الرئيسية - النشرة - بتر “الذراع السعودي” في لبنان.. الحريري يُعيد ترسيم التحالفات في الدّاخل
تسريبات استخباراتية تفيد سعي النظام السعودي إلى عمل تخريبي في داخل لبنان .

بتر “الذراع السعودي” في لبنان.. الحريري يُعيد ترسيم التحالفات في الدّاخل

الملف | مملكة آل سعود.. 2017 عام الهزائم والانكسارات

فور وصول رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري إلى الرياض، طُلب منه التوجه الى فندق “ريتز كارلتون” لعقد اجتماعات طارئة، تمهيداً لانتقاله الى قصر اليمامة للقاء سلمان بن عبد العزيز. ولدى وصوله الى الفندق، فوجئ الحريري بإجراءات أمنية استثنائية، ليكتشف انه وقع في الفخ وبات معتقلاً. نُقل الحريري الى فيلاّ تابعة للمجمع، ولم يتم إلحاقه بالفندق حيث كان يُحتجز نحو 100 أمير ووزير ورجل أعمال سعوديين.

عامر الحسن ـ خاص مرآة الجزيرة

سُلِّم الى الحريري بيان الاستقالة حيث تمّت كتابته من قبل الديوان الملكي، لم يُسمح للحريري بمطالعته اكثر من مرّتين بعدها تلاه على الهواء مباشرةً وقد بدا لافتاً للجميع أثناء تلاوة هذا البيان على شاشة “قناة العربية” ان الحريري لم يكن على طبيعته وكان واضحاً جداً أمر الإختطاف.

سلطات الرياض لم تسمح له بالتواصل مع مساعديه في لبنان لا سيما مدير مكتبه نادر الحريري كذلك رفضت في بداية الأمر اي تدخل او مساعي دولية لحلّ الأزمة الا أن جهود رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري في التنسيق مع حكومات غربيّة أدّت الى نجاح عملية إحراج “السعودية” دولياً وبالتالي الحسم الفرنسي لإسترجاع الحريري ومن ثم إعادته الى لبنان. الطريف هو آلية الإسترجاع، التي نُفّذت بشكل غير مباشر عبر  ذهاب الحريري الى فرنسا ومن ثم مجيئه الى لبنان وذلك على شاكلة الأساليب التي تعتمدها الدولة اللبنانية عند ردّ الأسرى من العدو الصهيوني.

إن أمر الإختطاف لم ينكفئ على نفسه إنما أُلحق بسلسلة من الهجمات السعودية ضد لبنان لا سيما في تمترس وسائل الإعلام الموالية للنظام “السعودي” ليس داخل السعودية فحسب إنما في لبنان أيضاً، وعلى الصعيد الدولي. اللافت هو أنه فور احتجاز الحريري نشطت الخلايا السياسيّة “السعودية” النائمة في لبنان لاسيما المنشقّين عن تيار المستقبل والقوّات، أمثال أشرف ريفي وسمير جعجع حيث سعى كلٍّ منهما بتنفيذ أجندة “سعودية” تؤدي بدورها إلى شحن الاجواء اللبنانية من خلال حشد اصطفاف طائفي سنّي الى جانب الحريري علماً ان الجهة الخاطفة هي سنيّة أيضاً.

التضامن الشعبي في لبنان غيّر المعادلة

جاء الإلتحام الشعبوي في لبنان كالقشّة التي قسمت ظهر البعير، إذ تغيرت المعادلة وأُحبطت كل مخططات “السعودية”. اثبت اللبنانيون هذه المرة حرصهم الشديد للحفاظ على وطنهم وأظهروا التكاتف العفوي الى جانب رئيس حكومتهم ضد التدخل الخارجي في شؤونهم الداخلية، والحديث عن الشعب اللبناني بكل طوائفه ولا نقصد أهل السّنة فقط، حتى أن الشيعة وضعوا مآخذهم من الحريري “السعودي” جانباً وطالبوا بعودة “الحريري اللبناني” الى لبنان. الشعب لم ينجر نحو فتنة بالرغم من تمترس الكثير من وسائل الاعلام اللبنانية والسعودية للكيل بمكيالين و”صب الزيت على النار”.

بأس “السعودية” مزدوج من الحريري إلى حلفائه

اظهرت السعودية بأسها من سعد الحريري بعدما دخل الأخير في تشكيل حكومة جديدة قوامها الوفاق الوطني بين حزب الله وتيار المستقبل وانتخاب الحليف الوفي لحزب الله الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهوريّة ما جعل بدوره البأس السعودي من لبنان مزدوجاً ليطال ثلاثيّة السّلطة، لم يقف الحريري عند هذا الحد لا بل أنه رحّب بإعادة النظر في حليفة حلفائه إيران، ظهر ذلك خلال استقباله لمستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، في زيارة خاصة للقاء الحريري في مقر الحكومة وسط بيروت، أكّد خلالها ولايتي على جهوزية إيران الدائمة لحماية استقرار لبنان.

نجاة الحريري من شباك محمد بن سلمان

جرت الرياح بما لا تشتهي سفن محمد بن سلمان فالأخير كان يظن بأن الحريري قد وقع في شباكه للأبد، عبر تصوير الحادثة “اعلاميّاً” بخلاف ما هي عليه، أي بإظهار الحريري بأنه انقلب على حلفائه وحنّ الى زمن الوصاية “السعودية” على تيار المستقبل، يمكننا القول في هذه النقطة أن الحريري كان ممثلاً غير بارع في آداء مسرحيّة محمد بن سلمان لا سيما خلال تلاوته لبيان الاستقالة او عند اجراء اللقاء الصّحفي مع المذيعة “بولا يعقوبيان”، تعمّد الأخير إيصال رسالة إلى الرأي العام مفادها: أنا لستُ بخير، هذا على الحلبة “السعودية” أما على تلك اللبنانية فقد أفلتت السعودية قراصنتها في لبنان “ثامر السبهان” و”وليد البخاري” بغية إشعال الأجواء الشعبية بالفتنة بين الفئة الشيعية الموالية لإيران وتلك السنية الموالية للسعودية عبر توجيه اصابع الاتهام الى حزب الله دون تقديم أي أدلة منطقية للمزاعم السائدة، الجدير بالذكر هو أن عملية إختطاف الحريري جاءت بالتزامن مع التقدّم الميداني لإيران وحلفائها في كل من سوريا والعراق، بالإضافة إلى تراجع تنظيم “داعش” الإرهابي، بالوقت الذي قرر فيه الحريري عدم الغوص في المستنقع “السعودي” وترتيب الأمور لصالح لبنان، ما جعل محمد سلمان يستشيط غضباً من تمرّد الحريري حين فشلَ “المتهوّر” في كل من سوريا والعراق وأُعيد التوازن بين القوى السياسية في لبنان.

سقوط المشروع” السعودي” في لبنان

لم تقف “السعودية” عند هذا الحد إذ بلغ غيظها في تحريض الكيان الصهيوني للمباشرة بإعلان حرب على لبنان مقابل تقديم العشرات من مليارات الدولارات، وهذا ما ذكره أمين عام حزب الله سماحة السيد حسن نصرالله في ظهوره التلفزيوني بمناسبة يوم الشهيد عقب احتجاز الحريري. الا ان السياسة الاسرائيلية تختلف جذرياً عن تلك التي في “السعودية”، بمعنى ان الاخيرة تنتهج سياسة الفعل وردّ الفعل ليس إلّا دون تحسّب للنتائج والعواقب، أو احتساب معدّل جدوى العمليات ما بين دفتي الإنجازات والخسائر، أما “اسرائيل” فوجدت نفسها ليست مضطّرة لتغامر وتدخل حرباً بالنيابة عن “السعودية” وهي حرب على مستوى عالي من المخاطرة التي تهدّد وجود الكيان الصهيوني في المنطقة، وذلك في ظل توازن الرعب بينها وبين محور المقاومة.

الحريري للوراء در!

الحريري بعد الإختطاف يختلف تماماً عمّا كان قبله، فبعد عقود من ولاء آل الحريري المطلق “للملوك السعوديين” زحف الأخير من الجلباب السعودي ببطء، لتقطع حادثة الإختطاف كل طرق العودة الى ما كان عليه سابقاً. يحافظ الحريري اليوم على حزب الله كشريك في الحكومة ويساير الى حدٍّ ما كل من تآمر عليه اثناء احتجازه منعاً للولوج في صدامات داخلية.

من جانب آخر خسرت “السعودية” حاضنتها السنيّة في لبنان تلك التي أنشأتها مع اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2005، آنذاك بدت “السعودية” بالنسبة لسنّة لبنان وكأنها المُخلّص الذي سيحمي وجود الطائفة طبعاً بالتزامن مع تسهيلات الداخل اللبناني من خائني الدولة وبقايا “إسرائيل” في الحكومة والمجلس النيابي اللبنانيين.

وبعد أن بُترت يدُ “السعوديّة”  شعبياً في لبنان وانهار ذراع آل الحريري بأكمله، السؤال هو: من هو المستثمر السعودي الجديد في لبنان؟

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك