الرئيسية - تحليلات - فقاعة النووي السعودي.. ماذا بعد؟!

فقاعة النووي السعودي.. ماذا بعد؟!

محمد شمس

ليس الخوف من النووي الإيراني وحده المحرّك لأهل الحكم في المملكة وراء العمل على تدشين عصر نووي سعودي. لا شك هو عامل رئيسي، ولكن المشكلة أن قرار النووي السعودي ليس سعودياً، بل أميركي بامتياز.

في العام 2007 وقّعت السعودية مع إدارة جورج بوش الإبن 4 اتفاقيات استراتيجية، وكان المفاوض الأساسي هو محمد بن نايف، وكان حينذاك لا يزال وكيل وزير الداخلية للشؤون الأمنية، ونائب أبيه وزير الداخلية الأمير نايف. واحدة من الاتفاقيات مخصّصة للنووي السعودي، ومن أجل طمأنة الجانب الإسرائيلي، طار جورج بوش الابن الى تل أبيب، ومن هناك أطلق تصريحاً مطمئناً بأن النووي السعودي لن يكون خارج إشراف الولايات المتحدة.

عقدة سعودية من إيران.. وحلم بالنووي!
على أية حال، فإن الاتفاقية على ما يبدو تعثّرت، وكان عهد الرئيس باراك أوباما برغم كونه العهد الذي أبرمت فيه السعودية أكبر صفقات تسلّح (طبعاً بالمقارنة مع العهود السابقة وليس مع عهد ترامب)، الا أن النووي لم يكن من بين الموضوعات التي طرحت للتداول مع ادارته، التي انخرطت في مفاوضات سريّة في سلطنة عمان وأماكن أخرى للتوصل الى اتفاق حول النووي الإيراني.

تجدر الإشارة الى أن المفاوضات النووية بين واشنطن والرياض في عهد أوباما فشلت لأن الأخيرة كانت تريد الحصول على معاملة أفضل، وأن يسمح لها بتخصيب اليورانيوم محلياً، في وقت كانت لا تزال المفاوضات مع إيران جارية، وكان الهدف منها تخريب المفاوضات وليس بالضرورة الحصول على وضع أفضل.

الظروف الآن تبدّلت، وأصبح بإمكان محمد بن سلمان وإدارة ترامب أن يستأنفا النقاش النووي، بعد أن أوصلت الرياض رسالة الى واشنطن بأنها قد تلجأ الى الروس أو الصينيين لتحقيق الحلم النووي السعودي.

«فوبيا إيران» أو «متلازمة إيران» باتت حاضرة في كل مداولات السعودية، الى حد أن الجانب السعودي اشترط على الجانب الأميركي من أجل قبول صفقة لصالح الأخير لبناء النووي السعودي، أن يتم خنق النووي الإيراني.

في لندن جرت المفاوضات في الثاني من مارس الجاري، حيث ترأس وزير الطاقة الأمريكي ريك بيري الوفد المشترك بين الوكالات من الجانب الأمريكي. والرهان في المفاوضات على عقود بقيمة عدّة مليارات من الدولارات للشركات الأمريكية من جانب. وفي مثل هذه الحالة، يثار عادة السؤال حول قدرة الولايات المتحدة على منع أصدقائها وحلفائها من امتلاك ترسانة نووية عسكرية، أي بكلمات أخرى تحويل المشروع النووي من أغراضه السلمية الى أغراض عسكرية.

في ديسمبر 2017 وقّعت شركة «روساتوم» الروسية خارطة طريق للتعاون مع المملكة للمساهمة في بناء 6 مفاعلات نووية، بعد أن تقدّمت الشركة في بداية نوفمبر من العام نفسه بعرض للجانب السعودي، وتقدّمت لاحقاً بطلب لبناء أول مفاعل نووي في السعودية». ولكن، وكما في صفقات أخرى تقتصر على مجرد «إعلان نوايا»، فإن النووي السعودي سوف يكون من نصيب الأميركي، وإن الكلام عن خارطة طريق للتعاون بين روسيا والسعودية في المجال النووي، انما كان لاستدراج الأميركي لقبول العرض، وليس من باب الموافقة، وهذا ما يفعله السعودي دائماً حين يريد إثارة الجانب الأميركي واستدراجه.

من جانبها، أوضحت وكالة «بلومبرغ» أن الصفقة المفترضة تتيح للشركات الأمريكية، أكبرها “Westinghouse Electric Co” بناء مفاعلات نووية في السعودية، مؤكدة أن البيت الأبيض ينظر في إمكانية السماح للسعوديين بتخصيب وإعادة معالجة اليورانيوم في تطوير برنامجهم النووي السلمي.

ونقلت الوكالة عن مصدرين مطلعين تأكيدهما أن الوزير الأميركي بيري ألغى زيارته المقررة إلى الهند، بغية حضور المشاورات بخصوص الصفقة مع السعودية في البيت الأبيض. وقد اجتمع وزير الطاقة الأمريكي في لندن مع نظيره السعودي خالد الفالح، ما يعتبر خطوة هامة في المشاورات المستمرة بين الطرفين على مدار الأشهر الأخيرة.

«أسوشيتد برس» أشارت الى أن المفاوضات بين واشنطن والرياض مرتبطة إلى حد كبير مع الصفقة النووية المبرمة بين إيران ومجموعة «5+1» عام 2015، ونقلت عن مسؤولين سعوديين لم تكشف عن أسمائهم قولهم إن المملكة قد تقبل قيوداً على برنامجها النووي، في حال أصبح الاتفاق النووي مع طهران أكثر صرامة.

وأوضحت الوكالة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصبح في موقف صعب، إذ وافق سلفه باراك أوباما على السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية بموجب الاتفاق النووي، ما استدعى تساؤلات من قبل حلفاء واشنطن الإقليميين بشأن القيود التي ما زالت مفروضة عليهم في هذا المجال.

المفاعل النووي الباكستاني خوشاب: هل تستفيد السعودية منه؟
وتخطط السعودية لبناء 16 مفاعلا تتجاوز قيمتها 80 مليار دولار في غضون 20-25 عاماً حسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذه الأنباء انتشرت قبل زيارة محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة في مارس الجاري. حتى الآن، وفي الظاهر أن المفاوضات جديّة، ولكن شأن موضوعات كثيرة قد تنته
ي الى لا شيء ويعود النووي السعودي الى مجرد فقاعة سياسية.

من جهة أخرى، ناقش عدد من الخبراء في شؤون الشرق الأوسط، سعي السعودية للحصول على سلاح نووي، وذلك في بداية مارس الجاري.

الصحفي والكاتب توماس ليبمان، ومؤلف كتاب: السعودية على الحافة: المستقبل الغامض لحليف أمريكا، قال بأن التخمينات والتلميحات حول رغبة سعودية مُحتمَلة في حيازة أو تطوير أسلحة نووية، لا تنفكّ تطفو على السطح دورياً منذ العام 1988، منذ أن حصل السعوديون سِرّاً على صواريخ صينية الصنع قادرة على حمل رؤوس نووية. لذا كان من المتوقّع أن تتصاعد وتيرة التخمينات راهناً، في ظلّ عزم المملكة على المضيّ قدماً في خططها الرامية إلى بناء محطات للطاقة النووية المدنية.

ورجح ليبمان ان الرياض لن تسعى إلى حيازة أسلحة نووية، بغضّ النظر عن مآل البرنامج النووي الإيراني، لأن المضاعفات السلبية لهكذا مسعى ستفوق بشكلٍ كبير أي مكسب استراتيجي قد يرشَح عنه. فالمملكة، التي تُعتبر ضمن الدول الموقِّعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وقد ربطت مستقبلها بالاندماج الكامل في النظام الاقتصادي والصناعي العالمي، وبالتالي فهي غير قادرة على تحمّل الإقصاء الدولي الذي قد ينجم عن مساعي حيازة أسلحة نووية.

وأضاف بأن السعوديين يدركون جيّداً أنه ليس لديهم أصدقاء كثر في الكونغرس الأميركي. من هنا، فإن أي مؤشّر على أن المملكة تنحو نحو حيازة أسلحة نووية، قد يضع حدّاً لصفقات بيع الأسلحة الأميركية للسعودية.

أما سايمون هندرسون، مدير برنامج سياسات الخليج والطاقة في معهد واشنطن، ففاجأنا بقوله: (ربما تمتلك السعودية بالفعل أسلحة نووية، بفضل باكستان، إذ يُفترض أنه بالإمكان إرسال صواريخ باكستانية مزوّدة برؤوس نووية إلى المملكة، سواء بهدف تعزيز قوة الردع السعودي ضد إيران، أو لحماية جزء من القوة الاستراتيجية الباكستانية خلال الأزمات مع الهند).

في حين استبعد كينيث كاتزمان، الباحث في دائرة البحوث التابعة للكونغرس، أن تستخدم السعودية التكنولوجيا النووية المدنية كغطاء لتطوير برنامج أسلحة نووية، إلا إذا خطت إيران في هذا الاتّجاه. وأشار الى المنافسة السعودية لإيران فهي لا تريد أن تبدو إيران وكأنها محتكرة للتكنولوجيا النووية في منطقة الخليج.

وشدد كاتزمان على أن أي ضوء أخضر قد تُعطيه واشنطن للسعودية لتطوير قوة نووية، فإنه سيترافق مع فرض قيود كبيرة على استخدام التكنولوجيا لمنع السعودية من تطوير أسلحة نووية. وخلص الى أن القادة السعوديين يدركون أن علاقة السعودية مع امريكا ستتلقّى ضربة لن تتعافى منها في حال انتهكت المملكة هذه القيود. وخلص الى أن حيازة الرياض تكنولوجيا نووية مدنية أمرٌ يخدم على نحو ملائم هدف السعودية الرامي إلى توجيه رسالة لإيران، مفادها أن أي خطوة تتخذها هذه الأخيرة لتطوير أسلحة نووية فستكون المملكة لها في المرصاد.

ومن مؤسسة كارنيغي، أوضح مارك هيبز الباحث في القضايا النووية، بأن خطوات الرياض لا تشي بأنها راغبة في حيازة السلاح النووي، خاصة وانها وقعت على عدد من المعاهدات الدولية بهذا الشأن. ويضيف بأن عداوة الرياض لإيران، قد تدفع الرياض سراً الى مجاراتها في تخصيب اليورانيوم؛ ثم يقلل هيبز من هذا الإحتمال لأنه لا توجد بنية تحتية سعودية علمية او مادية تساعد على تحقيق رغبتها في التخصيب.

وأخيراً، فإن جمال خاشقجي، يعتقد بأن الرياض ما كانت لتهتم بالموضوع النووي لولا التحدي الإيراني، فالقدرة النووية الإيرانية تمثل إضافة الى تهديد السعودية، إهانة لها محلياً ايضاً.

 

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك