الرئيسية + النشرة + د. قاسم شعيب: بن سلمان جزء من مشروع تغييرات الخريطة السياسية للشرق العربي لضمان مصالح إسرائيل.. والانفجار الشعبي قادم في أية لحظة!

د. قاسم شعيب: بن سلمان جزء من مشروع تغييرات الخريطة السياسية للشرق العربي لضمان مصالح إسرائيل.. والانفجار الشعبي قادم في أية لحظة!

الملف | مملكة آل سعود.. 2017 عام الهزائم والانكسارات

صراع سياسي شرس على كرسي الحكم، حروب دموية من أجل ضمان النفود السياسي في الدول الإقليمية، استمرار صفقات الأسلحة، عجز اقتصادي، تغييرات اجتماعية قسرية تُحدث فوضى وردود فعل غاضبة كل هذه وغيرها كانت بعض من المشاهد التي أشاح النظام السعودي وجهه خشية من رؤية التجاعيد التي رسمتها الخسائر والأزمات السياسية والاقتصادية في 2017 والتي تُوشك أن تعصف بمصير العائلة الحاكمة. هكذا يصف د. قاسم شعيب المشهد السياسي لنظام الرياض عبر حوار مطول مع “مرآة الجزيرة”.

مرآة الجزيرة ـ حوار هاني العبندي

مرآة الجزيرة: لم يعد نقد الأمراء مُنذ بدء عزل وزير الداخلية محمد بن نايف أمر محظوراً على الأقل عبر موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، وصولاً إلى تسريب معلومات إلى الصحافة الغربية عن إدمانه على المخدرات، واتسعت دائرة النقد مع حملة الاعتقالات في صفوف كبار الأمراء كمتعب بن عبد العزيز وإخوانه، والوليد بن طلال. كيف نفهم هذا التحول وما هي دلالاته وكيف يمكن أن تنعكس تأثيراته على مستقبل نظام الحكم وأسرة آل سعود؟

د. قاسم شعيب: المشهد اليوم في “السعودية” مركب. جزء منه داخلي يتعلق بطموحات شخصية لولي العهد من أجل الوصول إلى العرش دون منغصات حقيقية. وهذا يحتاج إلى إجراءات لرفع كل الحواجز أو حتى كسرها لفتح الطريق نحو قصر اليمامة. والاعتقالات التي طالت أمراء كانوا يملكون جزءاً من القوة السياسية مثل ولي العهد السابق محمد بن نايف ووزير الحرس السابق متعب بن عبد الله جزء من تلك الإجراءات.

لكن محمد بن سلمان لا يريد فقط تجميع خيوط السلطة في يده من خلال إقصاء كل الأمراء المنافسين بل يريد أيضاً السيطرة على المال والإعلام. والإيقافات التي طالت أثرياء آل سعود هي من أجل قصقصة أجنحتهم ومصادرة أجزاء كبيرة من الثروات الداخلية على الأقل ما دامت الثروات الموزعة في الخارج في شكل شركات واسهم وعقارات وسيولة نقدية رفضت الدول الغربية خاصة تمكين ولي العهد منها. والأخبار تشير الى جمع محمد بن سلمان 106 مليارات من الدولارات من الأمراء المعتقلين.
وبعد التسوية الأخيرة مع الأمير الوليد بن طلال وما قيل عن استيلاء محمد بن سلمان على قناة العربية ومجموعة ام بي سي يصبح ولي العهد في طريق مفتوح لإعلان نفسه ملكاً.

كل هذه الخطوات ما كانت لتنجح لولا دعم واشنطن لولي العهد وهو ما لم يخفه ترامب حين قال “لقد أوصلنا رَجُلنا الى قمة الهرم”. والمقصود محمد بن سلمان كما سرّب ذلك ستيف بانون في كتابه المثير “النار والغضب”. وكان ذلك جزءا من الاتفاقات والصفقات الضخمة التي وقعها ترامب في الرياض خلال زيارته الأخيرة لها.

الواضح الآن هو أن محمد بن سلمان جزء من مشروع أوسع في المنطقة سمي بـ”صفقة القرن” التي تتضمن تغييرات واسعة في الخريطة السياسية للشرق العربي من أجل تسليم نصفه إلى إسرائيل بشكل متدرج وعلى أساس خطوات متتالية. فهو شاب مندفع إلى حدّ التهور ويمكن للأمريكيين الاعتماد عليه لتمرير مخططاتهم.

مرآة الجزيرة: أصبح مجلس التعاون الخليجي أشبه بالتكتيك الذي انتهى الغرض السياسي منه، وذلك بعد تصاعد الأزمة السياسية مع قطر، إضافة إلى توتر العلاقات السياسية مع قطر وصولاً إلى فرض الحصار الشامل، وتصاعد الخلافات بين عمان والكويت من جهة والسعودية والإمارات من جهة أخرى.. إلى أي حد يمكن توقع نهاية المشهد السياسي لمجلس التعاون الخليجي في ضوء استمرار الأزمات السياسية بين دوله الأعضاء؟

د. قاسم شعيب: رغم أن هيكل مجلس التعاون الخليجي لا يزال قائماً إلا أن دوره انتهى كما يبدو. فـ”الكل هو مجموع الأفراد” وعندما يكون الأفراد معتلون فإن الكل يكون معتلاً أيضاً. وهذا هو حال دول مجلس التعاون الذي يتشابه مع الدائرة العربية الأوسع وجامعتها.

المفاجأة ليست نهاية مجلس التعاون بل توقيته الذي فاجأ الجميع بعد زيارة ترامب إلى الرياض. من الصعب إعادة الحياة إلى ميت. فالأمر يحتاج إلى معجزة. وإذا عاد هذا المجلس إلى الحياة وتصالح أعضاؤه المتخاصمون، فإن الثقة بينهم لن تعود. من المستبعد عودة هذا المجلس إلى سالف عهده إلا إذا تغيرت حكومات بعض أعضائه أو سقطت أنظمة.

أنشئ المجلس من أجل حماية أعضائه من أي اعتداءات خارجية، غير أن الأزمة المتواصلة حتى الآن صنعت تحالفات جديدة خارج المجلس. فقطر انضمّت إلى عُمان وأصبحت حليفة لأنقرة وطهران بينما شكلت السعودية والإمارات والبحرين مع مصر والتحالف الأمريكي الصهيوني حلفاً آخر. أما الكويت فإنها وجدت نفسها منبوذة من السعوديين وهو ما يجعلها أقرب إلى الانضمام بشكل علني إلى الحلف القطري الإيراني التركي لمواجهة أي تهديد قد تمثله السعودية لاحقاً على أمنها.

صحيح أنّ الأمر لم يصل إلى حد إشعال الضوء الأحمر، لكن وصول محمد بن سلمان إلى عرش الرياض قد يُسرّع بشكل دراماتيكي المشهد الخليجي. هناك خوف من المستقبل يسكن جميع حكام المنطقة فالمرحلة التي تعيشها دول الخليج أشبه بمقدّمات الزلزال الذي تصعب النجاة من ارتداداته.

مرآة الجزيرة: طالما لعبت السعودية دور الشقيقة الكبرى في علاقاتها مع دول الخليج وهو مصطلح استثمرته الرياض لفرض سياساتها وأجندتها حتى السنوات القريبة الماضية وضمن لها تأمين مصالحها، النأي العماني واستقلال سياسات مسقط وإلى حدٍّ ما الكويت رسمت بداية مؤشرات التمرد على الرياض داخل المجلس، وجاءت الأزمة القطرية لتعلن محو مصطلحات الأخوة الخليجية ليس على المستوى السياسي فقط بل انسحب على مستوى العلاقة بين مواطني دول الخليج، هل يمكننا القول أن السعودية خسرت مكانتها وسيطرتها على الدول الخليجية الصغرى ولم تعد قادرة على حشدها وراء خطواتها التصعيدية المستمرة في المنطقة؟

د. قاسم شعيب: من يلاحظ الخطوات السعودية لا يمكنه أن يفهم أبداً أن مصلحة البلد هي التي تحرك صانع القرار السعودي، لأن تلك المصلحة لا تكمن في عقد الصفقات الضخمة والمشبوهة وشنّ الحروب وتمويلها دون أن تكون هناك مصالح أو أهداف حقيقية سوى إرادة التخريب في اليمن وسوريا والعراق مثلاً..

وعندما نعود قليلاً الى التاريخ القريب سنلاحظ أن الأمريكيين يعمدون أحيانا إلى إيصال أشخاص متهورين إلى الحكم من أجل تنفيذ أجندات خفية. والمثال القريب في المنطقة هو صدام الذي بمجرد وصوله إلى الحكم مزّق اتّفاقية الجزائر مع إيران وشنّ حربا ضدها استمرت ثمانية سنوات ولم تخدم سوى مصالح الغربيين.

محمد بن سلمان ورقة أمريكية شبيهة بورقة صدام لإدخال المنطقة كلّها في الفوضى تنفيذاً لما يُعرف بصفقة القرن التي اتضح منها الجزء المتعلق بإعادة التقسيم تمهيداً لإنشاء دولة يهودية أوسع جغرافياً بعد طرد الفلسطينيين إلى الأردن وسيناء وفرض التجنيس في بلدان اللجوء. وهناك الآن أيضاً حديث عن الأردن الكبير وقد يكون ذلك إذا تم تنفيذه خطوة تمهيدية لإعادة رسم الخرائط وتسليم المنطقة لإدارة صهيونية انطلاقاً من “العاصمة القدس” كما هو حلم اليهود.

ولذلك فإن الرياض لا تملك قرارها بل صارت بشكل واضح أكثر من أي وقت مضى أداة تنفيذية لأجندة خطيرة في المنطقة. ومن الطبيعي أن لا يكون لديها مكان لأشياء مثل الأخوة الخليجية ومصالح “المملكة” وحقوق مواطنيها.

نحن الآن أمام صِدام حقيقي “لم يظهر للعلن” بين السعودية وحليفيها الإمارات والبحرين من جهة ودول الخليج الأخرى خاصة قطر وعمان من جهة أخرى. تحاول السعودية الهيمنة على الدول الخليجية الصغرى، رغم أنها تعرف أن ذلك ممنوع بالنسبة إلى دولة مثل قطر أو عمان. وهي تفعل ذلك ليس من أجل الاستجابة لطموحات المملكة فحسب، بل بالأساس من أجل الاستجابة لمطالب أمريكية بعضها فوق الطاولة وبعضها تحتها. وهناك تجارب مع الكويت وقطر. في الكويت عندما غزاها صدام ارتمت في أحضان السعودية. لكنها الآن تتصرف بطريقة مهادنة وتحاول عدم إظهار أي خلاف مع السعودية رغم فشل وساطتها. أما البحرين فقد دشنت صيغة متطورة للتبعية للسعودية على خلفية الحراك الثوري عام 2011. وهذا يعني أن السعودية لم تعد دولة جديرة بالثقة لدى القطريين والعمانيين وحتى الكويتيين.

مرآة الجزيرة: في الجانب الاقتصادي، اتجهت الرياض مؤخراً إلى اقتراض مبلغ 100 مليار دولار من البنوك العالمية وذلك لتعزيز الصناديق السيادية حسب التصريحات الرسمية، فيما يتحدث اقتصاديون عن مواجهة الاقتصاد السعودي مجموعة أزمات من بينها نمو عجز الموازنة البالغ أكثر من 52 مليار دولار. في المقابل هناك تضخم في الإنفاق بدأ بتوقيع صفقات بالتزامن مع زيارة الرئيس الأمريكي للرياض بلغت 400 مليار دولار، بينها 110 مليارات صفقات تسليح، فيما ساهمت الرياض بقيمة 20 مليار دولار في صندوق البنية التحتية الأمريكي و45 مليار دولار في صندوق الاستثمار التكنولوجي لشركة “سوفت بانك غروب” اليابانية، كيف تُفسر هذه الإزدواجية الاقتصادية مع الأخذ بعين الاعتبار أن محمد بن سلمان هو رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ووزير الدفاع؟

د. قاسم شعيب: الصفقات الضخمة التي وقعها الملك سلمان مع الرئيس الأمريكي وبلغت مئات المليارات والتكاليف الضخمة للحرب على اليمن والتمويل المستمر للمنظمات الإرهابية في العراق وسوريا ومناطق أخرى والفساد المستشري في البلد، كلها عوامل أساسية في عجز الموازنة واضطرار الرياض الى الاستدانة من البنوك الدولية في الوقت الذي كان يمكن أن تكون الحالة الاقتصادية أفضل بكثير.

تخبط الاقتصاد السعودي في أزماته أصبح واضحاً، ليس فقط بسبب الصفقات المليارية وتمويل الحروب ولكن أيضا بسبب انكماش الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض الإيرادات، إضافة إلى سياسة التقشف التي تتبعها الحكومة والتي تلحق الضرر بالقطاعات الاقتصادية.. وهذا يرفع نسبة القروض ويخفض نسبة النمو الاقتصادي حسب نظرة صندوق النقد الدولي الذي توقع نمو الاقتصاد 0.1% العام الماضي.

يبدو أن محمد بن سلمان مستعد لفعل أي شيء يطلبه الأمريكيون من أجل العرش حتى وإن كان كارثياً. ومن المعروف أن إلجاء الحكومات إلى الاقتراض من البنوك الدولية الهدف منه إملاء شروط تتعلق بالتعليم من أجل التدخل في مناهجه، والتشريعات من أجل إملاء قوانين أصبحت الآن جزءاً من حياة الإنسان الغربي، ومؤسسات الدولة من أجل وضع اليد عليها عندما تعلن الدولة عجزها عن تسديد ديونها..

مرآة الجزيرة: يصوّر المشهد الإعلامي الرسمي أن لا خلافات سياسية بين بين السعودية والإمارات، إلا أن الحرب على اليمن كشفت جزء من الخلافات المشتعلة تحت الرماد، بتأثير المطامع الاقتصادية للإمارات عبر السيطرة على محافظة حضرموت اليمنية وميناء المكلا على بحر العرب.. في ضوء هذه الحقائق هل يمكن أن يتصدع تحالف العدوان السعودي على اليمن؟ وما تعليقكم على استمرار المجازر التي ترتكب بحق الشعب اليمني واستهداف البنية التحتية للبلد العربي الأشدّ فقراً وفرض الحصار القاتل عليه؟

د. قاسم شعيب:  قد يبدو للمتابع أن هناك خلافات بين السعوديين والإمارتيين في اليمن على خلفية البحث عن توسيع النفوذ، وأن الإمارات تقود انقلاباً على يسمى الشرعية في عدن بعد أن اتهم “رئيس حكومة عدن” أحمد بن دغر، الامارات بقيادة انقلاب ضد “الشرعية”، ودعا تحالف السعودية الى التدخل بعد تفجر المواجهات عسكرياً بين قوات موالية للإمارات وقوات الحرس الرئاسي والمدعومة من السعودية في عدن.

لكن الحقيقة هي أن محمد بن سلمان اقتنع أخيراً بخيار تقسيم اليمن كما قال أنور عشقي الذي لا يتحدث إلا بتفويض من ولي العهد. “الحل في اليمن يكمن في أن تكون حكومة في الشمال برئاسة زعيم من الشمال وليكن أحمد علي صالح، وحكومة في الجنوب ولتكن بقيادة عيدروس الزبيدي، في ظل قيادة فيدرالية برئاسة عبد ربه منصورهادي”.

ابن زايد يريد فصل الجنوب وفق خطة معينة وكان تشكيل مليشيات وتدريبها وتسليحها بعلم ابن سلمان وموافقته بحسب مطلعين. فقد استطاع أخيرا اقناع ابن سلمان بترك الجنوب اليمني له والاهتمام بالشمال بعد أن فشلت خطة القضاء على حركة أنصار الله “الحوثيين”. لكن ذلك قد يصطدم بعدة عوائق منها:

أولاً: تشبث “قوات الشرعية” بوحدة اليمن ورفضها أي إملاء سعودي بمغادرة مواقعها خاصة وانها أكثر قوة وبأساً من قوات ابن زايد. بل هددت بالاستغناء عن الدعم السعودي.

ثالثا: إذا استطاعت قوات الانفصال الاستيلاء على عدن فانه لن يبق شيء لـ”قوات الشرعية”. وهنا لابد من التمييز بين “قوات الشرعية” على الأرض والرئيس هادي الذي لا يرد للسعودية طلباً. فسلطته شكلية ولا تأثير لها في مسار الأحداث.

ثالثا: هناك عائق ثالث هو أن الحرب كانت بالأساس من أجل “إعادة الشرعية” ضد ما سمي “انقلاباً حوثياً” فكيف يُسمح الآن بالانقلاب على تلك الشرعية في عدن؟

وفي كل الأحوال لا يجب فهم هذه الحرب ضمن الدائرة الضيقة فيما هي العلاقات السعودية اليمنية بل ضمن الدائرة الأوسع خاصة ونحن نرى تحالفاً واسعاً يضم عرباً وغربيين ضد اليمن. نحتاج إلى فهم هذه الحرب ضمن المخطط الأوسع للمنطقة. فهناك إرادة أمريكية إسرائيلية لتدمير اليمن. ومن الممكن أن يكون وراء ذلك تفكيراً دينياً. فنحن نعرف أن الكثير من الحروب التي شُنّت خلال العقود الأخيرة، وحتى ما قبلها، تتحرك من أرضية دينية كما تحدث رؤساء أمريكيون سابقون مثل ريغان وبوش الأول وبوش الثاني. والآن ينتمي ترامب إلى الديانة الانجيلية نفسها، والمهووسة بتلك النبوءات الدينية.

مرآة الجزيرة: المشهد السياسي السعودي في الداخل يبدو مُضطرباً فهو بين انفتاح دون حدود وتقليم أظافر التيار الديني السلفي الذي كان حتى وقت قريب اليد الباطشة للنظام الحاكم للسيطرة على التحولات الاجتماعية والثقافية.. وبين رفع مستوى القمع والاستبداد في الرأي ضد كتاب الرأي ودعاة الحريات المدنية والسياسية، في حين لا يتورع محمد بن سلمان في البطش والتنكيل وصولاً إلى إشهار سيف الاعدام ضد المعارضين والمنتقدين لسياسات ومواقف النظام المحلية والإقليمية.. ما رأيك؟

د. قاسم شعيب: يريد محمد بن سلمان الانتقال من الدولة السعودية إلى الدولة السلمانية، وهذا يحتاج عدة إجراءات تحتاج بدورها إلى جرأة كبيرة.

فأولاً: لابد من عزل الأمراء السعوديين من مناصبهم الحساسة ومصادرة ثرواتهم والسيطرة على الإعلام المملوك لهم. وهذه الخطوات تم اتخاذها، لكن تداعياتها الكارثية قد تظهر لاحقاً.

وثانياً: لابد من التخلص من رجال الدين المحسوبين على تيار الصحوة والذين لم يُبدوا تجاوباً مع ولي العهد فيما طلبه منهم وقد تم بالفعل اعتقال الكثير منهم مثل سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري وموسى الشريف… فيما تم منع آخرين من السفر مثل محمد العريفي وعائض القرني.. أما السلطة الدينية الرسمية الممثلة في “هيأة كبار العلماء” فهي مجرد أداة بيد السلطة السياسية ولا دور لها سوى شرعنة قرارات الحاكم.

لا يريد ابن سلمان إصلاحات سياسية حقيقية تمكن الناس والمثقفين والكتاب من حرياتهم في التفكير والتعبير، بل يريد دعماً كاملاً لتوجهاته الجديدة. ولأجل ذلك من غير المقبول لديه التعبير عن أية آراء مخالفة لتلك التوجهات.

مرآة الجزيرة: وفقاً لما يتم تداوله عبر موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” يمكن القول أن الملف الاقتصادي هو أكثر الملفات التي رفعت مستوى السخط الشعبي جرّاء الاجراءات الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطن بداية من رفع أسعار الطاقة ورسوم الخدمات العامة وفرض الضرائب وازدياد معدلات البطالة.. برأيك هل يمكن أن يستمر هذا السخط ليفجر حركة معارضة شعبية، وإلى أي حد يمكن أن تنجح المُسكنات الاقتصادية التي قد يلجأ لها النظام السعودي في منع انفجار الأوضاع؟

د. قاسم شعيب: حسب موقع بلومبيرغ الأمريكي، نصف المواطنين السعوديين يستحقون إعانات شهرية لأنهم من ذوي الدخل المتدني. بينما يعتبر ثلث السعوديين الذين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً عاطلون عن العمل. وهذا يعني أن أي انفجار اجتماعي بات شيئاً متوقعاً رغم القمع الشديد الذي يتعرّض له المواطنون والذي يجعلهم يحسبون جيداً عواقب أيّ تحرك احتجاجي.

اللجوء إلى فرض ضرائب ورفع الأسعار مقابل ارتفاع معدلات البطالة أشياء تميز البلدان الفقيرة التي لا تملك ثروات طبيعية. لكن أن يحدث ذلك في السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم فهذا شيء مثير يعكس التخبط والفوضى وهدر المال العام وسوء الإدارة في مقاربة مشاكل البلد.

وفي الحقيقة بدأت بوادر التمرد الشعبي منذ سنوات عندما كانت هناك دعوات للتظاهر ثم شاهد الجميع المواجهات التي حدثت في العوامية والتي كانت نتيجة السخط الشعبي هناك. قد يحتاج الأمر بعض الوقت لنرى الناس في الشوارع تطالب بحقوقها وربما بشيء أكبر من ذلك.

مرآة الجزيرة: ملف المرأة في “السعودية” لعله من أكثر الملفات التي تناولتها الصحافة المحلية عبر توظيف القضية وفق ما يطلبه صُنّاع القرار السياسي في كل مرّة، وفي حين تتجه قرارات محمد بن سلمان لمنح المرأة بعض حقوقها الاجتماعية والحياتية كقيادة السيارة وحرية السفر، تبقى حقوقها السياسية مغيّبة تماماً كما هو حال الرجال من المواطنين.. برأيكم لماذا هذا الاستغلال لملف المرأة وكيف تفسرون هذه الازدواجية؟

د. قاسم شعيب: وضع المرأة في “السعودية” مختلف عن وضع المرأة في المنطقة من جهة الحقوق الاجتماعية. وهذا ناتج عن هيمنة المذهب الوهابي وتيار الصحوة لاحقاً قبل اعتقال رموزه مؤخراً. من حق المرأة في “السعودية” الحصول على الحقوق الاجتماعية والسياسية. غير أن الخطوات التي اتخذها ابن سلمان في هذا الاتجاه تهدف بالأساس إلى كسب بعض التأييد داخلياً وإرضاء الغربيين والإمريكيين خارجياً.

تم الاقرار بحق المرأة في “السعودية” في قيادة السيارة بنفسها. ورغم الجدل الذي أثاره القرار إلا أنه سيصبح مع الوقت أمراً واقعاً. كما أصدر الملك قراراً بمراجعة مسألة الولاية على المرأة من أجل حرية التنقل والسفر..

وهناك توجه لتوظيف النساء في مناصب إدارية وسياسية رفيعة.. وقد تم بالفعل تعيين امرأة مساعدة رئيس بلدية محافظة الخبر وهي أول امرأة سعودية تشغل هذا المنصب في العمل البلدي. ما يرفضه المواطنون ليس حصول المرأة على حقوقها بل استغلال ذلك للترويج لسلوكات غريبة عن المجتمع وتقاليده.

مرآة الجزيرة: عبر تنفيذ اعدام العالم المجاهد الشيخ نمر باقر النمر مطلع يناير 2016، وتدمير حي المسوّرة في بلدة العوامية بالسلاح الثقيل والجرافات في مايو 2017، واستمرار تنفيذ أحكام الاعدام والتصفيات الميدانية للنشطاء السياسيين وتشديد أحكام السجن لسنوات طوال ضد المحتجين ورموز الحركات المُعارضة.. عبر هذه الاجراءات التعسفية والقمعية راهن نظام الرياض على شلّ الحراك السياسي المعارض.. إلى أيّ مدى يمكن أن تنجح السياسات القمعية في وأد تطلعات الشعوب وإنهاء نضالها من اجل الحرية والكرامة والحقوق الانسانية؟

د. قاسم شعيب: يعاني الجميع في “المملكة” ما لم يكن محسوباً على النظام. غير أن معاناة المنطقة الشرقية وأهلها أكبر من معاناة الآخرين. فرغم أنها تحتضن أكبر حقول النفط في البلد إلا أنها استمرت تعاني التهميش والإقصاء.

هذه المعاناة تضاعفت منذ وصول الملك سلمان إلى سدة الحكم. فتم إعدام المجاهد الشيخ النمر الذي لم تكن جريمته سوى رفض حكم آل سعود. كما تم إعدام الكثير من الشباب الآخرين. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تم استهداف بلدة العوامية وتم تدمير بعض احيائها بالسلاح الثقيل.

غير أن ذلك لا يمكنه أن يُسكِت الأصوات المطالبة بحقوقها وحرياتها التي صادرها كلها النظام السعودي. يحتاج الحصول على الحقوق الى نضال وصبر. وقد تكررت دعوات الحراك في “المملكة”. وكان آخرها الدعوة الى حراك 15 سبتمبر. وتلك الدعوات تعكس رفضاً للأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تزداد سوءاً. ما دام هناك من هم مستعدون لمواجهة كل الأخطار في سبيل الحصول على حقوقهم، فإن تلك الحقوق لا بد من انتزاعها يوماً.

مرآة الجزيرة: لا يزال بعض الأمراء رهن الاعتقال، فيما البعض الآخر في خارج البلاد، هل تخلص محمد بن سلمان من كافة خصومه السياسيين من الأمراء، أم أن الباب لا زال مفتوحاً على مصراعيه؟ وهل أصبح الحليف الأمريكي غير مكترث بمآلات المستقبل السياسي للسعودية؟

د. قاسم شعيب: لا يبدو أن محمد بن سلمان قد تخلص من خصومه السياسيين من الأمراء. فهو في النهاية سيضطر الى تصفيتهم أو إطلاق سراحهم وفي الحالتين سيكون أمام خيارات كارثية. نعرف مدى الحقد الذي أصبح يحمله الأمراء المعتقلون أو الذين أطلق سراحهم بعد أن تمت الإطاحة ببعضهم من مناصبهم كما هي حالة متعب بن عبد الله وزير الحرس ومحمد بن نايف ولي العهد السابق، ومصاردة أجزاء كبيرة من ثروات آخرين. ولا نستبعد تشكيل مليشيات مسلحة تابعة لبعض الأمراء بدعم وتشجيع أمريكي. فهذا الأمر يخدم هدف إسقاط نظام الحكم وتقسيم “المملكة” كما يريدون بعد أن انتهت صلاحيتها ودورها الوظيفي في المنطقة والعالم والذي بدأ بتصدير المذهب الوهابي وانتهى بتشكيل منظمات إرهابية تتبنى الفكر ذاته، والالتزام بتمويلها.

لا أرى أن الأمريكيين غير مكترثين بالمستقبل السياسي للمملكة، بل على العكس من ذلك، تريد واشنطن دفعها إلى فعل كل ما يطلب منها لتحقيق الهدف الأكبر في إدخال البلد والمنطقة في فوضى سياسية واسعة ربما من خلال بعض الوعود والأوهام التي تم بيعها لمحمد بن سلمان حول تأسيس مملكة أوسع جنوب الجزيرة العربية. وقد تحدثت صحيفة “فاينانشيال تريبيون” عن حمّام دم وشيك داخل آل سعود في ظل وجود حراك سري داخل العائلة الحاكمة ضد ممارسات محمد بن سلمان بحقهم.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك