الرئيسية - النشرة - الشهيد النمر… أيقونة الكرامة

الشهيد النمر… أيقونة الكرامة

مرآة الجزيرة – عادل السعيد

إن كرامة الإنسان تحتل مكانة سامقة في الإسلام، وبها فضل الله تعالى الإنسان على بقية مخلوقاته. وتعتبر كرامة الإنسان كذلك، من الحقوق الإساسية التي لا يجوز المساس بها بحسب القانون الدولي، والقوانين الأساسية لعدد من الدول. كما تلزم سلطات تلك الدول نفسها قانونيا بصونها واحترامها.

وعلى النقيض من ذلك تتصرف الحكومات المستبدة، إذ إنها تطوق شعوبها على الدوام بالأنظمة والقوانين التي تحرمهم من حقوقهم الأساسية، كالكرامة والحرية، وتجرم من يمارس حقه فيها. والمملكة العربية السعودية على قائمة تلك الحكومات.

امتاز الشيخ نمر باقر النمر (رضوان الله عليه)، الذي نعيش اليوم الذكرى السنوية الأليمة لذبحه ظلما وعدوانا بسيف الظلم والجور قبل عامين، عن الكثير بإعلائه لقيمة الكرامة في خطابه، وحراكه المطلبي، عبر مطالبته الصريحة للحكومة السعودية بإعطاء الشعب حقوقه، وتمكينه من المشاركة السياسية، والكف عن الظلم الذي تلحقه به من أجل إسكاته، وغيرها من المطالب، وذلك مما تسبب لاحقاً باعتقاله.

كتب الشيخ الشهيد مرافعته في السجن بنفسه بغية الرد على لائحة التهم السياسية التي وجهت له، ولكن، ليس أملاً بالعفو أو رغبة في تخفيف العقوبة، أو طلباً لإرضاء غرور ظالم متجبر، بل لتكون وثيقة تاريخية تليق بمقامه ودمه، ولتبين الحق، ولتظهر أن الظالمين أضعف في ميدان الكلمة والمنطق، مع علمه المسبق أنهم سيتغلون ذلك لإدانته. ولقد أعلن في مقدمة مرافعته التي نشرت في كتاب يقع في 258 صفحة، وقبل الولوج في الردود :”وسألتزم قول الحق وذكر الواقع كما هو وإن استغل ذلك لإدانتي ومعاقبتي، مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه”.

عنونت مرافعته بــ “مرافعة الكرامة”، إذ إن جميع كلماته فيها تنضح وتنبض بالكرامة، على الرغم مما لاقه من محاولات حثيثة لإخضاعه وترهيبه، خصوصاً بعد عملية اختطافه الدموية، التي تعمدوا فيها إطلاق أربع رصاصات على رجله اليسرى، وإهمال إصابته وتركه بدون علاج، ولكنه أبى واستعصم بحبل الكرامة الإنسانية. وقال لهم بشجاعة قل نظيرها في التاريخ: “إن حياتي ليست أهم من كرامتي”. وحينما يأسوا منه قتلوه.

بلمحة خاطفة على مرافعة الكرامة نجد أن ردود الشهيد المتنوعة، وحتى الدينية منها، كانت نابعة من كرامته واحترامه لنفسه ولمجتمعه وطائفته. فهو تكلم بصراحة ووضوح ودون مواربة على خلاف ما يقوم به الكثير. وذلك لاعتقاده الجازم أن المواربة والنفاق في طرح الآراء بعيدة عن الكرامة. على سبيل المثال، من بين تهم الشيخ الشهيد كانت هناك مجموعة من التهم مغلفة بصبغة دينية وعقائدية وفق المفاهيم الوهابية، وإحداها كانت تهمة نقض البيعة. الشيخ الشهيد رد عليها بوضوح وشجاعة إستثنائية على اعتبارها “سالبة بانتفاء الموضوع”، لكونه لم يبايع ملوك السعودية من الأساس، وبعدها أسهب في شرح مفهوم البيعة بحسب النصوص الدينية الصحيحة، ولمن تجب.

قد تظن الكثير من المجتمعات والشعوب أن قيمة الكرامة والحرية من الترف القيمي الذي لا يحتاجه الإنسان، ولكن عبر التأمل والنظر في تاريخ وحركة المجتمعات والشعوب نجد أن ثمن التخلي عنها باهض جداً، فالخسران والكوارث الاقتصادية، والبشرية، والثقافية، والدينية وغيرها، ستكون حليفا لمن لم يقبل ذلك. ومن يقبل مقايضتها قبال المال، سيأتي اليوم الذي يسلب منه الظالم المستبد المال أيضا، ليكون في المطاف خسر كل شيء.

زبدة القول، الشيخ الشهيد أعطى للكرامة مكانة عالية وجعلها ثمنا لحياته، ولم يتنازل قيد أنملة عنها، وعن آرائه ودفاعه عن حقوق مجتمعه، وبذلك تحول بكل جدارة لأيقونة ومدرسة للكرامة، ونهرا يستقي منه المطالبين لها.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك