الرئيسية + النشرة + د.الراشد: الشهيد آية الله النمر أيقونة الثورة والنضال في البحرين

د.الراشد: الشهيد آية الله النمر أيقونة الثورة والنضال في البحرين

الشهيد آية الله النمر، آيقونة الثورة الجهادية في البحرين، حيث يستمد الكثير من الرجال والنساء الروح والإرادة من هذا الشهيد الكبير الذي ترتفع صوره وكلماته في معظم المسيرات والتظاهرات الشعبية التي تجوب معظم مناطق البحرين،،،

حوار: هاني العبندي

ثورة الرابع عشر من فبراير، إنها الثورة التي لم تنتطفئ بالرغم من تعاقب 7 سنوات وتعاظم التضحيات والتحديات. هكذا كانت ثورة البحرين التي حاولت الكثير من الأنظمة السياسية عبر صحافتها، وإعلامها، وعلاقاتها السياسية، والدبلوماسية تشويه منطلقاتها وأهدافها ومنعها من الاستمرار. الثورة الشعبية التي رفعت مطالبها المشروعة كحق المشاركة السياسية، وتحقيق العدالة، والديمقراطية.

وبالرغم من تدخل الجيش السعودي ودول خليجية أخرى عبر إرسال قوات درع  الجزيرة, والذي يُرجح المراقبون والنشطاء مسؤوليته المباشرة عن العديد من عمليات الإعدام في الشوارع بحق المتظاهرين المدنين السلميين كالشهيد أحمد فرحان والشهيد عبدالرضا بوحميد، إضافة إلى تطبيق قانون الطوارئ في 15 مارس 2011 الذي رفع مستوى القبضة الأمنية لتطال غالبية المواطنين عبر سلسلة من الاعتقالات, أفضت إلى تعرضهم إلى أبشع صنوف التعذيب داخل السجون السياسية, ما أسفر عن استشهاد عدد من المواطنين تحت التعذيب في مقدمتهم عبد الكريم الفخراوي أحد أبرز الناشرين ومؤسس “مكتبة الفخراوي” وأحد مؤسّسي جريدة “الوسط”.

مرآة الجزيرة تفتح ملف الثورة في البحرين وتطلعات الشعب، والتأثير السياسي والأمني لنظام الرياض وسعيها إلى إجهاض الثورة, ومواقف الشهيد آية الله النمر الداعمة لحقوق الشعب البحراني وتطلعاته, عبر حوار مطول مع القيادي في تيار العمل الإسلامي د. راشد الراشد.. هنا القسم الأول من الحوار الذي ننشره على حلقتين.

مرآة الجزيرة: مُنذ ما يقارب 7 سنوات على بدء ثورة 14 فبراير ومُختلف قرى وبلدات البحرين مستمرة في الاحتجاجات ولا تزال بالرغم من تصوير الثورة بأنها ذات بعد طائفي تارة، وأحياناً أخرى أنها مدعومة من إيران، هذا بالإضافة إلى تدخل قوات درع الجزيرة بضوء أخضر أمريكي وبريطاني، مما أسفر عن سقوط العديد من الشهداء والجرحى في حينها، فما هو السر وراء استمرار الشعب في الاجتجاجات، وهل لا تزال العائلة الحاكمة “آل خليفة” تراهن على استمرار الدعم السياسي الدولي، وإلى أي مدى يمكن أن يستمر في ضوء المتغيرات السياسية الإقليمية؟

د. راشد الراشد: عندما تكون هناك قضية شعب عادلة، وأنه يعاني بشدة من قسوة الظلم والإضطهاد السياسي بسبب الإستبداد وحاكمية الديكتاتورية الشمولية، وعندما تزداد درجات القمع ووصولها إلى مستويات قياسية، فمن المنطقي جداً أن تأتي لحظة ما ينفجر فيها هذا الشعب ويحدث البركان.

وفي البحرين لقد عانى الشعب طويلاً من حكم شمولي مستبد ومطلق، وعانى من الإضطهاد الشيء الكثير، ولذلك خرج عن بكرة أبيه مطالباً بالتغيير، متحملاً بذلك وجع الحركة نحو التغيير أمام سلطة غاشمة لا تتوانى عن إستخدام أبشع أساليب المجابهة من أجل البقاء في الحكم والمحافظة على السلطة. وهكذا فقد قدم شعب البحرين القرابين من أجل الخلاص والفكاك من ليل الإستبداد الذي طال أمده وهو يواصل مسيرة العطاء والتضحية من أجل غدٍ أفضل، لواقع سياسي تنتهي فيه عقود طويلة من الإضطهاد السياسي وسنوات مديدة من المطاردات البوليسية وحياة قاسية تحكمها أجواء القمع وتكميم الأفواه، إلى حياة سياسية يسودها مناخ العدالة والحرية والمساواة.

ولأن حجم المشاركة الشعبية المطالبة بالإستحقاقات الوطنية كان كبيراً، وإن النظام شهد ربما لأول مرة في تاريخه السياسي منذ الإستيلاء على السلطة بفرض الأمر الواقع، عزلة شعبية بهذا الحجم، فقد لجأ إلى الإستنجاد بالقوى الأجنبية لمجابهة الإرادة الشعبية ولمساعدته في قمع الشعب المطالب بالتغيير السياسي الجذري، في خطوة لها دلالاتها فيما يرتبط بضعف السلطة الخليفية وفقدانها لأي رصيد شعبي يستطيع حمايتها من السقوط أمام الطوفان الشعبي.

لم يتبقَ أمام السلطة الخليفية سوى قشّة يتعلق بها لإنقاذه من المأزق، وكان اللجوء للقوات الأجنبية ودعوتها لإنتهاك السيادة الوطنية وضرب الإرادة الشعبية هو الحصان الوحيد الممكن أن يستنجد به النظام الخليلفي لمعالجة الموقف.

إنها المرة الأولى التي تحدث في تاريخ البشرية أن تستقوي سلطة بقوات أجنبية لقمع تظاهرات ومسيرات شعبية تطالب بحقوقها السياسية، مثّلت وصمة عار على جبين العالم والمجتمع الدولي الذي أعطى الضوء الأخضر لتركتب مجازر ضد مدنيين، وضد حركة شعب لأنه طالب بحقوقه السياسية والإحتكام إلى صناديق الإقتراع، إستناداً إلى المواثيق والعهود الدولية التي تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها.

لقد كانت الصدمة كبيرة ونحن نشاهد العالم يتخلى عن مبادئه من أجل إسناد نظام ديكتاتوري شمولي مستبد فقد كل شرعية وجوده.

ولكن رغم قساوة ووحشية الإجراءات القمعية التي اتخذها التحالف الشيطاني لكسر الإرادة الشعبية لا يزال الحراك الشعبي مستمراً ولم يتوقف يوماً واحداً وذلك منذ إندلاع الثورة الشعبية في الرابع عشر من فبراير ٢٠١١، والسر في ذلك يعود إلى مجموعة من العوامل أهمها:

أولاً: إن الثورة الشعبية وحجم المشاركة فيها الذي بلغ نسبة قياسية وصلت إلى ٧٠ بالمائة من نسبة سكان الشعب هي نتيجة تراكمات لسنوات طويلة من النضال والكفاح من أجل الكرامة والحرية ووضع حدٍّ لسنوات طويلة من القهر والإضطهاد السياسي الذي عاشه شعب البحرين تحت ظل النظام الخليفي المحتل والمغتصب للشرعية والسلطة.

ثانياً: تصدي عدد من القيادات الدينية والوطنية البارزة ومجموعة كبيرة من النخب المجتمعية إلى الحراك الشعبي وقد تقدموا الصفوف في توجيه الحراك وتحملوا ما ترتب على ذلك من نتائج. ورغم أن غالبيتهم العظمى اليوم يرزحون خلف قضبان السجون الخليفية والبعض الآخر يعيش المنافي القسرية إلا أن ثبات هذه القيادات وصمودها وثباتها على المطالب والإستحقاقات الوطنية يعدُّ واحداً من أهم العوامل المساهمة في إستمرار الحراك لهذه المدة الطويلة رغم وحشية إجراءات السلطة الخليفية في التعامل مع المشاركين والداعمين للحراك.

مرآة الجزيرة: في القطيف والأحساء كان ولا يزال للشباب وبعض الشخصيات الدينية والسياسية مواقف مؤيدة إلى تطلعات ثورة 14 فبراير، وبالتزامن مع الذكرى الثانية لاستشهاد أبرز الشخصيات الدينية التي قضت بالسيف السعودي آية الله الشيخ نمر النمر مع ثلة من شباب الحراك في القطيف… في رأيكم إلى أيِّ مدى استطاع الشهيد النمر عبر خطابه الديني والسياسي التأثير على ثورة 14 فبراير، وهل يمكن القول أن التأثير زال باستشهاده؟

د. راشد الراشد: لاشك أن مواقف العلماء والفقهاء والشخصيات والنخب المفكرة من عالمنا العربي والإسلامي وخصوصاً من مراجع الطائفة الشيعية كان له تأثير كبير في سعة المشاركة الشعبية في الثورة والحراك، وكان من بين أبرز المؤثرين الموقف الذي اتخذه بكل شجاعة نادرة الشهيد العظيم آية الله نمر باقر النمر ”رضوان الله تعالى عليه“ .

في البحرين، يعتبر الشهيد السعيد آية الله النمر، آيقونة الثورة الجهادية، ويستمد الكثير من الرجال والنساء في البحرين، الروح والإرادة من هذا الشهيد الكبير الذي ترتفع صوره وكلماته في معظم المسيرات والتظاهرات الشعبية التي تجوب معظم مناطق البحرين.

ونحن نتابع اليوم ما يجري ميدانياً، نجد بأن الشهيد النمر لا يزال يحتل مكانة الصدارة المُلهمة لمواصلة الدرب في مواجهة ومقارعة الإستبداد والطغيان رغم إستشهاده ورحيله.

مرآة الجزيرة: لا تزال العائلة الحاكمة “آل خليفة” مستمرة في إصدار أحكام الإعدام بحق الشباب والشخصيات الدينية (السيد مرتضى السندي، الشيخ حبيب الجمري، والشيخ ميثم الجمري) بأحكام غيابية، برأيك هل هو اقتداء بنظام الرياض الذي أعدم الشهيد آية الله النمر.. مع استمراره في اصدار أحكام الإعدام التي تطال شخصيات دينية واجتماعية، أم هو قرار قضائي مستقل؟

د. راشد الراشد: لم تشهد البحرين طيلة تاريخ الصراع السياسي المعاصر، والذي بدأ تحديداً منذ إستيلاء آل خليفة على السلطة بفرض الأمر الواقع, حركة إستهانة بالدماء وإستصدار أحكام الإعدامات بالجملة إلا في السنوات الآخيرة عندما اضطر آل خليفة للإستنجاد بآل سعود لإنقاذهم من ثورة شعبية عارمة شارك فيها كل الشعب مطالباً بإسقاط نظام آل خليفة الشمولي المستبد. وهذا يؤكد بأن هناك تأثير مباشر لسياسات النظام السعودي في التعامل مع معارضيه ومن يختلفون معه في قضايا الحكم وإدارة الدولة.

لا يمكن الحديث عن قضاء مستقل في ظل الأنظمة الديكتاتورية المستبدة الشمولية، حيث يكون الجلاد هو القاضي، وبينما تدار الدولة بالمراسيم الأميرية في ظل غياب مدقع للدولة المدنية ومؤسساتها. هناك العشرات بل المئات الآن يرزحون خلف قضبان سجون النظام الخليفي والنظام السعودي على حدٍّ سواء، وكثير منهم يقضي فترات طويلة في السجن دون أن تتوافر لهم أدنى معايير المحاكمات العادلة ودون أن يكون لهم الحق في تعيين محام للدفاع عنهم.

والأنكى أن هناك العشرات من المدنيين يقضون فترات طويلة بين جدران الزنزانات الإنفرادية دون أن تصدر ضدهم أحكام قضائية، وقد تجاوزت فترات سجن البعض منهم التسعة عشر عاماً، كما يحدث للسجناء الذين يعرفون بـ”السجناء المنسيون”.

مرآة الجزيرة: في تصريح سابق للقيادي في تيار الوفار الاسلامي السيد مرتضى السندي قال “قبضة في الميدان، وقبضة على الزناد” ألا يُعد هذا التصريح عنصراً مُحفزاً على مزيد من الخلاف السياسي بين القوى المعارضة السياسية باعتبار رغبتهم أن تبقى الثورة في إطار السلمية؟ ووفق قراءتكم للساحة ما هي حدود السلمية في الرؤية الإسلامية والقانون الدولي؟

د. راشد الراشد: ما ارتكبه النظام الخليفي من جرائم بشعة وصلت إلى حدّ عمليات القتل خارج القانون، واستعمال السلاح في وجه المدنيين العزّل، كما رأينا حالات مريعة تقشعر لها الأبدان لفضخ الرؤوس كما حدث للشهيد أحمد الفرحان من جزيرة سترة الأبية، وكذا الزج بالآلاف في داخل السجون ومعاملتهم بصورة حاطة بشدة بالكرامة الإنسانية فإن إستراتيجية النظام الخليفي المستهترة بالأرواح والكرامة الإنسانية للشعب من المؤكد بأنها سوف تدفع البحرين إلى المجهول. ولايمكن لأيّ أحد أن يضمن بأن الشعب بأكمله وبمختلف قواه السياسية والإجتماعية سيقبل الإزدراء والإستخفاف بكرامته وهتك حرماته إلى ما لانهاية وللأبد.

إن الحركة المدنية للشعب في المطالبة بالإستحقاقات الوطنية، لجأت إلى منطق العهود والمواثيق الدولية التي تنصّ على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وكما تشجع الأعراف الدولية في حل الخلافات السياسية بالأدوات والأوراق السياسية، وتدين كافة وسائل العنف والعنف المضاد. لكن ما وجدناه في التعاطي مع ثورتنا الشعبية في البحرين أن المجتمع الدولي قد غض الطرف عن عنف السلطة الخليفية المتمادي في إنتهاك الكرامة الآدمية. وترك شعب البحرين يواجه ترسانة أسلحة الأنظمة الخليجية وقواتها من أجل كسر الإرادة الشعبية وإخماد الحركة المطلبية.

مرآة الجزيرة: الشهيد النمر في أحد خطاباته حول الشأن البحريني قال: “من شروط النصر أن تيأس من أن آل خليفة يمكن إصلاحهم” بعد كل هذه السنوات ومع ارتفاع أعداد: الشهداء,الجرحى, المعتقلين, والمطاردين، وإصرار السلطة على سياسة إسقاط جنسيات مئات البحارنة، والايغال في منهج التهجير القسري، والإمعان في التعذيب الممنهج داخل السجون.. هل هُناك من قوى المعارضة أو الشخصيات السياسية والدينية مَنْ لا يزال يرى في العائلة الحاكمة أيّ بصيص أمل في الإصلاح؟ وفي حال ذلك، على ماذا يُراهن أصحاب هذه الرؤية؟

د. راشد الراشد: لم يحدث في التاريخ الإنساني برمّته أن إستطاعت إرادة ما، وحتى الأنبياء والرسل، من إصلاح الطغاة والفراعنة. إن ثقافة العصابات التي تستولي على السلطة بقوة الحديد والنار لايمكن أن تتنازل عن أي مساحة من السلطة والقدرة ارتكازاً إلى الحكمة والمنطق والعقل، فهذا آخر ما يمكن أن يهتم به سرّاق الأوطان ولصوص السلطة والحكم. ولذلك لايمكن لعاقل أن يثق بأيِّ نسبة من النسب بإمكانية أن تتنازل عصابة عن ما تعتبره غنيمة حرب وغزوة.

وبحساب التجربة في الصراع من أجل التغيير السياسي في البحرين، فإن شعب البحرين قد جرّب كثيراً التدرج في المطالب، بل انها المرة الأولى منذ مئتي عام يطالب الشعب صراحة بإسقاط نظام الحكم الخليفي وحق تقرير المصير بمعزل عن وجود آل خليفة في السلطة، وذلك بسبب فشل كل المحاولات من أجل الإصلاحات السياسية ذات الطابع الترقيعي.

ولذلك فإنه ليس أمام شعب البحرين في مواجهة مَنْ أثبتوا أنهم مستعدين أن يطلقوا الرصاص في صدور المدنيين العزّل عندما تقترب مطالبهم السياسية إلى منطقة المشاركة السياسية الحقة في الحكم والسلطة غير الخيار الوحيد المتاح، أي إسقاط النظام، وإن كان صعباً وقاسياً، لا خيار غير الاستمرار في الثورة والثبات على مطالب الإستحقاقات الوطنية.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك