الرئيسية - مقالات وأراء - مقالات - أساتذة محمد بن سلمان في الحداثة بالمذابح

أساتذة محمد بن سلمان في الحداثة بالمذابح

إن التحديث الإداري هنا وهناك، إذا صحّ حدوثه، لا علاقة له البتّة بالحداثة، فالأول تقنيات مجرّدة لا تُحدِث أية تبدّلات في البنية العامة، أما الحداثة فهي تحوّل شامل ينقل البنية برمّتها ويحوّلها إلى بنية رأسمالية، سواء كانت مُنتجة في الشمال العالمي، أو تابعة جنوباً، وتمثّل العقلانية والعلمانية والأحزاب والنقابات والثقافة الحد الأدنى من ملامح أية حداثة.

موفق محادين

ذهب بعض الكتّاب إلى مقارنة ما شهدته وتشهده السعودية مؤخراً، ويقصدون احتجاز عدد من الأمراء، وأجواء الانفتاح في مستويات معينة محدودة مع المصير الذي انتهت إليه موجات الفرسان في حقب سابقة، وبين شراء وليّ العهد السعودي لوحة بعينها، هي لوحة المخلّص للفنان الشهير دافنشي، فالعديد من الملوك والأباطرة الذين أشرفوا على نهايات الفرسان، قدّموا أنفسهم كمخلّصين مهتّمين بالآثار الفنية.

وقبل التعليق على ذلك نشير إلى أهم الوقائع التي تتعلّق بالفرسان والمذابح التي تعرّضوا لها:

1- كانت أول مذبحة ضد الفرسان الذين يمثّلون المرحلة السابقة، هي التي نفّذها الملك الفرنسي فيليب الثاني بالتواطؤ أو بقرار من بابا الفاتيكان، كليمنت الخامس، ضد فرسان مالطة وذلك 1305 بعد أن أصبحوا قوّة مالية وعسكرية كبيرة تهدّد مركز البابا نفسه.

وقد جرت هذه المذبحة بعد (فتوى) تكفّر هؤلاء الفرسان، كما سبقتها، سلسلة من المذابح المُماثلة ضد ما يُعرَف بالكاثار جنوب فرنسا، وهم فرقة مسيحية اتّهموا بالغنوصية والتأثّر بأفكار الإسماعيلية النزارية (الحشّاشون وفق التسمية الاستعمارية) ، كما جرى تكفيرهم أيضاً لقولهم بأن المسيح تزوّج وأنجب وترك سُلالة خاصة، منهم الكاثار..

وهو ما لخّصته رواية فرنسية صدرت بإسم (المنتظرة) للكاتبة كاتلين غوان.

2- المذبحة الكبيرة الثانية ضد الفرسان، هي التي نفّذها محمّد علي في مصر ضد المماليك 1881، وقد اشتهرت بمذبحة القلعة.

3- المذبحة الثالثة، ضد الفرسان، هي التي نفّذها السلطان العثماني، محمود الثاني، ضد الإنكشارية 1826، وقد عُرِفت بمذبحة (ميدان الخيل) في اسطنبول.

4- المذبحة الرابعة، هي التي نفّذها إمبراطور اليابان ضد فرسان الساموراي 1876، وقد لخّصتها السينما في فيلم شهير، هو الساموراي الأخير، من بطولة توم كروز وإخراج إدوارد زويك.

5- ومن الحملات الأخرى المشهورة، الحملة التي قادها قائد جيش محمّد علي وابنه بالتبنّي، إبراهيم باشا، ضد الحركة الوهّابية 1812 بعد أن أصدرت السلطنة العثمانية فتوى بتكفير الوهّابية واتّهامها بالعمالة للمخابرات البريطانية، وذلك رداً على فتوى الوهّابية بتكفير العثمانيين واعتبارهم خارجين على أهل السنّة والجماعة.

وقد قام إبراهيم باشا بقطع رؤوس الوهّابية في الدرعية، وبقطع آذان المُحاربين منهم وإرسال الرؤوس والآذان في سلالٍ كبيرة من الملح إلى السلطان العثماني، الذي قام بدوره بوضع الرؤوس في فوهة مدفع كبير وإطلاقها من جديد.

كما دخلت الوهّابية لاحقاً في صدامين كبيرين مع حليفها من آل سعود، الأول في معركة السبلة 1929 بعد ترسيم الحدود، وهزم فيها الوهّابيون بزعامة فيصل الدويش، والثاني عام 1979 في ما عُرِف بحادثة الحرم أو جهيمان العتيبي الذي تبادل التكفير مع آل سعود واقتحم مع مئات المسلمين الحرَم المكّي وأعلن عن المهدي، محمّد بن عبد الله، لكن مقتل الأخير ساعد في فشل الحركة (بوسع المهتّمين أكثر بهذا الموضوع العودة إلى دراسات فؤاد إبراهيم حول داعش والوهّابية).

وفي التعليق على ما سبق، وما كتبه البعض، أياً كانت نواياهم وخلفيّاتهم نبدأ مع بطلان القياس الصوَري أو الشكلي السائد عند كثيرين، سواء في الأدوات المنهجية المعروفة أو في لعبة الخطاب الجديدة، حيث يظلّ السياق أو الشرط الموضوعي (التاريخي بالضرورة) عنصراً وعاملاً أساسياً في أية مقاربة، ولا يختلف إثنان على غياب هذا الشرط غياباً تاماً مع الحال السعودية، فتصفية الفرسان في كل مرة كانت تعبيراً عن الصراع بين مرحلتين، وبين قوّتين من مصدرين ومرجعيّتين مختلفتين.

والأهم من ذلك توافر بنية اقتصادية – اجتماعية – ثقافية، كحامل لهذا التحوّل، أما ما حدث ويحدث في السعودية، وهو حال من الاشتباك الداخلي، فلا الصِدام الأول بين آل سعود وآل الشيخ (الوهّابية) في السبلة كان اشتباكاً بين مشروعين، بدليل أن الوهّابية ظلّت الأساس الآيديولوجي للحُكم السعودي، وكذلك الصِدام الثاني في الحرَم المكّي، بل أن الوهّابية لم تزدهر وتتحوّل إلى أذرعة عسكرية عالمية كما ازدهرت لاحقاً، وانطلاقاً من استحقاق خارجي (أميركي في أفغانستان) كما ازدهرت من قبل في إطار التوظيف البريطاني، وخاصة قلم الاستخبارات في شركة الهند الشرقية (ذراع بريطانيا وراء البحار) ، وذلك في إطار تكفير العثمانيين وإزاحتهم والحلول محلهم.

إن التحديث الإداري هنا وهناك، إذا صحّ حدوثه، لا علاقة له البتّة بالحداثة، فالأول تقنيات مجرّدة لا تُحدِث أية تبدّلات في البنية العامة، أما الحداثة فهي تحوّل شامل ينقل البنية برمّتها ويحوّلها إلى بنية رأسمالية، سواء كانت مُنتجة في الشمال العالمي، أو تابعة جنوباً، وتمثّل العقلانية والعلمانية والأحزاب والنقابات والثقافة الحد الأدنى من ملامح أية حداثة.

وفي الإطار العام، أخطر ما يرافق التحديث في القشرة، هو خطاب الاستشراق الأنثروبولوجي الذي يتعاطى مع الشرق (كحال توحّش) تحتاج إلى أشكالٍ من التمدين بمساعدة الرجل الأبيض، وهو ما لاحظه مُبكراً المفكّر الفرنسي روسو، كما مثّل جوهر أعمال المفكّر العربي الفلسفي، إدوارد سعيد، إذ ترسم للشرق الصورة التي يريدها المستعمر، إما لإبادته أو لإخضاعه وإلحاقه بمصالح المتروبولات الاستعمارية.

ولذلك غالباً ما يُقدّم البعض أنفسهم للعواصم الرأسمالية كمُصلحين (لشعوب) همجية، ويحظون بدعمهم، تحت هذه الذريعة ولا يتردّدون في تقديم كل ما هو لازِم وسخي لهذه العواصم.

الميادين

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك