشرات الجرحى، امتدت هجمة شرسة شنتها السلطات السعودية بمختلف فرقها العسكرية التابعة لوزارة الداخلية وفرق من الحرس الوطني والجيش، لاجتياح العوامية وتطويقها والهدف تدمير كل الأحياء التي شكلت حاذنة للقورة وللاحتجاج ضد الظلم والتهميش والتمييز، وراجت معاول التراكتورات المدعومة بالمدرعات ومدافع الهاون تهدم وتجرف حيّ المسورة التاريخي مسقط رأس الرمز الشيعي الشهيد الشيخ نمر باقر النمر وعدداً من الأحياء المجاورة، التي هُدمت جميعها وتم تهجير قاطنيها، بمزاعم تنفيذ خطط “التطوير والعمران”، التي لم يبرز ولم يظهر منها سوى تحويل الأحيّاء السكنية وكل ما احتضنه حي المسورة من آثار وتراث إلى مساحة جرداء تخلو اليوم حتى من الركام والحطام المتجمّع، لكنها لا تخلو من الأرتال العسكرية والقوالب الخرسانية, حيث تفرض السلطات السعودية حتى اليوم حصاراً يطوّق  الحي والمنطقة وتحظر دخول وتجوال الأهالي مع انتشار المركبات والمدرعات المصفحة في كل الاتجاهات.

حصار وتفتيش

يوم العاشر من مايو 2017، لم يكن يوماً عادياً في العوامية، استفاق أهالي البلدة على أزيز الرصاص الحيّ وقذائف الآر بي جي، دويّ وأزيز كان ينذر ببدء الهجمة الشرسة وحفلات القتل وسفك الدم الحرام. انطلقت الهجمة باحتراق عدد من المنازل بعد إستهدافها بالقنابل، وسقوط شهداء وجرحى، مشهد استمر طويلاً، فيما كانت شاحنات ضخمة محملة بمئات القوالب الاسمنتية الصلبة والعالية بارتفاع يجاوز 3م تحترق طرقات البلدة بهدف تطويق الأحيّاء وعزلها عن بعضها.

هدم وتجريف

جهّزت السلطات السعودية مدرعاتها من أجل استحداث المزيد من نقاط التفتيش الجديدة حول مداخل ومخارج البلدة. بدأ هجوم القوات السعودية قرابة الثالثة والنصف فجر الأربعاء 10 مايو، وقد استقدمت عدداً من الجرافات ومعدات الهدم بمرافقة ارتال من المدرعات والجنود المسلحين المتخفين وراء أقنعة سوداء، وفق مصادر محلية، وصفت ما جرى بأنه”عدوان من عصابات مسلحة تم تنفيذه بأيدي قوات النظام السعودي”.

حرائق وتجويع ومنع للدواء والعلاج

مرت أيام وليال والعوامية وأهلها يعيشون تحت وطأة العدوان، الذي شلّ الحركة العامة، وعطل مصالح الناس وبدأت تضمحل الخدمات والتموينات الغذائية، إلى أن مُنعت بشكل نهائي، فيما العائلات محاصرة في منازلها وسط البلدة وقد نفذ ما لديهم من الماء والأكل والاحتياجات الرئيسية، ومع وجود آلاف الأطفال وكبار السن والمرضى، ساءت حالتهم جميعاً مع انقطاع الكهرباء ومنع وصول الاسعافات لهم، في حين كانت القوات تواصل اطلاق الرصاص والقذائف وحرق المحال المنازل بالتزامن مع استمرار الجرافات في هدم حيّ المسورة وعشرات المنازل في أحياء كربلاء والمنيرة والمنصوري وغيرها، بمؤازرة الفرق العسكرية التابعة للحرس الوطني وقوات الطوارئ والمهمات الخاصة، مدعومين بطلعات جوية للمروحيات العسكرية، ولم تستنكف قوات النظام السعودي أن تجرب مختلف أنواع الأسلحة الرشاشة وقذائف الآر بي جي والإنشطارية بوجه أناس عزّل ومن وسط المدارس والأحياء السكنية.

اشتدّ الحصار وبدأ يتسلل إلى البلدات المجاورة، من صفوى والبحاري إلى القديح، احتشدت على أعتابهم القوات السعودية، بمدرعاتها وعرباتها المصفحة وفرقها العسكرية المدججة بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وبدأت القذائف تنهمر على البلدات المجاورة لتتوسع دائرة الاستهداف وتتكاثر أعداد المصابين.

حُرم الأهالي من أبسط مقومات الحياة اليومية عبر فرض الحصار الخانق ومنع دخول التموينات الغذائية والأطقم الطبية. وتوالت الأيام على وقع أزيز الرصاص ودوي القنابل والانفجارات وأدخنة الحرائق، لتفرض السلطة عقاباً جماعياً على البلدة التي طالب أهلها بإنهاء فصول المعاناة والحرمان والتمييز الطائفي ونهب الثروات، فكان عقابهم تهجير أكثر من 20 ألف نسمة من أهالي العوامية..

هدم وتجريف وتشريد

فُرض على آلاف العواميين النزوح قسراً من أرضهم وبيوتاتهم، ليتشتتوا على مساكن مؤقتة في بلدات القطيف والدمام والخبر. تحت وابل من الرصاص، هُجّرت العوائل، وراحت تبحث عن أماكن تأويها، وسط أزمة اقتصادية خانقة فرضت عليهم منعتهم من تأمين ثمن إيجار المنازل مع الاعتداء على الأرزاق والمزارع والمحال التجارية، فسكن بعضهم في الحسينيات والمساجد وأقبية بعض المحسنيين من أهالي القطيف وسيهات والدمام، فيما لجأ آخرون للاستئجار في الفنادق وفي عمارات الشقق المفروشة بمدن الدمام والخبر والجبيل وصولاً إلى العاصمة الرياض!.

الأزمة السكنية التي تعانيها “القطيف والأحساء”، لعبت دوراً في عدم تمكين العوائل من إيجاد منازل بديلة تأويهم، لقلة العمران في المنطقة ومنع النظام وقانون البلديات من التصريح بانشاء الفنادق والشقق المفروشة في عموم بلدات القطيف وسيهات وصفوى! الأمر الذي فاقم معاناة الأهالي بشكل أكبر.

وحتى بعد أيام الاجتياح، لم يستطع كثير من الأهالي العودة إلى بيوتهم، وبقي نحو 10 آلاف من أهالي البلدة لا يستطيعون العودة إليها بعد أن تم تدمير وتجريف منازلهم في أحياء المسوّرة، المنيرة، كربلاء وعدة أحياء أخرى مجاورة، ووقعوا تحت وطأة معاناة التهجير والحرمان.

أكثر من ثلاثة أشهر، حوّلت السلطات السعودية خلالها حي “المسورة” التاريخي والأحياء السكنية المجاورة إلى أكوام تراب وركام أحجار وحطام أمتعة وممتلكات وسط أرض خالية، تحيط بها الحواجز العسكرية والمدرعات المصفحة، إضافة إلى تضرر باقي الأحياء في العوامية بالقذائف والرصاص وأعمال الحرق والسلب والسرقات التي أطلق عنانها النظام السعودي لعساكره طوال 100 يوم يستبيحون بيوتات ومحلات البلدة بلا رقيب أو حسيب.

100 يوم اجتياح،لم ينقطع خلالها أزيز الرضاض ودوّي القذائف تحت حصار خانق تعددت معه صور القمع والإرهاب للنيل من المواطنين المدنيين العزل، ورفعت السلطة سوط التضييق والقمع بيد عناصر قواتها  الذين نفذوا حملات اعتقال واسعة متزامنة معوقائع التحرش وعمليات التفتيش والمداهمات المتواصلة ليلاً ونهاراً، انتهاكات لم يسلم منها الكبار والصغار على حد سواء.

رصاص الاجتياج يخطف 31 روحاً

ضمن مجارز وحرائق الاجتياح تبرز معاناة الشهداء وأهاليهم، رصاص الغدر اخترق أجساد عشرات الأشخاص، وأنهى حياة نحو 31 منهم، بينهم طفلين لم يبلغا الخامسة من العمر، سجاد أبو عبدالله وجواد مؤيد الداغر، لا تزال أصواتهم تناغي مسامع أهلهم، قضيا برصاص قوات الطوارئ التي كانت تترجم همجيتها في شوارع البلدات، مستهدفة المارة والعابرين على الطريق أو في سياراتهم.

فلول القوات السعودية ضاقت ذرعاً بمشاهدة أبناء البلدة يتحركون في أرجائها، وراحت تقنص في الشوارع وحتى في البيوت والمحلات التجارية.. فلم يسلم الشاب والخمسيني، وابن المنطقة والوافد والمقيم.

خلال الاجتياح سفكت القوات السعودية دماء كل من: حسين أبو عبد الله، علي مهدي السبيتي، محمد عبد العزيز الفرج، محسن الأوجامي، حسين السبيتي، حسين الزاهر، جعفر المبيريك، صادق درويش، حسن العبدالله، محمد الصويمل، علي أبو عبد الله، فاضل آل حمادة ، الطفل جواد مؤيد الداغر، علي محمد عقاقة، وهب فكري معيوف، أمين محمد آل هاني، عبد المحسن الفرج، محمد ارحيماني، والطفل سجاد أبو عبدالله، وعدد من المقيمين، بنيران غادرة من قوات الطوارئ ومدرعاتها.

الهدف كسر عزيمة الشعب

وبين ظلمة الليل ووضح النهار، كانت عمليات الاغتيال تحاول كسر عزيمة وصمود الأهالي وصبرهم على المعاناة، حيث ارتقى عدد من الشهداء غيلة وآخرون قضوا بحدّ السيف خلف قضبان السجون تحت عنوان تنفيذ أحكام الاعدام، في محاولة لترهيب الأهالي وتخويفهم من بطش السلطة وعناصرها، ليرتقي في ساحة سيهات وفي عتمة الليل الحالك النشطاء جعفر آل مبيريك، حسن العبدالله وصادق آل درويش، فيما نفّذ الإعدام بحق النشطاء المعتقلين زاهر البصري، مهدي الصايغ، يوسف المشيخص، وأمجد المعيبد، ليرفع النقاب عن وجه السلطة الموسوم بالبطش بحق أبناء “القطيف والأحساء”.

فصول الانتهاكات التي مورست بحق أبناء العوامية ومسوّرتها الأثرية وعلى الرغم من تحذير الأمم المتحدة من هدمها، افتعلت أمام صمت العالم ومؤازرة بعض الدول الغربية، التي مدّت الرياض بصفقات الأسلحة التي انتهكت حرمة الطفولة والإنسانية وأزهقت أرواح البشر وهدمت الدور ودمرت التراث.

وعلى مرأى من العالم أجمع، دمّرت القوات السعودية الأرزاق وأحرقت المنازل والمؤسسات الحيوية، وأغلقت المدارس التي تحوّلت سطوحها إلى مخابئ تتخفى وراء جدرانها العناصر المدججة بالسلاح وتقصف البيوتات وتُرعب الأهالي، وتحرمهم من راحة العيش.

ولا يُنسَ مشهد الاقتحامات والمداهمات التي لم تخلُ من العبث والتكسير والاعتداءات بمؤازرة الرصاص الحي، الذي لا تزال آثاره ماثلة وشاهدة على الجدران في كل شارع وزقاق، في حين كانت سرقة البيوت، من قبل عناصر القوات دليل واضح على انحطاط أخلاق السلطة وجنودها.

طائفية السلطة تستهدف مساجد وحسينيات الشيعة

سيناريو الاجتياح، الذي كشف عن الوجه الطائفي في ذروته يوم التاسع من أغسطس، حمل على امتداد الأيام ترهات الانقضاض الطائفي، عبر قصف المساجد وتدميرها والاعتداء على الحسينيات وتكسيرها وتجريفها. يوم 9 أغسطس شهد ذروة الشحن الطائفي والاستهداف السلطوي المتواصل للأماكن العبادية التي تحظى بقدسية عند الشيعة، فكان اجتياح المسوّرة وبدء تجريف المنازل والبيوت، واستباحة القوات بأسلحتها حرمة المسجد الوحيد الذي بقي مشيداً في البلدة، اقتحمت العناصر مدفوعة بروح طائفيية وشحنات من الحقد والعنصرية وراحت ترقص على أعتاب المسجد وبدأت بتكسير الصور المرفوعة والآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، والرايات الدينية، مرددة أهازيج وعبارات طائفية مقيتة.

وبالتزامن مع هذا المشهد، كانت الجرافات المُحاطة بالعربات المصفحة، والمدرعات تعمل على تجريف ما تبقى من بيوتات “المسوّرة”، التي تحوّلت إلى ساحة خالية من إلا من ركام، فُرض حوله طوق أمني “يُمنع الاقتراب منه”.

لاحقاً أحصى النشطاء الحقوقيوم ما تم هدمه من دور العبادة مؤكدين أن 7 مساجد و9 حسينيات، تمت تسويتها بالأرض وأصبحت أثراً بعد عين، وقد عُرف من بين الحسينيات والمساجد التي تم هدمها: “1- مسجد الزهراء 2- مسجد أحمد بن محمود 3- مسجد الفتية 4- مسجد الشيخ محمد 5- مسجد أهل البيت ٦- مسجد الأمير 7- حسينية الإمام الحسن (الزواوورة – العريض) 8- الحسينية الفاطمية 9- حسينية الشهيد علي قريريص 10- حسينية أم البنين 11- حسينية الزاهر 12- حسينية الشيخ محمد بن نمر 13- حسينية الشيخ علي الخنيزي 14- حسينية السادة 15- حسينية آل الشيخ”.

الصمود حكاية مستمرة

ولئن مرت أيام الاجتياح، بين قتل ومداهمات وهدم واعتقالات وطائفية تكشر عن أنيابها، ليصل بطش السلطة مداه وحده الأقصى؛ فإن الصمود والعزيمة والصبر والتكاتف الذي برز بين أهالي “القطيف والأحساء” حكاية مستمرة، إذ أبى الأهالي أن ينفذ مخطط السلطات الهادف إلى التغيير الديمغرافي في المنطقة، فكان التآزر والتكاتف سيد الموقف، وكان التضامن بين جميع البلدات التي انتفضت لمساندة أهالي العوامية واستقبالهم ومساعدتهم، في حين كان الصمت الأممي يُخيم على الأجواء، وسط تغطية خجولة من الإعلام الغربي لأحداث اجتياح البلدة وما رافقه من قتل وتدمير، وغالباً ما تبن الاعلام الغربي وجهة نظر السلطات.

بعد عام على الاجتياح، تحت حجج وذرائع واهية، لاتزال العوامية ومسوّرتها التي تحولت إلى حطام ترزح تحت وطأة التضييق العسكري، والأهالي لا يزالون يعانون من الحرمان، وانعكاسات الاجتياح والتهجير، حيث لم تعوض عليهم السلطات بأي شيء لتأمين مأوى لكثير من العائلات التي خسرت سقوفها وأرزاقها واحرقت مزارعها ومحالها
التجارية، على الرغم من المزاعم والإدعاءات التي انهالت على لسان المسؤولين.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك