الرئيسية - النشرة - حكاية النضال الشعبي: معتقلو الشيعة إلى غياهب الحائر بالرياض.. شلل وتكسير أطراف وفقدان للحواس!

حكاية النضال الشعبي: معتقلو الشيعة إلى غياهب الحائر بالرياض.. شلل وتكسير أطراف وفقدان للحواس!

مرآة الجزيرة

وأد حقوق الإنسان بات أسلوباً معتمداً ونهجاً مكرّساً لدى السلطات السعودية، التي لا تقيم وزناً للدعوات والمطالبات الدولية المستمرة بالكفّ عن الانتهاكات المتواصلة التي نسفت كافة الشرائع الحقوقية والدينية والأعراف والأخلاق الإنسانية. انتهاك آدمية المعتقل وإهانة إنسانية السجين وامتهان كرامته وحرمته البشرية بات نهجاً راسخاً في فصول التعذيب المطبّقة داخل أقبية السجون ومراكز التوقيفات والشرطة على امتداد مناطق شبه الجزيرة العربية الخاضعة تحت سلطة الحكم السعودي، التي تتعامل بأشرس أنواع التعذيب في العالم وفق التقارير الدولية المتتابعة من كبريات المنظمات الدولية المستقلة.

وهذ المرة يبدو أن فصول التعذيب بحق المعتقلين تُعاد مشهديتها من بوابة حاجة السلطة السعودية إلى فبركة الاتهامات وتلفيق الأدلة بحق المعتقلين من أبناء “القطيف والأحساء”، خاصة الذين شارفت محكوميتهم على الإنتهاء، لذلك لجأت إلى نقلهم إلى سجون العاصمة الرياض وإعادة التحقيق معهم من جديد، وفق ما كشفت مصادر مطلعة لـ”مرآة الجزيرة”.

المصادر, ربطت الحملة الشرسة التي تنفذها بالاشتراك النيابة العامة والأمن العام باستعداد الرياض لصناعة أوراق ابتزاز جديدة ضد خصومها الإقليميين, في إشارة إلى الجمهورية الإسلامية في إيران وحلف المقاومة, إذ تلفت المصادر إلى إصرار الرياض على ربط حركة الاحتجاج المطلبية في المناطق الشيعية بأجندات خارجية اقليمية، وهو ما يجري انتزاع الاعترافات بشأنه تحت التعذيب وتوثيقه بالفيديو وكتابياً لتدعيم مزاعم وادعاءات السلطة بارتباط المعتقلين بالجهات الخارجية.

المصادر التي فضّلت عدم الإفصاح عن هويتها، كشفت عن نقل العشرات من معتقلي القطيف وبينهم مَنْ شارفوا على إنهاء محكومياتهم التي تتراوح بين 3 إلى 5 سنوات، ومن المفترض أن يتم الإفراج عنهم، إلا أن السلطات سارعت إلى نقلهم إلى الرياض وإعادة التحقيق معهم من جديد، بعد إلغاء محاضر التحقيقات التي أنجزتها هيئة التحقيق والإدعاء العام، ما يعني أن سيناريو مراحل التحقيق بدأت من جديد انطلاقاً من سراديب التعذيب وأقبية الإرهاب النفسي والإذلال المعنوي للسجناء وصولاً إلى انتزاع الاعترافات التي تريدها السلطات بما يتوافق مع اتهاماتها ومزاعمها المفبركة.

ويتزامن نقل المعتقلين إلى سجن الحائر بالعاصمة الرياض مع مسلسل طويل من حلقات الفبركات التي تدشنها السلطات لاستهداف المواطنين الشيعة، وفي السياق عمدت قوات الطوارئ وقوات المهمات الخاصة، خلال الشهور الثلاثة المنصرمة على تنفيذ مداهمات متواصلة في بلدة العوامية وعدد من بلدات وقرى القطيف وسيهات وصفوى وأحياء شيعية في مدينة “الدمام”.. حيكت خلالها سيناريوهات يتخوّف المراقبون من تبعاتها.

القوات العسكرية التي داهمت أحياء متعددة في العوامية وتاروت والقديح وشمال القطيف قامت بوضع  أسلحة وذخائر في بيوت بعض المعتقلين وعمدت إلى توثيقها بالصور الفوتوغرافية والمقاطع المصوّرة، وهو ما اعتبره المراقبون بأنه توجه يكشف نوايا مبيتة لدى الرياض وينذر بفبركة موجة من الاتهامات الخطيرة ضد معتقلي القطيف والعوامية، والتي يتم إرغام المعتقلين على الإقرار بها تحت أهوال التعذيب في زنازين سجن الحائر.

مصادر نافذة في أجهزة الأمن السعودي أفادت في حديثها إلى “مرآة الجزيرة” عبر رسالة بريدية مطوّلة بأن الاتهامات التي ستوجهها النيابة العامة إلى المعتقلين تتمحور حول صناعة الأسلحة والتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية، وسيُصار إلى إصدار أحكام ضدهم تصل إلى حدّ الإعدام، استناداً إلى الاعترافات التي انتتزعت من عشرات المعتقلين ولا تزال تنتزع من معتقلين آخرين ودائماً تحت مقصلة التعذيب، حسب تعبير المصادر.

فيما يرى مراقبون محليون أن فبركة سيناريوهات الاتهامات الجديدة قد تقود إلى إعادة محاكمة عشرات المعتقلين الذين كانوا يترقبون الإفراج عنهم حيث أتمّوا سنوات الأجكام الصادرة بحقهم سابقاً, إذ أمضى بعضهم 5 سنوات متواصلة متنقلاً بين سجون مباحث الرياض وجدة والدمام.

أساطير التعذيب

وكشفت الرسالة البريدية التي حصل عليها موقع “مرآة الجزيرة” أن المعتقلين الشيعة الذين نقلوا إلى الرياض يتعرضون لعمليات تعذيب وحشي غير إنساني وغير مبرر، حيث شُوّهت أجساد بعضهم وأصيب واحد على الأقل بالشلل التام في الجزء السفلي من جسده, فيما بات العشرات منهم يعانون عاهات مستديمة كالصمم وفقدان أو ضعف البصر في العينين أو إحداها، وعيوباً وتشوّهات في استقامة العمود الفقري والأطراف, عدا عن أمراض سوء التغذية وانعدام النظافة وشروط الصحة العامة.

ركل، لطم، تعليق من الرجلين، ضرب بالسياط، رشق بالماء الصقيع “البارد جداً”، زج السجناء في زنازين إنفرادية لمدد طويلة تشتد برودتها شتاء وتلتهب حرارتها صيفاً إيغالاً في تعذيب المعتقل نفسياً وجسدياً، الحرمان من النوم، اللبث أياماً في الظلام الدامس، يعقبها مباشرة تسليط الأضواء شديدة السطوع في العينين، الصعق الكهربائي خصوصاً في الأماكن والأعضاء الحسّاسة، خلع وانتزاع أظفار اليدين والرجلين بالكلاّبات الحديدية، الإهمال الصحي والحرمان من العلاج والأدوية بعد المعاناة التي تتولّد جرّاء التعذيب وما ينتجه من جروح وقروح وكدمات وكسور، إضافة إلى وضع المعتقلين في غرف قريبة من زنازين وغرف التعذيب ليسمعوا صراخ وآهات المُعذبين، إمعاناً في ممارسة سياسة الترهيب والإيذاء النفسي.. هذه كلّها بعض صنوف التعذيب الذي يُعاد وتكرر ممارسته على أجساد معتقلي الشيعة في سجن الحائر بعد نقلهم إليه وفتح ملفات التحقيق معهم من جديد منذ 3 شهور مضت وحتى لحظة تحرير هذه السطور..

تحريات فريق التحرير في “مرآة الجزيرة” قادتهم إلى مصادر وثيقة الصلة بملف وقضايا المعتقلين, والتي كشفت عن تدهور الوضع الصحي لعدد من معتقلي  العوامية والقطيف، الذين يعانون آثار التعذيب “الوحشي” الذي وقع على أجسادهم، فقد عمد السجانون في سجن “الحائر” بالرياض، إلى استخدام آلات حادة لتعذيب المعتقلين تركت آثارها وبصماتها الدموية على أجسادهم.

تؤكد المصادر أن التعذيب أدّى إلى تكسير أطراف وأضلاع بعض المعتقلين، الذين لا تزال سلطات السجن تستكمل تعذيبهم على الرغم مما يعانونه من أوجاع وسط الإهمال الطبي، الذي يحرمهم العلاج ويترك كسورهم تنجبر من دون استقامة واعتدال، ما يعني تفاقم الوضع الصحي سوءاً وإصابة المعتقلين بتشوهات دائمة في أطرافهم وهيئتهم الخارجية.  يعاني بعضهم من كسور في عظام الوجه وتحديداً الأنف والفك بسبب اللكم بالآلات الحادة وتعمد المعذبون صفع وجوه السجناء ورطمها في الجدران الصلبة، وقد نتج عن ذلك تحطيم فك وأسنان وأنف بعض المعتقلين الذين يحتفظ “مرآة الجزيرة” بأسمائهم ويحجب نشرها تلبية لطلب المصدر.

اقتلاع أظافر.. صعق كهربائي.. وشلل نصفي!

إلى ذلك، وبعد انقطاع أخبارهما لأكثر من أربعة أشهر، حذّر مصدر آخر من الوضع الصحي الخطر الذي يعيشه المُعتقلان يوسف مصلاب، ومحمد عبدالعال بسبب التعذيب الوحشي الذي تعرضا له. تعذيب يمارسه السجانون بآلات حادة ودم بارد، حيث يُفيد المصدر بأن الشابين المصلاب وعبدالعال تعرضا لتشويه في هيئتهما الجسدية وصعق كهربائي وتكسير بعض أطرافهما، إضافة إلى الضرب المبرّح الذي يُمارس بشكل متواصل عليهما، ومنعهما من النوم ووضعهما في زنازين إنفرادية شديدة البرودة وضيقة جداً لا يمكن أن يستلقيا فيها على الأرض لصغر حجمها وضيقها، إضافة لنتانتها حيث تفتح سلطات السجن مياه الصرف الصحي على تلك الزنازين لتعذيب المعتقلين نفسياً بالتزامن مع أهوال معاناتهم الجسدية، وشدد المصدر على أن حياة المعتقل يوسف المصلاب يظللها خطر الموت نتيجة للتعذيب الذي تعرّض له وحرمانه من العلاج.

يواصل المصدر روايته: أحد أكثر فصول التعذيب إرهاباً ووحشية تم ممارستها بحق المعتقل حسن زكي الفرج الذي تعرّض لاقتلاع أحد عشر ظفراً من يديه ورجليه بكماشات حديدية حادة وسط غياهب سجن الحائر بالرياض، ولا يزال يتعرّض لتعذيب مبرّح وانتهاك جسيم لآدميته وإنسانيته البشرية عبر أساليب محرّمة دولياً ولم يسبق لها مثيل سوى في سجون “غوانتاناموا”!

كما أشار المصدر إلى أن الشاب مصطفي السبيتي الذي اعتقل خلال مداهمة قوات الطوارئ لحي سكني في جزيرة تاروت في مارس العام 2017، والذي لم يُعرض على محاكمة ولم توجه إليه اتهامات تعرّض لأقسى أنواع التعذيب، وفي حين تم تأكيد إصابته برصاص قوات المهمات الخاصة أثناء اعتقاله ما تسبب بإصابته بشلل في النصف الأسفل من جسده وبات مقعداً لايستطيع الحركة، فيما قالت مصادر أخرى أن سبب الشلل يعود إلى التعذيب الوحشي الذي سبب له إصابة بليغة في عموده الفقري, ما ولّد صدمة لدى عائلته التي سُمح لها بزيارته بتاريخ 28 يناير الماضي للمرة الأولى منذ اعتقاله يوم الخميس 9 نوفمبر 2017.

وذكر المصدر أن المعتقل عبدالله عبدالعزيز أبو عبدالله شقيق الشهيد على عبدالعزيز، تعرض هو الآخر للتعذيب الوحشي ما تسبب في إصابته بالصمم بعد أن استخدم السجانون الصعق الكهربائي في أذنه مرات متتالية حتى فقد سمعه، فيما تسبب التعليق من القدمين والركل على الوجه في كسر أنفه.

المصير المجهول يبتلع حياة شبان شيعة

إلى ذلك لا يزال مصير العشرات من المعتقلين مجهولاً ولم تسمح السلطات السعودية لهم بالتواصل مع ذويهم، كما ترفض الكشف عن أماكن وظروف اعتقالهم، بينهم الشقيقان أحمد وفاضل المغسل حيث اختطف الأول من مطار بيروت في السابع من أغسطس 2015 فيما اعتقل شقيقه من مقر عمله في إحدى مدارس القطيف بتاريخ 2 يناير2018 دون أن تسمح السلطات السعودية لأي منهما بالتواصل مع أسرته منذ لحظة الاعتقال الأولى لكل منهما وحتى اليوم.

المعتقل الشاب حسين علي عبدالعزيز الربح انقطعت أخباره منذ اعتقاله في منتصف شهر يوليو2017 وحتى لحظة إعداد هذا التقرير لا تعلم أسرته عنه شيئاً ولا تعرف مكان وظروف وأسباب اعتقاله، في حين ظلّ مصير الشاب رائد الخباز مجهولاً منذ اختفائه وفقدان أثره يوم الثلاثاء 27 يوليو 2017 حيث عثرت أسرته على سيارته محترقة بالكامل في حي العمارة شمال غرب بلدة العوامية, وسط صمت مريب للسلطات السعودية ورفضها الإدلاء بأية معلومات عن حالته.

صمت مريب وانتهاكات مستمرة

يؤكد المراقبون المحليون بأن أجساد المعتقلين باتت سجلات حية تروي حكايات انتقام السلطات السعودية من المجتمع الشيعي ومعاقبة شبابه على احتجاجاتهم المطلبية السلمية، والإمعان في التنكيل بعائلاتهم كونها ساندت أبنائها أو ساعدتهم على الاختباء والتخفي هروباً من محدلة السجون والتعذيب، ورفضهم الرضوخ لتهديدات وسياسات الأجهزة الأمنية المتغولة في القمع المفتوح والذي لا يستثني أحداً من العقاب..

فيما يشير نشطاء حقوقيون إلى تعاظم الخوف على حياة ومصائر المعتقلين, وسيطرة وشاح القلق المخيّم على المشهد النفسي لأهاليهم، في ظلّ حرمانهم من الاتصال بأبنائهم، ورفض السلطات أي نوع من التواصل مع المعتقلين ولو عبر المحامين والوكلاء، في انتهاك صارخ لأبسط الحقوق الإنسانية التي تكفلها الشرائع الدينية والإنسانية والقانونية وأعراف ومواثيق حقوق الانسان الدولية.

ولا تبدو سلطات الرياض مكترثة بأي من الدعوات والمطالبات الدولية المستمرة التي تطالبها بالكفّ عن انتهاكات حقوق الإنسان المتواصلة، وفتح أبواب سجونها أمام المراقبين الدوليين المستقلين، وإجراء محاكمات عادلة علنية، إذ تصر سلطات الرياض على الاتجاه إلى رسم فبركات وسيناريوهات استهداف جديدة ضد أبناء القطيف والأحساء، عبر حفر أجساد المعتقلين بالجراح والعاهات، لانتزاع ما تشاء من اعترافات وإقرارات تبني من خلالها روايتها الآحادية الجانب لقصص أستخبارية مفتعلة، يُراد لها أن تحجب حكاية شعب مضطهد يناضل من أجل استراداد كرامته وحقوقه وحريته..

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك