الرئيسية + النشرة + السعودية وصورة الشيطان في الداخل اللبناني

السعودية وصورة الشيطان في الداخل اللبناني

الملف | مملكة آل سعود.. 2017 عام الهزائم والانكسارات

مكشوفة كانت المساعي السعودية لعرقلة الاستحقاق الانتخابي الذي ينتظره لبنان في أيار/مايو المقبل. لا يختلف اثنان: الاعلام المناوئ أو الآخر الذي لطالما تبنى الرواية السعودية، حول انزعاج الرياض من استحقاق قد يفقدها نفوذاً تخسره يوماً بعد يوم بحكم التهور الملازم لسياساتها في الداخل اللبناني تحديداً.

إسراء الفاس ـ خاص مرآة الجزيرة

منذ العام 2005، حُكم لبنان من قبل أكثرية أتت بصياغة سعودية أميركية. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية تم تمديد عمر المجلس النيابي بسبب رفض أي صيغة قد تفرز نتائج مغايرة. بشكل صريح تقف السعودية بوجه أي قانون انتخابي قد يفرز أكثرية تعزز نفوذ حزب الله في الداخل، ووفق قانون النسبية المُقر مؤخراً فإن النتائج شبه محسومة، لا تضمن أكثرية لطرف إلا أنها تحفظ نفوذ التيارات كافة كل بحسب جمهوره، ومعروف مدى اتساع قاعدة جمهور حزب الله في الداخل اللبناني.

في الصالونات السياسية المغلقة، الحديث عن الاستياء السعودي أكثر وضوحاً وصراحة. “النتائج المقبلة لن تلائم السعودية التي لطالما تحكمت بالقرار الرسمي اللبناني من خلال الأكثرية السابقة”.

افتعال “أزمة الحريري” سعودياً

بكل الطرق سعت “السعودية” إلى عرقلة الانتخابات المُنتظرة. الضغوط المالية، والسياسية، التي وصلت إلى ذروتها قبل أربعة أشهر، بعدما احتجزت الرياض رئيس الحكومة اللبنانية وأجبرته على الاستقالة ببيان أعده مستشارو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. بعيداً عن الرواية السعودية، وسيناريو محاولة “اغتيال الحريري” الذي نشرت تفاصيله قناة العربية، ونفت الأجهزة الأمنية اللبنانية أي علم لها به.. تفاصيل الاحتجاز استفاض الإعلام اللبناني بالحديث عنها، ليتأكد أنّ الرجل ابن البيت المحسوب على السعودية في الداخل اللبناني، اختطف بكمين أُعد له مسبقاً، وفور وصوله إلى الرياض وبعنوان استدعائه للقاء بن سلمان، تم احتجازه وإجباره على تقديم الاستقالة ببيان لم يعتد الحريري على تكرار مفرداته. التفاصيل اللبنانية، استرسلت في الحديث عن الأيام الصعبة التي عاشها الحريري، عن الشتائم التي سمعها من رجال بن سلمان، وعن المعلومات التي تأكد منها حول صلة أطراف لبنانية مقربة منه وأخرى حليفة له في ما عاشه في الرياض، كحزب القوات اللبنانية مثلاً!

استخدمت الرياض كل أوراق ضغطها على الحريري لتأجيل الاستحقاق الانتخابي. وبحسب مصادر مطلعة، فإن “السعودية” ترى أن فاتورة التأجيل والتمديد للمجلس النيابي مرة أخرى، كلفتها أقل من أي نتائج قد لا تخدم نفوذها في الداخل اللبناني.

رغبة “السعودية” كانت واضحة في هذا المجال إلا أن حسابات الحريري المالية والسياسية كانت مختلفة. فالرجل المأزوم اقتصادياً في الداخل اللبناني أو حتى داخل “السعودية” نفسها التي سمحت برفع دعاوى تطالب “سعودي أوجيه” بدفع مستحقات الموظفين، يريد ترتيب أوراقه في الداخل اللبناني، من خلال إعادة لملمة أوضاعه المتعثرة مستفيداً من منصبه في رئاسة الحكومة.

لم يكن أمام الرجل أي خيارات أخرى، لا الرياض ساهمت في انتشال رجلها من الأزمة الاقتصادية، ولا حتى أظهرت ما يطمئنه في هذا المجال.. لم يكن أمام سعد الحريري سوى المضي في تسوية إيصال ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، وهو خيار لم تكن السعودية متحمسة له، بعد أن كانت ترفضه أصلاً. ومقابل عون الرئيس، يضمن الحريري رئاسة الحكومة له، بما يتيح له النهوض مجدداً. مضى الحريري في هذه التسوية، وحافظت الرياض على صمتها.

إلا أن سكوت الرياض تبيّن أنه يخفي كارثة للبنان، انكشفت بأزمة اختطاف الرجل، التي ما كانت لتنتهي وفق ما آلت إليه لولا اجماع أبرز القوى اللبنانية على المطالبة بإعادة الحريري، وأول هذه القوى تيار المستقبل الذي يختصر تمثيل أوسع قاعدة شعبية في الشارع السني، وبضغوط دولية مارستها باريس وواشنطن آلت إلى السماح للحريري بالعودة، دون معرفة ما إذا كانت العودة مشروطة أم لا!

السعودية تقطع الود مع الشارع السني.. بعد مواجهة المسيحيين ومعاداة الشيعة

اختطاف الحريري أحرق ورقة السعودية مع الشارع السني الذي لطالما حسب نفسه على “مملكة الخير” وفق ما كان يُطلق على “السعودية” بسبب الأموال التي كانت تُغدق في عهدي الملكين فهد وعبدالله على الجمهور السني في لبنان. “الخير” السعودي هو الذي عوّم رفيق الحريري زعيماً سنياً في بداية تسعينيات القرن الماضي، و”الخير” نفسه هو الذي حافظ على نفوذها لسنوات، إلى أن أحرق هذه الورقة ولي العهد السعودي الحالي.

يشكل رضا الشارع السني صمام أمان يحفظ نفوذ الرياض في الداخل، خصوصاً أن صورة “السعودية” اهتزت في الشارع المسيحي بعد وقوفها علناً بوجه وصول عون إلى رئاسة الجمهورية في لبنان، وتفجير أزمات في وجهه بعد توليه المنصب على خلفيات مواقف لبنان في الجامعة العربية، التي حافظت على تميّزها وحيادها عن السياسة السعودية التي فجّرت أزمات الاقليم. وبتجرد فإنّ الشارع المسيحي بمختلف قواه واختلافاته السياسية، كان ولايزال ينظر إلى آل سعود على أنهم بدو يتنعمون بأموال نفط اكتشفوه بالصدفة!

أما علاقة الشارع الشيعي بـ”السعودية”، فلا يختلف عليها اثنان في لبنان. تعادي الرياض الشيعة، وفي أدبيات دعاتها يُشتم هؤلاء يومياً، حتى أن ولي العهد السعودي نال في إحدى المقابلات من أقدس مقدسات الشيعة الاثني عشرية عندما تعرض بسخرية للإمام الثاني عشر من أهل البيت، الذي يعتقد الشيعة بغيبته وبعودته في آخر الزمان. في مختلف حروبها في المنطقة كان العنوان الطائفي حاضراً في الخطاب السعودي، بدءاً من البحرين إلى اليمن وصولاً إلى سورية مروراً بالعراق، وفي حربها الضروس ضد إيران، وحتى ضد الداخل في المنطقة الشرقية.

تموّل الرياض قنوات التجييش والتكفير ضد الشيعة، وتشكل جامعاتها ومدارسها منبع تصدير دعاة استباحوا دماء هؤلاء من أفغانستان إلى العراق. في لبنان تحديداً، يتحدث الشارع الشيعي بصراحة عن وقوف السعودية مباشرة خلف التفجيرات الدموية التي طالت مناطق شيعية في لبنان في السنوات الماضية، وحديث الشارع الشيعي ليس مبنياً على تحليلات، بل على معلومات ورسائل كان قد تلقاها الحزب الأكثر تمثيلاً للشارع الشيعي في لبنان. “حزب الله” نفسه هو الذي كان تلقى رسائل صريحة تهدد بأن عدم انسحابه من سورية سيجر الويلات على بيئته الحاضنة. لم تكتفِ السعودية بالقتل، بل وقفت بالعلن لتحارب هؤلاء في لقمة عيشهم، لتكون وراء ترحيل مئات العائلات من الخليج على خلفيات طائفية، ولتبارك الرياض عمليات التضييق الاقتصادي والمصرفي على كبار متمولي الشارع الشيعي.

اليوم تُجسد السعودية دور الشيطان تجاه لبنان، لا يُجمع اللبنانيون على العداء للولايات المتحدة، إلا أن ما يتفق عليه غالبيتهم سراً أو علناً، هو الدور السلبي للسعودية تجاه لبنان. كان اختطاف الحريري هو الورقة الأخيرة، والورقة الأكثر تهوراً.

اليوم تسعى السعودية إلى لملمة أوراقها. النصائح الأميركية دفعت ببن سلمان إلى إقفال أفواه المطبلين بالتهديد والوعيد ضد لبنان. في إطار استرجاع رضا الشارع السني، تعمد السعودية إلى التقرب من كافة الأفرقاء الفاعلين دون أن تقطع حبال الود مع تيار الحريري. هو استعادة النفوذ ما يحكم الحسابات السعودية اليوم. ولكن مع ذلك، فإن رسائل الجفا السعودي للحريري تمرر بأكثر من طريقة، تارة عبر زيارات لأشد خصومه ومنافسيه في الشارع السني، وأخرى عبر ما يرد في صفحات الصحف السعودية وليس آخرها ما كُتب في “إيلاف” على خلفية زيارته إلى تركيا ليتم التهجم على الرجل، ويوصف بأنّه “قاتل أبيه”، بعد أن كانت التهمة تُلبس دائماً لحزب الله.

في المحصّلة، استخدمت “السعودية” كل أوراقها لعرقلة الاستحقاق الانتخابي، إلا أنها اليوم تدخل مرغمة في الإستحقاق، دون أن تخفي مراهنتها على تطور الأحداث، وليس آخرها دخولها على خط توتير الأزمة بين وزير خارجية لبنان ورئيس المجلس النيابي، لفرط تحالف “التيار الوطني” (ممثلاً الشارع المسيحي) مع حزب الله (الذي يمثل شريحة واسعة في الساحة الشيعية).. قبل أن تحتوي هذه الأطراف الأزمة، لاقفال النافذة أمام الرياض.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك