الرئيسية + النشرة + العوامية محاصرة بين اجتياح القوات السعودية وروايات الإعلام الملفقة

العوامية محاصرة بين اجتياح القوات السعودية وروايات الإعلام الملفقة

مرآة الجزيرة ـ حوراء النمر

على أجساد أكثر من 30 شهيداً وعشرات الجرحى، وتشريد مئات العائلات، وتدمير أحياء سكنية بكاملها عبر آلة عدوان سلطوي نفّذت اجتياحاً عسكرياً على بلدة العوامية وأهلها لأكثر من 100 يوم، وحرمان مئات الأسر من ممتلكاتها وأرزاقها وحياتها وأبنائها، وتحويل الاجتياح العسكري المُعلن إلى ممارسات قمعية ومضايقات تخنق حياة الأهالي عبر الحواجز العسكرية والخرسانية، والحرمان من الخدمات البلدية، والصحية، والتعليمية، والاجتماعية. وسط هذه المشهدية السوداوية والحالة القاتمة لأوضاع أهالي عوام، تبرز مغالطات السلطات على صفحات الإعلام الغربي، التي تدّعي إعادة إعمار العوامية بعد تدميرها على أيدي قوات الأمن “السعودية” وانهمار الرصاص والقذائف على رؤوس الأهالي العزل ومنازلهم لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة.

بحجم خزائن المال “السعودي” تتمظهر ادّعاءات الإعلام المأجور في الداخل والمخدوع في الخارج فيما يتعلق بالعوامية وإعادة إعمارها، البلدة التي تعاني ويلات الاجتياح العسكري الذي أثقل كاهلها على مدى شهور، نام أطفالها واستفاقوا على أصوات الرصاص والمدافع والتفجيرات، إلا أن تغييباً تاماً للإعلام وعدساته وصوته رافق الهجمة السلطوية العسكرية. وبعد قرابة الشهرين من الإعلان عن توقف العمليات العسكرية، ادّعت إحدى وسائل الإعلام الغربية بأن السلطات السعودية أطلقت عمليات إعادة إعمار البلدة، ومشاهد وصور الحداثة تنتشر على الجدران، على حدّ تعبيرها.

إعلام غربي يروّج روايات السلطة حول العدوان على العوامية

على امتداد البلدة وأحيائها وبيوتها، تؤكد المشاهد والآثار شكل وحجم الهجمة الشرسة التي غيّرت معالم البلدة، خاصة “حيّ المسوّرة” الأثري الذي تحول إلى ساحة خالية بعد تدميره كلياً وإزالة الركام من مكانه، وإحاطته بمدرعات عسكرية وجنود وآليات لا تبرح مكانها، بل يبقى صوت التهديد مُطلق العنان ليحذّر الأهالي من الاقتراب من الموقع بذريعة الأسباب الأمنية، ناهيك عن مشاهد الحركة العسكرية بالمدرعات والآليات المصفحة والجنود الراجلين والحواجز الخرسانية المنتشرة في الأحياء بارتفاع يتجاوز 2م، غير أن مَنْ حضر من وفود إعلامية غربية برفقة السلطات السعودية لم يرَ تلك المشاهد الخانقة لأبسط متطلبات الحياة.

ضمن جولة لوكالة “فرانس برس” دخل مراسلها إلى العوامية بمرافقة وفد سلطوي، ومن دون أن ينشر صوراً أو مقاطع مصوّرة، أفرد مساحة لا بأس بها لرواية ما شاهده وفق قوله، مبتدئاً بالإعلانات المتتاية عن إعادة إعمار الحي القديم، وتطوير المنطقة، غير محقق بصحة ما أرادت السلطات السعودية له أن يراه, ولم يكلف نفسه باختراق أعماق البلدة لاكنشاف حقيقة ما جرى, ومقابلة الأهالي بعيداً عن حضور سطوة الأجهزة الأمنية التي رافقته حتى يستشعروا الأمان ويتحدثوا له عن معاناتهم بحرية مطلقة, خصوصاً إذا وفر لهم الحماية بإخفاء هوياتهم كشهود على الوقائع, حتى لا تطالهم يد الأجهزة الأمنية السعودية بالانتقام والبطش..

نظارة السلطة التي أسدلت على عيني مراسل “فرانس برس” جعلته لا يشاهد جدران أحياء العوامية وآثار الرصاص والتفجيرات وبقايا الشظايا، الشاهدة على حرب نُفّذت على كامل مساحة البلدة، واكتفى بأنه رأى رصاصات شوّهت أبنية فقط، مشيراً إلى أنه قُتل فيها رجال أمن، غير مكترث لأكثر من 30 شهيداً وأكثر من 140 جريجاً بينهم أطفال وكهول وشيب وشباب من الرجال والنساء.

حمل التقرير بكل حرف من حروفه، اتهامات وافتراءات وُجهت لأهالي العوامية الذين تحملوا معاناة الحصار والاجتياح الذي فرضته السلطات بذرائع واهية، فيما لم يكشف عن معاناة المواطنين داخل البلدة المُحاصرة الذين فقدوا أبناءهم وأهليهم وأرزاقهم وشُردوا من منازلهم.

المغالطات التي حملها التقرير تكشف توجهه وكيفية خطه، فالأعمال العسكرية التي توقفت في 9 أغسطس الماضي، دوّن في التقرير أنها انتهت يوم 7 اغسطس. وفيما كانت الجدران تحمل طلبات الشعب ومعاناتهم من الحرمان والتضييق وسلب الحريات، أوصلت السلطة للوفد الإعلامي أن المخطوطات بأيدي الشبان كانت ضد السلطة على حدّ زعمها ولم تعترف بالحرمان والمعاناة المفروضة على المنطقة، وليست العوامية فقط بل على جميع أهالي القطيف والأحساء.

الشيعة يعانون التمييز

في جملة واحدة أقرّ التقرير معاناة المواطنين خاصة الشيعة في ظل حكم “آل سعود”، مؤكداً أن الشيعة يعيشون في الشرق الغني بالنفط لكنهم يعانون التهميش، مشيراً إلى أنهم (الشيعة) يشكلون نحو 10 إلى 15 في المئة من عدد السكان المقدَّر بنحو 32 مليون نسمة، بين مواطنين ومقيمين.

“نحن متعبون جداً جداً جداً”، قال أحد أبناء المنطقة “محمد علي الشيوخ” الذي عاد إلى حيه بعد توقف الحرب، وفق التقرير، مشيراً إلى أن شهادة “الشيوخ” أُخذت أمام مسؤول من السلطة السعودية رافق الوفد، ما يؤكد أن الإفادة ستكون وفقاً لأهواء السلطة التي تمارس الترهيب والإرهاب بوجه كل من يحاول أو يعبّر عن رأيه، وبالتالي فإن كلام “الشيوخ” يحمل الوجهين من التعب أياً كانت محاولات السلطة بتوجيه التصريحات والشهادات لتبرير عدوانها والقذف بالاتهامات نحو أبناء البلدة، إذ اكتفى الشيوخ بالقول: “نأمل أن تستعيد العوامية مجدها”، وهو ما يتطلع إليه أهالي البلدة.

في سياق منفصل، ادّعى التقرير أنه فور انتهاء الاجتياح سرّعت الحكومة الأعمال في المشروع الذي تقدر تكلفته بملايين الدولارات، في إشارة إلى الادعاءات ببناء المسوّرة، وفق مخطط سلطوي، غير أن أهالي البلدة يؤكدون استمرار الحصار الشامل والاعتقالات العشوائية، مشيرين الى أنه على الرغم من أن العمليات العسكرية توقفت إلا أن القوات والمظاهر العسكرية مستمرة عبر عشرات الحواجز والدوريات والجنود المنتشرين في كافة أرجاء البلدة.

على منوال آخر، زعم المسؤول السعودي الذي رافق فريق وكالة الصحافة الفرنسية في الجولة الإعلامية، بأن المواجهات الأخيرة انتهت بمباركة من سكان الحي، مدعياً أن “هناك من أسماهم بالإرهابيين لا يزالون في الخارج، لكن عددهم صغير”، وفق تعبيره، وحاول تبرير استهداف المدارس، مدعياً أن مدرسة في المسورة اتخذها القناصة منطلقاً لهجماتهم، في حين أن الحي التاريخي لم توجد ضمن نطاقه أية مدرسة خلال ال50 عاماً الماضية!! ولم يلتفت ممثل السلطة إلى مشهد الجنود السعوديين الذين كان أحدهم يقصف من سطح إحدى المدارس منازل الأهالي فيما الآخرين يسددون رصاصهم على المارة.

وهذا ما أكدته منظمات حقوقية بينها “هيومن رايتس ووتش” بأن قوات وجنود السلطات تمركزت في مدرسة، وأطلقت النار باتجاه مناطق سكنية، فضلاً عن إغلاق الصيدليات والعيادات الطبية، وحرمان المصابين برصاص قناصتها من تلقي العلاج. وكان آدم كوجل الباحث في شؤون الشرق الأوسط في المنظمة قال إن أهالي العوامية “يريدون من السلطات أن تقدم استثمارات، لكنهم يريدون منها أيضاً أن تضع حداً للتمييز”.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي
شاركها مع أصدقائك