مقالات

أزمة المثقفين العرب

بين المطرقه والسندان يعيش شعبنا العربى حالة من التوهان , وقد تجلت أعراض هذه الحاله حين أنتشرت جراثيم الرأسماليه الطفيليه فى أرضنا العربيه تنخر وتقوض أركان الأمه على أمل تسليمها جثه هامده لقوى الرأسماليه العالميه التى تُسَير حركتها وتدور فى فلكها ,وأفه الرأسماليه المحليه – وقد أبتليت بها الشعوب الفقيره , خاصه شعوبنا العربيه البعيده عن آبار النفط – والتى تَستَنزِف قواها وعرقها وكدها وفائض أنتاجها , لتتكدث ثرواتها نتيجه سرقات فائض القيمه لتصب فى خزائن المؤسسات النقديه الأمريكيه والصهيونيه , تمثل فى النهايه ” مطرقة” شديده الطَرق ِعلى حياه شعبنا الكادح العامل , الطامح أبداً الى أن تسود بلدانه العداله الأجتماعيه أملاً فى حياه سياسيه تحفظ حقه وتصون قوت يومه وتبدل معيشته الى رخاء.

وبين سندان المثقفين – المتعاليين على شعوبهم والقابعين فى أبراج عاجيه يرتلون فيها رؤاهم الفكريه وتنظيراتهم السياسيه وايدلوجياتهم النظريه التى تحيط بذواتهم بعيدا عن هَمِ الشعوب وآمالها فى تغيير الواقع المُر الى عيش تتنفس فيه عداله اجتماعيه ,لتحقق فيه حريه سياسيه تبعا لذلك – يقبع شعبنا العربى فى رهان خاسر بكل تأكيد بعد أن خذله كثير من المثقفين حين قبِلوا أن يلعبوا سياسه مع الشيطان , وبرروا الصلح مع اسرائيل , وتساموا مع الرأسماليه المحليه بحجه أنها تملك رأس المال القادر على أن يوفرالتواصل الأعلامى والوصول الى الجماهير , فكان السقوط فى براثن ثقافته المعاديه للشعوب بتدمير كل القيم الثقافيه والأنسانيه وتعظيم الذات والآنا والنرجسيه على حساب الصالح العام والوطنيه والقوميه.

فى الخمسينات والستينات من القرن الماضى وحتى وفاة الزعيم جمال عبد الناصر , صعد المثقف المصرى والعربى الى قمة الوعى الثقافى والأدراك العلمى والفعلى لأهمية دور المثقفين فى كشف العدو الرأسمالى المستغل ومدى أرتباطه بالرأسماليه العالميه والأمبرياليه لتحقيق مصالحها وغاياتها فى مقابل تحقيق ذاتيته وأنانيته الفرديه على حساب الجماهير العربيه , وفضح المثقفين فى الدول التقدميه خطورة الرجعيه العربيه المتمثله فى ممالك الدول العربيه والنفطيه كرأس حربه لتحقيق الأهداف والمصالح الرأسماليه للوصول الى الأمبرياليه فى أبشع صورها , وفرق المثقف العربى بين الرأسماليه الوطنيه التى تشارك فى تحقيق الخطه الأقتصاديه وثَمَنَ دورها بين تحالف قوى الشعب العامل , وبين الرأسماليه المستغله التى أعتبرها رافدا للأمبرياليه , تساهم فى تدمير أقتصاد الوطن العربى وترهن أرادته السياسيه وتعمل على تبعيته للأمبرياليه العالميه.

بعد وفاه “ناصر” , وفرض “السادات ” لأتفاقيه السلام مع العدو الصهيونى , باِيعاز من قوى الرجعيه العربيه فى الخليج العربى وعلى ضفاف الأطلسى , بدى سقوط المثقفين وتدنىِ الثقافه والفكر والقيم والمبادىء”مريعاً” , وصار كل شىء يدخل فى كل شىء الى أن وصلت الثقافه والمثقفين الى الحاله المذريه التى نعيشها الآن , وبدى أن رأس المال قد حدد العُهر بديلا عن المصارحه والمكاشفه وأحترام حقوق الأنسان , وأستبيحت القيم والمبادىء وبدت النرجسيه والذاتيه بديلا عن الصالح العام والوطنيه والقوميه , وعاد المثقفون يروجون لسياسه الأنحناء وتقبيل أيادى الأمراء والملوك , وأصبحوا ضيوفا على قنوات ” العهر والشيكابيكا” التى بثها الخليجيون المنتفخه جيوبهم بعوائد البترول المسروق من بين جوانح شعوبهم ,وسايرتهم الرأسماليه العفنه فى كل بلدان العرب , فأفقدوا الشعوب توازنها وأهدروا قيمها ومبادئها , وجعلوا من العدو الصهيونى صديق ومن الجار الأيرانى “عدو” وسعروا نار المذهبيه والطائفيه بين السنه والشيعه ,وساير البعض من المثقفين هذا “العُهر”ووقف البعض الآخر يتفرج . وكانت أزمه المثقفين العرب تضغط على الشعب العربى بسندانها , وكأن مطرقه الرأسماليه العفنه لم تكن كافيه فى طرقها لتكسر عظام شعبنا الفقير .

تمر الثقافه العربيه وتبعا المثقفون العرب بحاله تعر أخلاقى وقيمي غير مسبوقه ، مما يحدو بنا إلى أن نلقي الضوء على الثقافة وتبعا المثقف قبل أن نشير إلى أعراض الأزمة وطرق علاجها

لكن قبل البدء فى التعريف ,فأنه يجدر بنا أن نشير أنه ليس من المنطق أن يسود التعميم أو الشموليه , فلا جدال أن هناك مثقفون عرب ومصريون قادوا النضال و بصروا الشعب بمخاطر الرجعيه العربيه وتعرضوا لتجريد ملابسهم فى نضالهم ضد الرأسماليه وأتباع الصهيونيه من الرجعيه العربيه , ولذا فهم تاريخ وواقع عملى يكون قاعده نبنى عليها ونطورها للخروج من تلك الأزمه , ولرحابه أفق وتجديد فكرى يؤسس لطليعه ثوريه تقود شعبنا العربى نحو نهضه جديده ووطن خال من اسرائيل وعملائه من حكام الخليج وكافه الملوك سواء على ساحل الأطلنطى ,أم فى الأسره الهاشميه .

بأختصار شديد الثقافه هى : “تهذيب النفس” أو “الفن والحضارة” أوهى مجموعة القيم والأفكار لأفراد في مجتمع ما.
اوهى كما قال أحد السلف مجموعة القيم التي يكتسبها الفرد في بيئته ومحيطه, ومع التطور والتمدين للتعريف حديثاً, صار مفهوم الثقافه مرتبطاً بقيم ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان بصفة عامه , فلا مجال إذن للحديث عن الثقافة بمعزل عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وتبعا لما سلف يبدو تعريف المثقف : فى أنه هو حامي قيم الخير والعدل والحرية، المدافع عن جماهير المظلومين وحقهم بحياة حرة كريمة, يتجلى فيها حل الصراع الطبقى بأذابه الفوارق بين الطبقات بطريقه سلميه ولا يمكن للمثقف أن يصبح يوما في جوقة الظلمة ومواكب المنافقين , والاِ صار فى عداء مع ماتدعو اليه الجماهير .

على أن المثقف العربى يجب أن يتميز بثقافته القوميه وأنتمائه العروبى , بما يرسخ الصراع العربى الصهيونى فى عقليته بأنه صراع وجود وليس صراع حدود, ويستتبع ذلك أن تسود ثقافه المقاومه لكل عملاء الأستعمار والصهيونيه من حكام الرجعيه العربيه فى الخليج والممالك العربيه سواء الهاشميه وتلك القابعه على ضفاف الأطلنطى , وبالتالى الوقوف مع النظام المصرى حتى يتحرر من كامب ديفيد التى كبل بها السادات مصر منذ السبعينات .

تجليات الأزمه وأعراضها :

منذ أتفاقيه العار بين السادات والعدو الصهيونى بدت أعراض أزمه المثقفين العرب تتجلى حتى تعرت تماما فى أعقاب ماسمى “بثورات الربيع العربى”, وتجلت مظاهر تسلسل تلك الأزمه فى فيما يلى :

1- فى أواخر السبعينات شن المثقفون العرب هجوما قويا على مصر من دون تفرقه بين نظام السادات والشعب المصرى ” الذى مازال يقاوم التطبيع”وتخندق المثقفون العرب مع من هندسوا للأتفاق الصهيونى الساداتى ” حكام الخليج خاصه السعوديه والملك الحسن فى المغرب “وبالتالى صاروا العوبه فى يد الرجعيه العربيه وتحقيق أهدافها .

2- ساهم بعض المثقفون المصريون فى تبرير أتفاق السادات مع أسرائيل ( لطفى الخولى رئيس تحرير مجله الطليعه اليساريه)بل وصل الأمر الى حد زياره بعضهم لأسرائيل ( المخرج على سالم والكاتب أنيس منصور).

3- التزم كثير من المثقفين العرب الصمت أزاء الهجوم على الأتحاد السوفيتى ” نصير الشعوب ضد التبعيه الأمريكيه ” بل كثير منهم شارك فى الهجوم عليه بأعتبار أن الشيوعيه فقر والحاد والرأسماليه غنى وأزدهار ,لينقلبوا 360 درجه على الواقع الذى ناضلوا من اجله ضد الراسماليه المستغله, عدو الشعوب وسارق فائض انتاج عمالها والقاطره التى تسحب الدول العربيه للتبعيه للأستعمار والأمبرياليه.

4- لم تدرك الغالبيه من المثقفين العرب حقيقه قناه “الجزيره القطريه” فى نشر ثقافه صهيونيه – بديلا عن الثقافه العروبيه وثقافه المقاومه- تؤدى الى خلق الفوضى بين ربوع الأمه العربيه والترويج لدوله اسرائيل لتقود شرق أوسط جديد , وشاركوا فى كل برامجها ( وأكبر مثال على ذلك الفلسطينى عزمى بشاره ).

5- فيما سمى بثورات الربيع العربى , لم يكن للمثقفين دور فى ترشيد الوعى الجماهيرى ولا قيادته وحينما بدى أن الصهيونيه والمخابرات الأمريكيه والرجعيه الخليجيه تلعب بأصابعها للترويج للفوضى الخلاقه , لم يكن من دور للمثقف العربى سوى السكوت او التماهى مع المؤامره , وكانت قمه المأساه فى وقوف البعض منهم مع التدخل الأطلنطى الخليجى فى ليبيا لتدميرها وقتل القذافى , بل والأكثر اشمئزازا هو وقوف البعض مع المؤامره الكونيه على سوريا , بسبب واهى وهو ديكتاتوريه النظام وكأن المطالبه بالحريه لاتتأتى اِلا عبر التآمر على سوريا وتدميرها.

6 – وقف المثقفين المصريين من الأنتخابات المصريه -التى بموجبها صار “مرسى” الأخوانى رئيسا لمصر وشكل الأخوان مجلس النواب – موقف المتفرج أو أعتبار ذلك ديمقراطيه , وغضوا الطرف عن تزوير اصوات الجماهير سواء بالرشاوى الأنتخابيه او بتزوير البطاقات فى المطابع الأميريه وتوزيعها على اتباعهم , وقد نزل المثقف المصرى بذلك عن موقفه من الانتخابات من انه لابد أن تتحقق العداله الأجتماعيه اولا ليكون الشعب قادرا على الأدلاء بصوته فى حريه , فساهموا فى سرقه مصر من جانب الأخوان.

7 – وأخيرا يشارك كثير من المثقفين العرب سواء بالسكوت او بتأييد العدوان السعودى على اليمن , بحجه دنيئه وهو محاصره المد الأيرانى داخل الأرض العربيه ,وكأن ذلك لايتم الا بتدمير البلدان العربيه وتفتيت مكوناتها وأعتبار العدو الأزلى للأمه العربيه” أسرائيل” شريك سلام, وهو ما يجعنا نشير الى هجمة بعض المثقفين العرب والمصريين ” نؤخراً” على جمال عبد الناصر ومسنادته لثوره اليمن 1962 , فى تبرأ من عروبتهم وقيمهم فى مسانده كل الحركات التحرريه والثوريه التى تبغى تخليص شعوبها من ربقه الاستعمار والرجعيه , والتى ندر ناصر حياته من أجلها .

أن أعراض أزمه المثقفين العرب وقد شخصنا البعض منها ,أملين أن يتدراك جيل المثقفين العرب المحدثين تَجنب آثارها السلبيه على أمتنا وشعبنا , خاصة بعد أن وضحت الرؤيه الآن فيما نشرته صحيفه “بلومبرغ” الأمريكيه التى تحدثت عن لقاء سعودى أسرائيلى , سبقه خمسه لقاءات سريه بين “أنور ماجد عشقى” رجل المخابرات السعودي و “دورى غولد” أكبر مساعدى نتنياهو – فى واشنطن – الهدف وضع استراتيجيه سياسيه أقتصاديه لمحاصره ايران أقليميا.

اللقاء تعهد بفتح الأجواء السعوديه للطائرات الصهيونيه أذا أرادت ضرب أيران ,وضمن لأسرائيل سلامها وعلاقات دبلوماسيه بين دول عربيه وأسلاميه وعو ما يعيد الى الأذهان طلب آل سعود من القوات الجويه الأسرائيليه أستخدام مطارات المملكه السعوديه ومجالها الجوى ,لضرب الجيش المصرى فى اليمن الذى ساند ثوره اليمن 1962 فى عهد الزعيم “جمال عبد الناصر”.

وعلى ذلك فأن علاج أزمه المثقفين العرب شريطه وعى الدرس , لابد أن تكون عبر الأيمان الذى لايتزعزع بأن الصراع مع العدو الصهيونى صراع وجود , وأن ممالك الخليج والهاشميين عملاء بلاحدود , وأن الرأسماليه العربيه المستغله هى ذنب الأمبرياليه والصهيونيه فى المنطقه العربيه , وأن المحافظه على وحده البلدان العربيه هو فرض عين ومن يتماهى مع حركات الأسلام السياسى فاعل لتدمير بلدان أمتنا العربيه , ولابد من الأيمان بعمل استراتيجى يوحد الشعوب العربيه من المحيط الى الخليج , وأن من يسير فى فلك الأعلام الرأسمالى الخليجى , هو أثير للديموجاجيه ومروج لشرذمه الفكر وتضاربه وفرض الغوغاء على شعبنا العربى , وعدم وضوح الرؤيه أمامه .

وأخيرا فأنه يجب على المثقفين العرب أن يوحدوا الرؤى والجهود لقياده شعبنا العربى لأجهاض المؤامره الكونيه عليه , قبل أن يفرض الشعب على الجميع- بما فيهم من يدعون انهم طليعته المثقفه -أرادته عليهم وعلى الحياه نفسها ليصوغها من جديد وفق أمانيه فى الحريه والأشتركيه والوحده.

محمود كامل الكومي 

بانوروما الشرق الأوسط

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى