الرئيسية + النشرة + ابن سلمان يطوّع شركات العلاقات العامة للترويج لسياساته

ابن سلمان يطوّع شركات العلاقات العامة للترويج لسياساته

خلود الرمح

الطاغية ولي العهد محمد بن سلمان يعيش وحيداً معتزلاً بنفسه عن من حوله، وهو الطامح بأن يصبح ملكا، لذا فهو يسعي لتعويض هذا النقص الذي يعيشه من حالة الخوف التي دفعته للعزلة من خلال دعاية ترويجية تبرز مدى ولاء الشعب له ومدى رضاهم عن انجازاته، وكأنه يطبق مقولة وزير الدعاية النازية غوبلز “اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون”.

استدعى محمد بن سلمان أعمامه وأولاد عمومته، الذين صمتوا وغابت أصواتهم تماما بعد موجة الاعتقالات الأخيرة. وهو الآن يسعى لتعزيز نفوذه وتمكين سلطته ولا يأبه للإجماع، الذي ولى زمنه إلى الأبد، ولم يعد ثمة شك في أنه من خلال الإجراءات القمعية الأخيرة، التي لجأ إليها بذريعة مكافحة الإرهاب، قد تخلى تماما عن الجزرة. هذا لم يكن يقتصر على كيفية إدارة العائلة الملكية الحاكمة لعلاقاتها مع المجتمع والأصوات الكثيرة والمتعددة داخل المؤسسة الدينية وفي أوساط المثقفين العصريين، ولكن أيضا في طريقة تعاملها مع الطامحين من أفرادها فمن خلال القبضة الحديدية تمكن ولي العهد، على الأقل حتى الآن، من التخلص من كل معارضة لحكمه داخل العائلة الحاكمة، ومن إسكات نقاده من مختلف المشارب والاتجاهات.

فقد اعتقل المئات من المفكرين ورجال الدين ورجال الأعمال، وركز كل السلطات في يديه، التي باتت تقبض بشكل تام على كل وسائل الإكراه ووسائل الإعلام وبينما يجرد داخل فندق الريتز العصا تلو العصا ويفاوض المعتقلين على دفع ما يشبه الدية مقابل إعتاق رقابهم وإنقاذ أنفسهم من موت يبدو محتما، يستمر محمد بن سلمان في التمسك باستطلاعات الرأي السحرية، وهو الآن يسعى لإيجاد ملجأ فيما يسمى جيل الشباب الذي يُدعى أنه يوافقه تماما ويقدر له الانفتاح الذي بدأه والسياسات الدينية والاقتصادية، التي وعد بانتهاجها لتحقيق التنمية وحتى الوصول إلى نتائج سحرية تعود بالنفع على الجميع، ويهمه جدا أن يروج لاستطلاعات رأي محدودة القيمة في الوقت الذي لم يعد قادرا على ضمان الإجماع داخل عائلته ولا الركون إليه، وخاصة بعد أن فعل ما فعله بالأسماء الكبيرة مثل محمد بن نايف ومتعب بن عبد الله ناهيك عن كبار الأثرياء مثل الوليد بن طلال.

لقد بات اليوم بإمكان الملوك المستبدين الذين يرفلون في الثراء أن يستعينوا بشركات العلاقات العامة ومؤسسات الأبحاث الخاصة بالسوق، لكي يطوروا أساليب الدعاية القديمة بحيث تصبح أكثر تعقيدا وحذقا، وليس مستغربا إذن أن يزعموا بأن لديهم الإمكانيات العلمية لتوثيق الشعور العام بالتقدير والرضى تجاه سياساتهم في أوساط رعاياهم، الذين لا يشاركون لا في انتخاب ولا في صناعة قرار.

وتجدر الإشارة إلى أن الخدع الرقمية ليست كافية ما لم تفض إلى الرقم السحري القديم. فطبقا للاستطلاع السعودي، 99 بالمائة من الرجال السعوديين والنساء السعوديات الذين استطلعت آراؤهم – وهم يتوزعون على مختلف المناطق وتتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة – يعتقدون بأن محمد بن سلمان عزز الاستقرار والأمن في البلاد، إلا أن آلة العلاقات العامة التابعة لمحمد بن سلمان باتت متخلفة إذا ما أخذنا بالاعتبار حقيقة أن الجماهير تجاوزت رقم 99 بالمائة، وتتوقع وسائل أكثر حذقا لتقييم معدلات الرضى والموافقة هنا يعرض سحر الأرقام والأزمان على الشعب، كما لو كان تقديرا علميا للرأي العام، ولكن الغريب في المسألة هو هبوط النسب من 94.4 إلى 92 عندما يُسأل السعوديون ما إذا كان هو عراب الإصلاح. إضافة إلى ذلك، تتراجع النسبة أيضاً إلى 91.75 عندما يتعلق الأمر بإقرار إصلاح العلاقة ما بين الجنسين، ثم تتراجع بشكل حاد إلى 80.02 بالمائة عندما يُسأل الناس عن تقييمهم لبرامج محمد بن سلمان المتعلقة بالرفاهية.الانتخابات، البرلمانات، والحكومات المنتخبة باتت هي اللغة الدارجة اليوم، ومع ذلك مازال محمد بن سلمان يسلك سبيل الدعاية السحرية للعهد الستاليني من المثير للدهشة أن يحتاج شخص يحكم بالقبضة الحديدية إلى اللجوء إلى استطلاعات الرأي، التي تفضي إلى هذه الأرقام السخيفة ولسوء الحظ، مثل هذه الاستطلاعات لا معنى لها في السياقات الاستبدادية والقمعية.

فحينما يتم تجريم الآراء الناقدة وتتعرض للتضييق الخانق، ويتم التعامل مع من يخرجون برؤى بديلة كما لو كانوا خونة أو إرهابيين أو منشقين، فلا قيمة لمجرد الظن بأن هذه الاستطلاعات تولد نتائج صحيحة ودقيقة. مخطىء من يظنّ أن أيام الدكتاتوريين العرب قد ولت، حينما كان الواحد منهم يعلن أنه فاز بتسعة وتسعين بالمائة من الأصوات، فها قد انضم ولي العهد السعودي إلى القائمة الطويلة من الأمراء والشيوخ الذي يتوقون لإخبارنا بمدى شعبيتهم.

شاركها مع أصدقائك