الرئيسية - النشرة - التشيع العلوي والتشيع السعودي

التشيع العلوي والتشيع السعودي

مرآة الجزيرة

قدم المفكر الإيراني الشهير الدكتور علي شريعتي الكثير من الأفكار الثورية والنقدية لما يعتبره انحرافاً عن التشيع الأصيل.

وعلى الرغم من حيوية كتبه وأفكاره بعد مرور ما يقارب أربعين سنة على عملية اغتياله في لندن عام 1977م من قبل جهاز المخابرات الإيراني “السافاك”، يبقى كتابه الشهير “التشيع العلوي والتشيع الصفوي” من أكثرها حيوية وشهرة وجدلاً ليومنا هذا، حيث لايزال الكتاب والمثقفين وعلماء الدين يتناولونه بالإيجاب أو السلب من حين لآخر.

بحسب علي شريعتي أن التشيع العلوي الذي من مميزاته رفض الظلم ونصرة المظلومين، والمناداة بالعدالة والمساواة، تم العبث به عقب تقرب رجال الدين من الأسرة الصفوية التي كانت تحكم إيران، عبر اشغال العامة بالطقوس الدينية بدل الاهتمام بالمبادئ السامية للدين، إضافة للتلاعب بالمفاهيم بحيث تجعلها تتلائم مع الرغبات الحكومية، ما شكل بحسب شريعتي تشيعاً جديداً بمميزات مختلفة عن الأصل، فأصبح متناسبا مع ما تريده حكومة إيران حينذاك، وهو ما اطلق عليه بـ “التشيع الصفوي”.

يشكل الفكر الشيعي من الناحية النظرية مشكلة كبيرة للحكومات الاستبدادية على اعتباره على أقل تقدير يرفض الذوبان والدخول في الحكومات التي تتميز بالظلم والبطش، لكون ذلك يتناقض مع آيات قرآنية وروايات دينية. لم يكن أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين يأخذ الشيعة تعاليمهم وفهمهم للدين منهم -على اعتبارهم المنبع الصافي المتصل للرسول الأعظم عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، يقبلون أن يعطوا شرعية للحكومات الظالمة فضلا عن رفضهم القاطع لتأييد السياسات الظالمة وعمليات القتل التي حصلت في التاريخ الإسلامي للمعارضين على اختلاف مشاربهم وأساليبهم. بالرغم أن الأئمة أتخذوا أساليب مختلفة، ولم يقوموا جميعا بمواجهات مباشرة مع الحكومات، بيد أن جميعهم رفضوا محاولات الحكام لجرهم لمستنقعهم الآسن.

على سبيل المثال: يروى أن المنصور العباسي الذي كان معروفاً بدمويته، كتب يوماً للإمام الصادق (عليه السلام): لمّ لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟ فأجابه: ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك، ولا تراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك؟!
فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا.. فأجابه: من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك!

التشيع السعودي

منذ سنوات والسلطة السعودية تجتهد في تدجين خطاب العديد من صانعي الرأي العام الشيعي المحلي عبر سياسة العصا والجزرة، وإعطاء الأوامر فيما هو مطلوب منهم الحديث عنه، أو ما هو محرم عليهم، وذلك من أجل تقويم خطاباتهم وجعلها تتناسب مع خصوصية الحكم “السعودي”، ولقد زادت السلطة من استخدام هذه السياسة بعدما رأت أنها بدأت تؤتي أكلها كل حين.

عبر سياسة وضع الخطوط الحمراء على ما يقال وما لا يقال، استطاعت السلطة ذبح الشهيد الشيخ النمر(الذي كان بمثابة حائط منيع ضد إرادة التدجين)، والشهداء، الربح، الشيوخ، الصويمل، بعد محاصرة الكثير من صناع الرأي وجعل الكثير منهم يتفننون في صناعة الشبهات والتبريرات من أجل التملص من المسؤولية والسكوت على عملية ذبحهم. وعبر هذه السياسة يستخرج الكلام المناسب للسلطة في الحوادث المختلفة.

على خلاف رجالات التشيع العلوي الذين كتبوا صفحات النضال في التاريخ بدمائهم ومواقفهم البطولية التي تعلي من قيم العدالة والحريّة، أو حتى تلك المواقف التي رفضوا فيها بطريقة أو بأخرى أن يتحولوا لأدوات للظالم يضرب بها من خرج عن طاعته، ينحاز رجالات التشيع السعودي لمعالجات المستبد الجائرة القائمة على القتل والإذلال، ويفلسفونها ما استطاعوا إليها سبيلاً!

إضافة لعمليات القتل، حتى الحروب، ممكن فلسفتها بحسب فكر التشيع السعودي، وتقديمها للرأي العام على اعتبارها حلا لا بد منه إذا كان الظالم يريد ذلك!

إن مفهوم التقية الذي يعني اخفاء معتقد أو فكر معين خشية وقوع ضرر مادي أو معنوي على صاحبه، يستخدم من قبل رجالات التشيع السعودي بشكل معيب لإرضاء الظالم وتجريم الضحايا حتى في مواضع الدماء، عبر ترديد نصوص دينية أو سبك فذلكات تضليلية للرأي العام، وهذا يعتبر بلا شك تدنيس لمفهوم التقية الذي شرع لحفظ الدماء والأعراض!

من الواضح للمتابعين أنه لا توجد منهجية وقيم ثابتة لدى رجالات التشيع السعودي، بل أنها تدور مع رياح السياسة حيثما دارت، وذلك يرجع إلى التماهي المستمر مع الظالم، في مشهد غير مألوف، وكأنه أتباع بلا مكابح حذو القذة بالقذة للتجربة السلفية “الجامية” التي تتعبد الله بطاعة الحاكم على الدوام، حتى وأن جلد ظهور الضعفاء وذبح العلماء والأطفال وسرق الأموال.

لا أبالغ حينما أقول أن مجاراة المستبد لحد التماهي باسم التقية تارة، أو باسم مصلحة “الطائفة” تارة أخرى، من شأنه “مسح” خصائص الفكر الشيعي العلوي عمليا من وعي الناس، وبذلك سيستبدل بتشيع سعودي يستسيغ أهله ممالأة المستبد باسم الوطنية وحب الوطن (الذي هو غطاء لعبادة الظالم كما قال الشهيد النمر).

زبدة القول، المذاهب والأديان والأفكار تبقى وتستمر بسنة التدافع، وإذا غابت هذه السنة لا يبقى منها إلا الشكل الذي سيكون بمقدور الظالم العبث به وتزيين أعماله القبيحة وعرشه الغارق في دماء الأبرياء، ما سيجعل الكثير لاحقا ينفرون من الدين على اعتبار أن رجاله سدنة للظالم.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك