الرئيسية + النشرة + النمر ضرب مشروع تفكيك القطيف.. وعاد يُطاردهم

النمر ضرب مشروع تفكيك القطيف.. وعاد يُطاردهم

علي مراد

عامان مضيا على إعدام الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، الذي اعتقلته السلطات السعودية في آب 2012 ونفّذت حكم الإعدام بحقه في 2 كانون الثاني 2016. مدة لم تكن كافية للنظام ليطوي صفحة الشيخ الذي قضّ مضاجع السلطة بكلماته، وهي التي لطالما نظرت الى سكان المنطقة الشرقية – وبالتحديد في محافظة القطيف – على أنهم مواطنون من الدرجة الثالثة أو الرابعة. مشكلة النظام ليست في شخص الشيخ الشهيد بل بأفكاره، إذ إنها تقوّض مشروعها للمنطقة التي يتحدّر منها.

لم يكن الشيخ الشهيد نمر باقر النمر أول ثائر من المنطقة الشرقية في مملكة السعوديين، لكنه لن يكون الأخير حكمًا. الباحثون في تاريخ تلك المنطقة يفهمون جيّدًا أن النمر ورث مخزونًا كبيرًا من نضال أجداده وأبناء منطقته وطبعه بعلمه وشخصيته الجريئة الشجاعة، ليخرجه لأبناء منطقته وباقي الشرائح الشعبية في مملكة آل سعود. رفضُ القمع والتسلّط والمطالبةُ بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية كان أبرز ما تناوله الشيخ الشهيد في خطبه ومحاضراته. لم يحمل الشيخ البندقية ليحصّل حقوقه، أو حتى دعا لثورة مسلّحة، كان يردد دائمًا عبارته الشهيرة: “الكلمة أقوى من أزيز الرصاص”. إن أكثر ما يؤرّق آل سعود – أيًّا كان الحاكم – التشكيك بشرعية حكمهم ومواجهتهم بحقيقة تسلّطهم ومطالبتهم بإعطاء أصحاب الحق حقوقهم، فيستنفرون لإسكات صوت الحق، وهذا ما دأب الشيخ على ترديده والتركيز عليه، فدفع حياته ثمنًا لذلك.

منذ إعدامه في مثل هذه الأيام عام 2016، والنظام السعودي لا يفوّت فرصة لمحاولة طمس ذكره وتشويه سيرته. فكانت الذريعة لاجتياح العوامية بداية أيار الماضي أن مريديه “المسلحين” يتحصّنون في حي المسورة التاريخي (مسقط رأسه). قبيل انطلاق عملية الاجتياح، جيّشت الداخلية السعودية كلّ إعلامها واستنفرت أذرعها الدعائية لتهيئة الحاضنة التاريخية للنظام وشحنها لمواكبة الحملة.

خلال عملية اجتياح العوامية التي استمرت زهاء ثلاثة أشهر، كان واضحًا من خلال ما انتشر من صور وفيديوهات التقطها جنود قوات المهام الخاصة التابعة لوزارة الداخلية بجوالاتهم، أن الهدف المركزي للحملة كان الوصول إلى الحسينية التي كان الشيخ الشهيد نمر النمر يخطب فيها أمام أبناء منطقته ومريديه. حجم العنصرية والحقد الطائفي تجلّى في تعليقات الجنود وممارساتهم في المساجد التي دخلوها وأظهروا التشفّي داخلها. الهدف لم يكن كما ادّعى إعلام النظام أنه يعمل على طرد خارجين على القانون و”إرهابيين” حالوا دون تنفيذ مشروع تطوير حي المسورة، إنما اختراق حالة دشّنها الشيخ النمر في منطقته وألهمت أبناء العديد من المدن والقرى في المنطقة الشرقية.

مخطط تفكيك القطيف

يمكن اعتبار القطيف بعواميتها والقرى المحيطة بها حالة مستعصية على النظام السعودي تاريخيًا، علمًا بأنها دخلت بعد الأحساء تحت سلطة آل سعود عام 1913. لم يغيّر النظام من نظرته لسكان تلك المنطقة مع تعاقب السنين. يروي الطبيب الأمريكي “ريتشارد داغي” في مقابلة عام 1996 أنه عندما كان يعمل ضمن برنامج صحي لشركة “أرامكو” بداية خمسينات القرن الماضي لتوعية سكان القطيف حول طرق الوقاية من مرض الجدري، أراد عرض فيلم توعوي لأهالي قرية صفوى، فرفض أمير المنطقة الشرقية حينها “سعود بن عبد الله بن جلوي آل سعود” أن يوافق على طلبه بعرض الفيلم قائًلا: “لو أن الله لا يريد للسكان أن يُصابوا بالجدري، لما أرسل الجدري إليهم”(1). هذه العنصرية المتأصّلة في نفوس أمراء آل سعود تترجمها إجراءات اتخذها النظام لاحقًا بحق أهالي القطيف. صدرت العام الماضي دراسة للباحث والناشط الحقوقي القطيفي مالك السعيد حملت عنوان: “دراسة في الأزمة السكنية بمحافظة القطيف بالمملكة العربية السعودية” (2)، يُبرِز فيها ملامح مشروع يستهدف محافظة القطيف وسكانها من باب التضييق على التوسع العمراني فيها، وخلق الظروف التي تدفع أبناء المنطقة إلى النزوح عنها في نهاية المطاف.

منذ عشرينات القرن الماضي، استطاع النظام جراء استجلاب سكان من منطقة الوسط في نجد والجنوب في عسير، أن يُحدث تغييرًا ديمغرافيًا في الأحساء، ساهم الى حدّ كبير في وضع اليد على المحافظة والانطلاق منها لتطويق الحالة في محافظة القطيف، عبر التضييق على أهلها خدميًا واقتطاع أراضيها وإلحاقها بمحافظات أخرى محيطة. يعتبر السعيد في دراسته أن الحكومة السعودية لا تستجيب الى حقيقة تزايد النمو السكاني مع تسجيل نسب ارتفاع في عدد الشباب المقبل على الزواج، والحاجة الملحّة لتأمين مساكن جديدة. يتبيّن في الدراسة أن القطيف تُعطى النسبة الأقلّ بين محافظات المنطقة الشرقية من مخططات وزارة الإسكان، وسط تصاعد شكاوى أهاليها من عمليات اقتطاع الأراضي والاستيلاء عليها، وتضمينها لمحافظات أخرى كالدمام والجبيل ورأس تنورة، أو منحها للأمراء وورثتهم، أو عبر توسيع حدود الأراضي المخصصة لعمل شركة “أرامكو” وهي المسماة “محجوزات أرامكو”، على حساب أصحاب الأرض.

هذا الواقع ليس مستجدًا، فأزمة السكن المفتعلة من قبل النظام في محافظة القطيف تعود لعقودٍ مضت، بالتوازي مع حملات إعلامية وأمنية استهدفت سكان المنطقة وهي مستمرة. بعد انتفاضة محرم عام 1980، دأب وزير الداخلية الأسبق نايف بن عبد العزيز على شيطنة القطيف وإصدار اتهامات لرموز المحافظة الذين عملوا على توعية أبنائها حول حقوقهم المنهوبة.

قرّر النظام أن اتهام سكان المنطقة المطالبين بحقوقهم بالارتباط بإيران والثورة الاسلامية فيها، سيبرّر كل الاجراءات ضمن مخطط تفكيك الحالة المطلبية المعاندة لسياسة القمع والاستبداد السعودي الرسمي. زُجّ بقيادات ونشطاء الحراك الشعبي القطيفي في السجون أواخر الثمانينات، واستمرت حملات الملاحقة منذ ذلك الوقت، الى أن امتلأت سجون الداخلية السعودية بتلك الرموز. هذه الأساليب التي اتبعها النظام ترافقت مع محاولات احتواء واستقطاب رموز وشخصيات لا شعبية لها في أوساط السكان، وكان منهم الشيخ المغدور محمد الجيراني الذي خُطف من أمام منزله في تاروت بظروف غامضة في كانون الاول عام 2016. كون الرجل لم يكن على علاقة طيبة مع الحراك المطلبي في منطقته، كان من المنطقي أن يستغلّ العقل الأمني للنظام الحادث لاتهام نشطاء شاركوا في التظاهرات الشعبية المطلبية عامي 2011 و2012 باغتياله.

شهد العام 2017 اتهام العشرات من النشطاء في منطقة القطيف بالمشاركة في عملية اختطاف الجيراني، فكانت الداخلية السعودية كل بضعة أشهر تعلن عن توجيه الاتهام لشبان جدد بالمشاركة بالعملية، حتى بلغ عدد الموجَّه لهم هذه التهمة حوالي 25 شخصًا دون مبالغة، وكان الإعلان في أغلب الأحيان يصدر عقب تنفيذ عمليات اغتيال بحق بعض هؤلاء النشطاء، والغاية من الاتهام طبعًا كانت لتبرير عمليات التصفية الميدانية بحقهم.

النمر يطاردهم

منذ اغتيال الشيخ الشهيد نمر النمر كان هناك توجّه واضح لدى النظام بما يمكن أن نسمّيه “دعشنة القطيف” (3). إعلاميًا في الصحف والقنوات الفضائية السعودية، بالإضافة الى وسائل التواصل الاجتماعي، وقد ضخّت الجيوش الالكترونية كمًّا هائلًا من التحريض في هذا المجال، قبل اجتياح العوامية وخلالها ولا تزال مستمرة.

حاولت أذرع النظام الدعائية تصوير المعارضين القطيفيين على أنهم مشابهون لـ”داعش” في “إرهابهم”، وتمّ استغلال أحداث تحصل في أيّ مجتمع – حتى وإن كانت صغيرة – لترويج الاتهام هذا، فضلًا عن صدور قرارات المحاكم السعودية بحق المتظاهرين الشبان كل فترة، والتي تقضي بالإعدام تعزيرًا في أغلب الأحيان، وكل ذنب هؤلاء الشبان أنهم شاركوا في التظاهرات المطلبية عامي 2011 و 2012. استمرت محاولات تشويه صورة الشيخ النمر الذي قاد الحراك الشعبي عام 2011، حتى بعد مرور عامين على إعدامه، مع نشر الصحف السعودية التي تحركها أجهزة الأمن السعودية “مانشيتات” تبعث على الضحك في استخفافها بعقول القرّاء، فمثلًا عنونت إحداها: “نمر إيران اغتال الجيراني منكِر الإرهاب” (4).

أعاد الإعلام السعودي الشيخ الشهيد نمر النمر الى الحياة بعد إعدامه بعامين، لاتهامه بالوقوف وراء مقتل الجيراني.. نعم، الفكرة خيالية وتبعث على السخرية، لكن هذا ما يُتحفنا به إعلام النظام السعودي بين الحين والآخر عندما يتعلق الأمر بسعيه البائس لتصفية الصوت الحر.

العهد


1- مقابلة مع د. ريتشارد داغي – مسؤول الطب الوقائي في شركة أرامكو 1947 – 1964

2- دراسة الباحث القطيفي مالك السعيد “دراسة في الأزمة السكنية بمحافظة القطيف في المملكة العربية السعودية” –2017

3- ورقة د. حمزة الحسن – “ما وراء دعشنة القطيف .. نظام متهالك، وسياسيون انتهازيون” – نوفمبر 2016

4- عكاظ 28/12/2017 – “نمر إيران اغتال الجيراني منكر الإرهاب”

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك