الرئيسية + النشرة + المتهور بن سلمان أقصى قطر وحاصرها ففتحت أفق علاقاتها الخارجية

المتهور بن سلمان أقصى قطر وحاصرها ففتحت أفق علاقاتها الخارجية

الملف | مملكة آل سعود.. 2017 عام الهزائم والانكسارات

في عام 2013 تفاءلت “السعودية” بإعادة ترتيب العلاقة مع قطر إثر تنازل حمد بن خليفة آل ثاني عن الحكم لصالح إبنه تميم بن حمد إلا أن توارث الرفض القطري للمدّ “السعودي” وعدم التناغم مع “السعودية” على وقع رقصة السيوف، أدى بدوره إلى إحباط آمال الأخيرة بقضم قطر في مجال مشروعاتها السياسية،،،

حسن الطاهر ـ خاص مرآة الجزيرة

إن الخلافات القائمة بين قطر و”السعودية” ليست وليدة اللحظة إنما جاءت نتيجةً لتشنّجات مزمنة طالت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ظهر ذلك لأول مرة في عام 1913 عندما طالبت السعودية بضم قطر لها بإعتبارها جزءاً من إقليم الأحساء بما أنّ قطر لم توقع إتفاقية حماية عسكرية آنذاك، وفي العام 1965 تم توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين برعاية بريطانيا، إلا أنّ الحدود ظلت دون ترسيمٍ فعليّ وهذا ما خلق خلافاً بين الدولتين على خلفيّة إخلال “السعودية” بتنفيذ بنود الإتفاقية. وفي عام 1992 وقع صدام مسلّح على الحدود بين كل من قطر و”السعودية” و تُعرف هذه المواجهة بإسم معركة “الخفوس” التي أدّت الى مقتل ضابطٍ “سعودي” وجنديين قطريين، تمكنت “السعودية” بعدها من السيطرة على منطقة “الخفوس”. كما وجّهت قطر اتهاماً لاذعاً الى “السعودية” عام 1996 لتورّط الأخيرة بمحاولة انقلابية أفشلتها الدوحة.

علاقات متشنّجة ومصالح متضاربة

إلى جانب صراعات الحدود التاريخيّة بين “السعوديّة” وقطر نشبت في مطلع العام 2011 خلافات من نوع آخر تتمثل بدعم قطر للأخوان المسلمين في المنطقة، في حين أن “السعودية” تدعم تيارات فكرية أكثر تطرفاً كتنظيم داعش والقاعدة، لذا كان من الطبيعي أن نشاهد قطر تؤيّد الإخوان المسلمين في مصر خلال ثورة يناير 2010 بهدف إسقاط حسني مبارك في الوقت الذي دعمت فيه “السعودية” الأخير ضد الإخوان.

في عام 2013 تفاءلت “السعودية” بإعادة ترتيب العلاقة مع قطر إثر تنازل حمد بن خليفة آل ثاني عن الحكم لصالح إبنه تميم بن حمد إلا أن توارث الرفض القطري للمدّ “السعودي” وعدم التناغم مع “السعودية” على وقع رقصة السيوف، أدى بدوره إلى إحباط آمال الأخيرة بقضم قطر في مجال مشروعاتها السياسية. وهذا ما أدّى الى زعزعة التمثيل الدبلوماسي بين البلدين في مارس 2014 عندما قررت “السعودية” بالمشاركة مع الإمارات والبحرين بسحب سفرائهم من قطر بحجّة التدخل في الشؤون الداخلية لبلدانهم ودعم الإعلام المعادي “للسعودية” وحلفائها.

إعادة تنشيط العلاقات الإيرانية ـ القطرية

في المقابل، فإن العلاقات التاريخية بين إيران وقطر شهدت نوعاً من الأريحيّة خصوصاً في ظل الخلاقات القطرية مع السعودية حيث وقفت إيران دائماً إلى جانب قطر، كما أن العلاقات الإقتصادية بين البلدين نشطة منذ زمن في حقلي الغاز والنفط، لكن تطوّر هذه العلاقات في عام 2017 كان بمثابة إضرام النار في العلاقات “السعودية”- القطرية فقد حدث أن بثّت وكالة الأنباء القطريّة تصريحات لتميم بن حمد انتقد فيها ما أسماه “المشاعر المعادية لإيران”، ولكن بالرغم من مسارعة بعض المسؤولين القطريين إلى إنكار التصريحات، متهمين قراصنة بإختراق وكالة الأنباء الرسمية، اعتبرت “السعودية” أن ذلك تحدّياً “لسلطاتها”، خصوصاً حينما هاتف تميم بن حمد الرئيس روحاني مهنّئاً إياه على انتخابه رئيساً لإيران للدورة الثانية، وبعكس طموحات محمد بن سلمان في شلّ قطر إقتصاديّاً، كانت إيران في طليعة الدول التي أبدت استعدادها لتعزيز العلاقات التجاريّة مع الدوحة.

قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر

جاء تنصيب محمد بن سلمان “وليّاً للعهد” بهندسة أمريكيّة مطلقة حسب ما أعلنه الصحفي “مايكل وولف” في كتابه النار والغضب، وهذا ما منحه نفوذاً في الحكم لإقصاء كل الأطراف (الداخلية والخارجية) الرافضة للإنبطاح في صرح “الملك”، تأزّمت الخلافات “السعودية” – القطرية حتى بلغت ذروتها لأوّل مرة، وبالتالي أعلنت “السعودية” قطع العلاقات الدبلوماسيّة والقنصليّة مع قطر، وقد تبع ذلك إغلاق المنافذ الجوية والبحرية والبرية بين البلدين، أضف الى منع العبور في الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية “السعودية”، كما شرعت الأخيرة بالإجراءات القانونية الفورية لإقناع دول عربية أخرى بإتخاذ ذات الإجراءات، فلقي هذا القرار إستجابةً من بعض الدول العربية: البحرين، الإمارات، ليبيا، اليمن، مصر، جزر القمر، موريتانيا أما الأردن وجيبوتي فأعلنا خفض التمثيل الدبلوماسي مع قطر.

حقيقة قطع العلاقات مع قطر

بحجّة أسباب تتعلق بالأمن الوطني السعودي، وحفظ الإستقرار الداخلي جرى إدانة قطر، بإعتبارها تدعم الإرهاب، وتعمل على تأجيج الرأي العام داخل “السعودية”، الإدانة الأولى صحيحة، فلا يخفى على أحد أن قطر قدّمت الكثير من الدعم للجماعات الإرهابية لا سيما في مصر وسوريا والعراق وغيرها، لكن أن تكون “السعودية” هي الدولة المُدينة، إنه لأمر عجب! “فالسعودية” هي آخر من يحق له الحديث عن إدانة الإرهاب، في الوقت الذي لا تلبث فيه الوكر الأكبر والمدرسة الوهّابية الأولى للجماعات الإرهابية المتطرفة، أما بالنسبة للإتهام الثاني، ليس مرافعةً عن قطر ولكن من المعروف أنه في “السعودية” ليس هناك رأياً عاماً حتى يتم تأجيجه، فالرأي هو من خاصيّة “الملك وولي عهده” فقط، لا للعوام أو النخب والمحلّلين والناقدين، وكل من يحاول التعبير عن رأيه هو تحت طائلة الإعتقال والسجن والإعدام، مهما كان رأيه بديهيّاً، وهذا لم يظهر فقط في زمن محمد بن سلمان، إنما منذ إعلان تأسيس “إمبراطوريّة” آل سعود عام 1932، لكن الميزة في محمد بن سلمان هو أنه أكثر عُجالة وتهوراً من سابقيه.

الجدير بالملاحظة هو أن قطر لا تشكّل تهديداً على الأمن السعودي أبداً، فالشواهد التاريخية تثبت عكس ذلك تماماً، كما أن علاقتها بإيران لا تستهدف بأيّ شكل النظام السعودي، ـ السعودية أصغر بكثير من مشروع إيران في المنطقة – لذا فإن أي حرب مستقبلية قد تقوم بها ايران لا شك في أنها ستواجه قوى استكبار عالمي وليس دول على مشارف الهاوية تتذيل من أثواب أمريكا و”إسرائيل”، كما أن قطع العلاقات “السعودية” مع قطر بعد حوالي أسبوعين فقط من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرياض هو عاملٌ ذو دلالاتٍ عدّة، تتجلّى في عمق الدعم الأمريكي لمحمد بن سلمان، وهذا ما يجعله جريئاً جداً في إتخاذ خطوة بهذا الحجم، ودليل آخر على أن الأمر غاية أمريكيّة بشق الصّف العربي بين مؤيدين ومعارضين لإيران، بغية المواجهة فيما بينهم وفق العامل الإيراني، وهذا بحسب القيادة الأمريكية من شأنه أن يصوّر إيران عامل نزاع لا عامل تقارب بين العرب، لكن الإنجازات العسكرية الإيرانية في محاربة الإرهاب يعيد قولبة الرؤية في مواضعٍ أخرى كتأييد العديد من الحكومات العربية وتقدّم الحاضنة الشعبية على مستوى العالم الآخر لإحتواء الدور الإيراني.

إنّ تغطرس محمد بن سلمان، واستحكامه على الحكم جعله ينتهج سياسة إقصائيّة لكل من يأبى الخضوع إلى حدّ تقبيل كّفه وشحذ رضاه، ليس في حسابات “الصبي العجول” أي قابليّة لإحتواء المواقف الأخرى مهما بلغت درجتها من الإعتدال، بدأ من الخارج ثم ولج الى الداخل ليعتقل ويقتل وينفي الأمراء “غير المخلصين” أو ذات البوادر الإنقلابيّة على حدّ اعتقاده، لكن خفي عن هذا الصّبي أن السّوس بدأ ينخر في شجرة العائلة بعدما تغلغلت فيها اليد الأمريكيّة، ومن جهتنا، لا نحذّره بالإحتراس فإن ذلك بمثابة انتصار على مستوى العالم العربي لضحايا الشعوب العربية بسبب جرائم آل سعود من المحيط إلى الخليج، وتخاذلاتهم الصّريحة لصالح الصهاينة.

شاركها مع أصدقائك