شهداء الصلاةمقالات

طفل القديح الباكي…خطاب ضد القتل والكراهية

كل حدث مأساوي يتوزع في منظومة من الصور التي تتنازع فكرة اختزاله وتعليبه في لقطة بصرية جامعة، تكون بمثابة الأيقونة التي تتصعد للإبلاغ عن الحدث من الوجهة الإنسانية، على اعتبار أن الصورة قرينة الخطاب الأخلاقي.

فكل صورة تختزن ما يمكن أن يكون سيرة مختصرة ودالة على هول الفجيعة، ومن يتأمل ألبوم التفجير الوحشي لمسجد الإمام علي في القديح يوم الجمعة الثاني والعشرين من مايو/أيار من العام الحالي 2015، يتشتت ذهنه ما بين صورة المصاحف الملطخة بالدماء، والكهل المتشبث بعمود من أعمدة المسجد وسط الخراب الذي أحدثه التفجير الغادر، وصورة أشلاء المصلين المبعثرة، وجثامين الشهداء المسجاة، والجموع الهادرة لحظة التشييع، وما استجلب من صور أصغر شهيد وهو الطفل حيدر المقيلي وهكذا.

إلا أن الصورة التي استأثرت بالاهتمام حتى صارت أيقونة الحدث، هي صورة الطفل الباكي الذي احتشدت في وجهه كل تفاصيل المأساة، فهي صورة قادرة على التحدُّث ومخاطبة العقل والوجدان، وسرد فجائعية الحدث من خلال مفرداتها البصرية، فهي تأتي في سياق فوتوغرافيا تقوية الضمير، إذ لم تتولد برعاية الجمال والاحتفالية إنما في مدار الموت وطقوسه. إنها نتاج ذوق تصويري مأساوي النزعة، لدرجة أن بعض المعنيين بتوطين الحدث في الذاكرة الاجتماعية مارسوا شيئاً من العبث المشروع لتثبيتها في الوعي الشعبي، سواء باقتطاع الوجه وتحويل الصورة إلى بورتريه جمالي بالاتكاء على الطابع الصدمي فيها، أو بإضافة بعض الرتوش والتأثيرات لتصعيد الإحساس بالفاجعة، أو تغزير كم الدمع وتعميق مجراه بتقنيات فنية قد تزيح الصورة عن مواضعاتها الفنية والموضوعية، لتبقى الصورة الخام هي الأبقى والأكثر تعبيراً عن الواقعة.

صورة طفل القديح الباكي تكاد تكون نسخة أخرى معادلة لصورة الطفل الباكي الشهيرة، التي رسمها الفنان الإيطالي جيوفاني براغولين، حيث التقط الطفل البائس دون بونيلو من الشارع وأخذ يرسمه لأيام وهو لا يتوقف عن البكاء، بسبب رؤيته لوالده وهو يتفحم إثر حريق نشب في بيتهم، وهو السبب ذاته الذي جعل طفل القديح يبكي بتلك الحرقة وبدون توقف حزناً على أحبته وأقاربه، إذ لم يتحمل عقله الطري فجائية اللحظة القدرية.

لم يكن بمقدوره إيقاف شلال الدمع من عينيه، حيث كان محط أنظار المشيعين والمصورين شفقة عليه، كما تشير الأفلام المصورة ووقائع الجنازة، إلى أن اقتنصه علوي الماجد في لقطة مؤثرة، واختزل كل أوجاعه في صورة مؤلمة، حيث كان لزاماً عليه، وبموجب نزعته الفوتوغرافية الجمالية أداء دور الوسيط الناقل لتلك العذابات بمنتهى الحياد، وتجميد ذلك الوجع السائل في الزمن داخل صورة ساكنة قابلة للتأمل والفحص.

هذه الصورة الدامغة المحتشدة بالمواضعات الأيقونولوجية، ليست مجرد صورة استذكارية، ولا هي صورة اختلاسية، بل هي صورة جريئة في انتخاب مادتها وزاوية رؤيتها، وهي صادمة لأنها ناتجة عن مواجهة أخلاقية صارمة قبالة الواقعة، إذ لم يكن أمام الماجد سوى تغليب خيار تصوير الطفل الحزين وتخليده على حساب فكرة الإشفاق عليه والتخلي عن فكرة توثيق اللحظة، وذلك بموجب وعي فوتوغرافي عميق، وذلك هو منطق الصورة المؤثرة التي تكون بمثابة التعبير الكامل عما يستشعره كمصوّر تجاه الطفل كمادة مصوَّرة.

وهكذا صارت صورته بمثابة الدليل على أن حدثاً مأساوياً قد حدث، وهو دليل يعادل الحقيقة لدرجة أنها تصيب الحواس بالشلل كلما طال التحديق فيها، حيث جاء الطفل الباكي كمادة مؤلمة قابلة للجدل والتخليد ما بين المصوِّر والحدث المصوَّر، لتتحول إلى علامة وموضوع في آن، فهي تعرض لقطة غير مألوفة، وبذلك حققت كصورة واخزة للضمير الإنساني معنى استمرارية الحدث وتأبيده.

الطفولة إيحائية بطبعها، وعندما تكون الطفولة في المقبرة يتضاعف ذلك الإيحاء وتتولّد المفارقة في أقصى تجلياتها، فالصورة ملتقطة في استوديو المقبرة الرحب، وهذا هو ما يجعلها حقلاً خصباً من العلامات. أضمومة الورد الذابلة بين يديه وكأنه يعتذر للشهداء عن عدم كفايتها لكل قبورهم، ارتماءته بتعب ولا مبالاة على تلة التراب التي ستنهال بعد قليل على جثامين الشهداء، قبضته اليائسة على قنينة الماء وكأنه يعلن استسلامه، قدماه المدسوستان في نعل معفر بالتراب، دموعة الطازجة التي حفرت لها نهراً على خديه، قميصه الموشى بصورة وسيرة كربلائية رومانسية وجد نفسه فجأة يعيش فصلاً موجعاً من فصولها، وجهه المحتقن بعذابات الواقعة وسيرة شخوصها، والأهم نظرته الحزينة التي تنم عن مزيج من الألم والحسرة والتيه وعدم التصديق والرفض والاحتجاج، حيث يحتم كل ذلك التزاحم من العلامات استدعاء كل أدوات وآليات التجربة الثقافية للقبض على ممكنات التدليل والفاعلية في ذلك الحقل الخصب من العلامات.

هكذا يبدو كواحد ممن يسميهم المخرج الفرنسي أبيل جانس، في معرض إدانته للحرب، بالأكواب المكسورة، في إشارة استعارية إلى ضحايا الحرب المشوهين جسدياً ونفسياً، إلا أن طفل القديح الباكي، وإن كان معافى جسمانياً، فإن روحه كما يبدو من تفاصيل الصورة تبقى مشروخة ومهشّمة لهول ما رأى، إذ من اللافت أنه لم يكن في وارد التوتر أو الانتباه المبالغ فيه، الذي يعتري الناس عندما يكونون على وشك التصوير أو التحنيط داخل صورة، بل كان يعانق بوجدانه طقس الوداع للشهداء، حيث تدل براءة مواجهته الطفولية للكاميرا، وعدم اعتنائه بمظهره على احترام أجواء المناسبة الحزينة، وقدرته العفوية على استظهار النبالة والاحترام للإفصاح عن جوهر الموضوع بدون تكلف ولا تصنُّع، وربما كان ذلك بسبب إحساسه اللاواعي بأنه انقذافه في العدسة سيحقق شيئاً تخليدياً للشهداء، إذ لم يكن في وارد التقاط صورة تذكارية مع الموت.

لهذا السبب لا تبدو الصورة واصفة للحقيقة ببساطتها وحسب، إنما هي الحقيقة ذاتها، حقيقة المجزرة بكل ارتدادتها النفسية والمادية، التي تغري الحواس بالتدقيق فيها، من خلال الممر البصري، واستخلاص حالة موضوعية بعيدة المرامي، أكثر مما تستدعي النظر إلى صورة شخصية ذات تأثير وقتي، لأنها صورة جوهرها التراجيديا، بمعنى أنها تحرض على ما هو أبعد وأهم وأشمل من المشاهدة البصرية، وتلك ميزات جمالية مضاعفة، لأنها صورة سياق له مواضعاته ودلالاته وتداعياته، إذ يمكن مطالعتها ضمن ما يُعرف ببطولة الرؤية، المنذورة لتوليد إحساس استثنائي، فيه من الكثافة والقوة والإيحائية ما يؤبّد الصورة ويوطّن المناسبة في الذاكرة، فهي لقطة متفجرة بصرياً ومتشظية حسّياً داخل موضوعها.

إنها صورة أشبه ما تكون بوثيقة تؤرخ للمجزرة، أما ما تريد أن تقوله من خلال ذلك الضجيج العلاماتي فيمكن اختصاره في فكرة أن التفجير قد قهر هذا الطفل وتسبب له بالحزن وأشعره بالفقد ورماه في اللاأمان وزعزع إيمانه بكل شيء، وأنها بهذا الاحتقان التعبيري تمارس شيئاً من تكريه ثقافة الكراهية، وهذا ما تقترحه خبرتها العاطفية الفكرية، بما هي خطاب ضد القتل، إذ يحيل كل ما فيها إلى شيء من التشابه بينها وبين ما تحيل إليه، بمعنى أنها تشير إلى الواقعة المأساوية في المقام الأول، ثم إلى تداعيات الجسد الاجتماعي، فالطفل مثقل بالرموز، ومعبأ بالطقوس والقيم والعادات الحاضرة بقوة في الصورة. أما إنتاج الدلالة هنا فليس مصدره ما يثيره الدال من تشابه مع ما تحيل إليه بصراحة من داخلها، باعتبارها صورة أيقونية، إنما من قدرتها على إنتاج دلالة تنهض على إعادة التجربة الواقعية، بمعنى أن البعد التسجيلي فيها ليس سوى إحالة مباشرة، مقارنة بالفرض التواصلي الذي تؤديه كواقعة بصرية، فالطفولة التي تنهض من بين أنقاض الموت صورة تستحق أن تتأيقن، خصوصاً أنها تحتضن مرموزات عالية القيمة والكفاءة كالورد والماء والتراب.

إذن، هي واقعة بصرية ذات نسق من المواضعات ولا يمكن تجريدها من صفتها العلامية، فهي لم تتأهل لأن تكون الصورة الأيقونية للحدث، إلا لأنها تمتلك خصائص الواقعة، وتختزن مرئياتها ولا مرئياتها، بالإضافة إلى قدرتها على إعادة إنتاج شروط الإدراك المشترك بعد إخضاعها لعملية انتقاء، بمعنى أنها قابلة لأن تشكل بنية إدراكية لها ملامح التجربة الواقعية نفسها التي تحيل إليها كأيقونة، بحيث تتصعد كلقطة بصرية إلى حافة تأويلية يمكن بموجبها ابتناء علاقة تماثلية ما بين المثيرات الواقعية وبين مثيرات الصورة ذاتها، وذلك نتيجة انشحانها بالقيم المرجعية، واستجابة طفل القديح الباكي إلى ديمقراطية العدسة في الانتقاء والتسجيل.

إن لقطة طفل القديح الباكي بالإضافة إلى قيمتها الفنية والموضوعية، هي صورة مشحونة بالقيم العاطفية والأخلاقية العالية، ويمكن أن تتضاعف قيمتها وتأثيرها بناء على طبيعة المكان الذي تتموضع فيه، ليس بالمعنى المادي، إنما بمفهوم السياق، وهذا يحتّم الانزياح بها من منصة العرض اليومي الطارئ في مواقع التواصل الاجتماعي إلى مواقع ومنابر ذات فاعلية، ومن منظورات تراعي الإبقاء على طزاجة دم الشهداء، بحيث تكون اللوغو الذي يلوح به ضد ثقافة الموت والكراهية.

هناك فضاءات متاحة بعد إجراء بعض الإزاحات التي تراعي زمنيتها وتنسلخ منها في آن، بحيث تكتسب هذه الصورة الواخزة للضمير أيقونيتها، وتحتفظ بقدرتها العابرة للزمن على إدانة ثقافة الكراهية، بمعنى توسيع النطاق الإنساني الذي تتحرك فيه، لأنها تحمل في طياتها المرئية واللامرئية من المعاني الراسخة ما يكفي لتبنيها كأيقونة بعد أن تتخفف من حمولاتها واكسسواراتها الوقتية.

محمد العباس
القدس العربي 
لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى